سياسة الاحتواء الثقافي

يرى كثير من الباحثين أن عمليات المخابرات الأمريكية، رغم ما أنفق عليها من مليارات للتنفيذ والتخطيط والتجنيد، كانت في غالبها عمليات فاشلة، خاصة في فترة الحرب الباردة، ويستشهدون على ذلك بتفاجؤ جهاز الاستخبارات ذي السمعة العالمية بالقنبلة النووية السوفييتية وبعجزه عن التنبؤ بأحداث كبرى كالحرب الكورية أو الاجتياح الصيني.
الواقع أن هذه الوكالة عجزت عن وضع تصور لمرحلة ما بعد ستالين، حيث بدا وكأن وفاته (مارس 1953) أربكتها بقوة وأظهرت عجزها عن قراءة التطورات المستقبلية في أهم دولة بالنسبة للأمن القومي الأمريكي، وهو ما جعل الرئيس أيزنهاور يتساءل ذات يوم عن جدوى وجود هذه الوكالة، التي لم تستطيع حتى أن تجيبه عما إذا كانت روسيا بصدد هجوم مباغت على الولايات المتحدة. لوهلة بدت التقارير الاستخبارية أقرب للتخمين والحدس، بل إنها لم تفلح حتى في التخمين حيث قدرت أن إطلاق صاروخ باليستي سوفييتي عابر للقارات لن يتم قبل عام 1969 وهو ما تم بنجاح فعلاً عام 1957!
أما الجانب الذي نجحت فيه وكالة الاستخبارات الأمريكية حينها فقد كان الحرب الدعائية ومحاولة السيطرة على وسائل الإعلام وتوجيه الرأي العام بما يخدم المصلحة العامة، حسب وجهة نظر صانع القرار. كان لألان دالاس الذي كان يدير الوكالة دور مهم في تلك المرحلة، فصنع علاقات متشابكة مع الناشرين وكتاب المقالات المهمين واستطاع تجنيد منابر كـ»الواشنطن بوست» و»نيويورك تايمز» و»التايم» وغيرها من الصحف الأمريكية، كما اتبع سياسات صارمة تهدف إلى استبعاد أي صوت نشاز لا يعزف ضمن جوقته مبرراً ذلك بأن الوقت هو وقت معركة. كانت من نتيجة كل ذلك إظهار الوكالة كجسم لا يتسرب إليه الضعف وإظهار رجالها بمظهر خارق وإظهار عملياتها كنموذج لعمليات وكالة لا تعرف الفشل، وكل ذلك كان بالتأكيد مجرد دعاية لا تطابق الحقيقة رغم أثرها العميق في الرأي العام داخل أمريكا وفي غيرها من الدول حول العالم. أثبتت الحرب الثقافية التي وجهت بقوة للعدو الشرقي نجاحها، فساهمت في إضعافه وخلخلة بنيانه أكثر بكثير مما فعل الجواسيس التقليديون.
نكاد لا نختلف اليوم على حقيقة أن العمل الثقافي الغربي والأمريكي على وجه الخصوص لم يكن أبداً محايداً وخالياً من الأهداف السياسية، حيث تؤكد الدراسات الغربية قبل العربية أن الدعم السخي لبعض المنظمات والشخصيات الثقافية العالمية ليس في معظمه لسواد عيون أولئك الناشطين الثقافيين. من هذه الدراسات دراسة شهيرة لفرانسيس سوندرز صدرت عام 1999 بعنوان: «من الذي دفع أجرة العازف؟ السي آي أيه والحرب الثقافية الباردة». الدراسة تنطلق من المثل الإنكليزي الذي يقول «من يدفع أجرة العازف يختر اللحن»، وهو ملخص الفكرة التي يمكن تسميتها بـ»الحرب الثقافية الباردة»، أي محاولة التحكم في القيم والتصورات وفي مضمون الحياة الثقافية وهو ما تم تطبيقه في إطار الحرب ضد معسكر الاتحاد السوفييتي سابقاً، حيث وصلت سياسة الاختراق هذه حد رعاية أنشطة ثقافية كبيرة، بل تمويل مؤتمرات شيوعية رسمية.
الولايات المتحدة كانت تنظر إلى الحرب مع السوفييت على أساس أنها «حرب عقول» بالدرجة الأولى وصراع أفكار، ولذلك لم تدخر وسعاً في صد هجمات الشيوعيين الثقافية التي كانت تحاول كل يوم بدورها اختراق المجتمعات الغربية وكسب أنصار جدد. من الحقائق أيضاً ما ذكره تيم واينر في كتابه عن تاريخ السي آي إيه من أن ما سمي آنذاك بـ»مجلس الحرية الثقافية» الذي استهدف مثقفي العالم ومن شعاراته «المعركة من أجل ذهن بيكاسو» وذلك من أجل التسويق لنفسه كمؤسسة بهدف إنساني نبيل، ذلك المجلس الذي كان يتحصل على موازنة سنوية بمئات الآلاف من الدولارات، لم يكن سوى واجهة من واجهات المخابرات الأمريكية للتأثير والاستقطاب مثله مثل «راديو أوروبا الحرة» الذي توجه بشكل أكثر سفوراً مخاطباً الأوروبيين والأوروبيين الشرقيين في دعاية مضادة للدعاية الشيوعية. لقد انهار الاتحاد السوفييتي أولاً بتسريب فكرة «الوعي القومي» عبر تشجيع الثقافات المحلية ثم بإقرار «حق التعبير» وكلها حقوق كانت مرفوضة بشدة من قبل المنظّر الشيوعي، على أساس أنها وسائل هدامة، لكنه سرعان ما تم قبولها رويداً رويداً حتى لا يبدو الاتحاد السوفييتي قامعاً لحريات شعبه وعلى رأسهم البروليتاريا التي جاء مدعياً نصرتها. ثم جاءت الخطوة الأخيرة بتمرير «حق تقرير المصير» الذي كان آخر مسمار في نعش الاتحاد الكبير، أو انهياره في اللحظة التي نوى فيها الشيوعيون التخلص من أسلحتهم النوعية معلنين الاقتناع بضرورة «نزع السلاح» وهو ما أخفى في الواقع عجزهم عن الاستمرار الأبدي في سباق التسلح، خاصة بعد أن عمد غورباتشوف إلى دعوة المجتمع الدولي للتفتيش في إطار سياسته الجديدة المنفتحة على العالم. وسواء كان تقرير المصير هو اللحظة الحاسمة أو سياسة الانفتاح ونزع السلاح فالنتيجة واحدة وهي انهزام ما ظل ينظر إليه كعدو تقليدي لليبرالية والرأسمالية.
ما نعنيه هنا بالاحتواء الثقافي هو ذلك التدخل الناعم الذي ينخر الدولة المستهدفة من الداخل ويجعلها تسلم نفسها وتستسلم لمن كانوا أعداءها، بل يجعلها تؤمن بأن الانتصار عليهم مستحيل وأن فكرة النضال مهمة عبثية.
ولا يمكننا أن نغادر هذه النقطة قبل أن نشير إلى مفارقة أن الغرب الذي أقنعنا بقدسية الدولة من أجل تدمير كل كيان آخر أكبر أو أصغر منها هو الذي عمد إلى إحياء الشعوبية وتدمير الدولة السوفييتية الموحدة، إنها القواعد والمبادئ التي تتغير بحسب الظروف والأحوال. وربما قام أعداء الدولة السوفييتية بالدور الذي قام به الروس إزاء الامبراطورية العثمانية المنافسة من تشجيع القوميات على الانفصال والثورة تحت دعاوى التحرير المبنية على مبادئ الثورة الفرنسية.
الأطماع الاستعمارية واحدة ومتشابهة، فإذا كان حلم روسيا حينها مد امبراطوريتها عبر الأراضي العثمانية حتى البحار الدافئة، فإن حلم التحالف الأورو- أمريكي الحديث كان خلق حلفاء داخل مناطق النفوذ السوفييتية. وبالتركيز على الجانب الثقافي في الموضوع فإننا لا نهمل الجوانب الأخرى وخاصة الاقتصادية، لكن تلخيص الوضع باعتبار أن السوفييت فشلوا لأن اقتصادهم كان أضعف قد يكون مخلاً وبعيداً عن الموضوعية.
نحن هنا لا نقلل من شأن الأسباب الاقتصادية، خاصة التي تعلقت بانهيار أسعار البترول في ذلك الوقت، لكننا نقول إن المنحى الاقتصادي مرتبط بشكل وثيق بالمناحي الثقافية والفكرية ولا يمكن فصله عنهما، فالماركسية التي قامت كفكرة اقتصادية في المقام الأول أظهرت فشلها ولم تستطع الاستمرار في نهجها القائم على «الشيوع» والمساواة حتى بين غير المتساويين في الكسب والإنتاج، فكان التعثر الاقتصادي مجرد واجهة للتعثر الفكري والحضاري وانقلبت النبوءة الماركسية التي بشّرت بنهاية النموذج الرأسمالي وما ارتبط به من مفاهيم وأسس مجتمعية إلى حقيقة مغايرة تماماً ومعكوسة.
لم يكن المقال ليتسع للإفاضة في الحديث عن مجمل أسباب انهيار الإمبراطورية السوفييتية وهو ما جعلنا نفضل التركيز على هذا الجانب من أجل أخذ الدروس والعبر على اعتبار أن الولايات المتحدة ما تزال ماضية في مخططات الاحتواء الثقافي والإعلامي لما تعتبرها «تحديات عالمية» خاصة بعد ثبوت نجاح هذه السياسة في أكثر من مكان.
كاتب سوداني

سياسة الاحتواء الثقافي

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية