قبل معركة الموصل: حسابات ما بعد «داعش»

ربما بات إطلاق المرحلة الثالثة من معركة تحرير محافظة نينوى أمرا مفروغا منه في حسابات الساسة العراقيين والمراقبين الدوليين، بل صرح بعض نواب البرلمان عن محافظة نينوى، بأن بدء العمليات سيكون في منتصف شهر اكتوبر المقبل، في تسريبات نشرتها بعض وسائل الإعلام.
ومع النجاح النسبي في المرحلتين الأولى والثانية من معارك قيادة قوات نينوى وقوات مكافحة الإرهاب والبيشمركة الكردية، التي دارت في المدن القريبة من الموصل مركز محافظة نينوى، إلا أن الغموض ما زال يلف الكثير من التفاصيل، والاحترابات والضغائن السياسية مازالت هي سيدة التصريحات السياسية التي تصدر عن الفرقاء السياسيين العراقيين.
فالساسة الأكراد في الإقليم كانت لهم تصريحاتهم وفق رؤية الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه رئيس الاقليم المنتهية ولايته مسعود بارزاني، والرؤية الكردية الرسمية ما زالت تعبر عن عدم الرغبة في الاشتراك بمعارك واسعة تنضوي فيها قوات البيشمركة تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة – رئيس الوزراء حيدر العبادي، فرغم أن البيشمركة قوات رسمية باعتراف الدستور العراقي، إلا أنها تحظى باستقلالية واضحة عن قرار الحكومة المركزية، وأن من يديرها بشكل فعلي هي حكومة الاقليم. وحكومة الإقليم ترى أن ليس من مصلحتها الدخول في معارك كبيرة لتحرير مدن عربية ستسلمها لاحقا للحكومة المركزية، إنما اقتصرت معارك البيشمركة على القتال دفاعا وهجوما على ما عرف بالمناطق المتنازع عليها في محافظة كركوك، وبعض مدن محافظة ديالى ذات الاغلبية الكردية، وسهل نينوى حيث تعيش بعض الاقليات مثل التركمان والشبك والايزيديين، التي يمكن ضم أراضيها تحت ظل حكومة الإقليم، وقد صرح بذلك أكثر من مسؤول كردي في وزارة البيشمركة أو في حكومة الاقليم، مع تصعيد لهجة التهديد بطرح موضوع استقلال الاقليم للاستفتاء الشعبي قريبا. ويرى بعض المراقبين ان موضوع استقلال الاقليم بات تهديدا للقفز أو الهروب إلى الأمام، مما يعيشه الاقليم من أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية تتمثل في نزاعات خفية بين الاحزاب الكردية الثلاثة الكبرى (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني وجبهة التغيير). اما العرب السنة، وهم اصحاب الارض التي تدور عليها المعارك، والذين يمثلون الاغلبية السكانية في محافظة نينوى، فإن تشتت قرارهم وتوزع تصريحاتهم غير خاف على متابعي الشأن العراقي، فاثيل النجيفي محافظ نينوى السابق وأسامة النجيفي رئيس البرلمان العراقي السابق من صقور السنة، مازالا يسوقان نفسيهما باعتبارهما المتحدثين الرسميين والحصريين باسم أهالي نينوى، ويطرحان الامر على أنه شأن (داخلي) سني، وعلى هذا الاساس يطالبان الحكومة باشراكهما في اتخاذ القرار حول طبيعة وعدد وعدة القوات العسكرية وشبه العسكرية التي ستشترك في المعركة المقبلة، هذا اذا علمنا ان أثيل النجيفي يقود ما يعرف بالحشد الوطني لاهالي الموصل المكون من متطوعين من اهالي الموصل يتدربون في معسكرهم في بعشيقة القريبة من الموصل، تحت ادارة قوات من الجيش التركي المتواجد بجنوده وضباطه ومعداته، رغم رفض الحكومة المركزية لذلك، كما تنظر حكومة الاقليم بعين الريبة وعدم التعاون للقوات التركية المتواجدة في الاراضي القريبة من الاقليم، لأنها تعلم أن لهذه القوات دورا في الحد أو منع اقامة الدولة الكردية المقبلة التي ترفضها حكومة انقرة وتعتبرها تهديدا استراتيجيا لمستقبل كردستان تركيا المجاور لكردستان العراق وسوريا.
من جانبه صرح الممثل الرسمي للساسة السنة بحسب المحاصصة الحكومية، رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، في بيان رسمي على إثر لقائه بنائب وزير الخارجية الامريكي أنتوني بلينكن الذي يقوم بزيارات مكوكية في المنطقة قبيل بدء العمل العسكري، مؤكدا على (مرحلة ما بعد داعش) حيث قال «إن التخطيط لمرحلة ما بعد داعش لا يقل أهمية عن عملية القضاء على هذا التنظيم في العراق، داعيا إلى ضرورة معالجة الأسباب التي أدت إلى ظهور التنظيم. وأكد على ضرورة المباشرة بعمليات تأهيل فكري ونفسي ومجتمعي، للحيلولة دون التعرض لمثل (نكبة تنظيم داعش) التي ألحقت بالعراق والعراقيين الأذى الكبير، وقال إن الشغل الشاغل اليوم يتمثل بالإعداد والتهيئة لمعركة نينوى الفاصلة، مشيرا إلى ضرورة استثمار المعنويات العالية وزخم الانتصارات الأخيرة التي تحققت، في عدم منح فرصة للإرهاب كي يتقوى من جديد»، وأضاف الجبوري «أن الاستقرار السياسي ضمانة للمرحلة المقبلة، وهو يتطلب المزيد من الجهد المشترك والمعالجات السريعة والحقيقية للأزمات التي من شأنها دعم مسيرة الإصلاح التي يترقبها الشعب وهو ما نعمل لأجله ونجتهد في سبيله».
بينما في المقابل نجد أن حكومة حيدر العبادي التي تعاني من الضعف وعدم الانسجام نتيجة إقالة وزير الدفاع خالد العبيدي على خلفية استجوابه في البرلمان، واستقالة وزير الداخلية محمد الغبان إثر الخروقات الأمنية التي ضربت مدينة بغداد مؤخرا مخلفة مئات الجرحى والقتلى، وبقاء منصبيهما شاغرين نتيجة عدم اتفاق الكتل البرلمانية على مرشحين جديدين، نجد هذه الحكومة ما زالت مصرة على اشراك قوات الحشد الشعبي بفصائله المتعددة في عمليات ساندة، تقوم على حصار المدن التي يدور فيها القتال، كما حصل في معارك تحرير الانبار والفلوجة، على الا تشترك هذه القوات في الدخول الى المدينة، خوفا من ردود فعل طائفية وحدوث اقتتال بين الاطراف المشتركة في قتال تنظيم ما يعرف بالدولة الاسلامية، ويشير البعض الى الدور الايراني الضاغط على الحكومة العراقية للمطالبة بهذه المشاركة التي ستكون شرطا لاستمرار الدعم الذي يقدمه المستشارون الايرانيون والاسلحة والمعدات التي تجهز بها قوات الحشد الشعبي .
الجانب الدولي من الصراع في معركة الموصل يتمثل في الدور المهم لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة، فرغم تحسس الإدارة الامريكية من تنامي النفوذ الايراني في العراق، الا انها باتت ترى هذا الامر واقع حال عليها أن تتعامل مع معطياته ببراغماتية، وهذا ما فسره بعض المحللين بالضوء الاخضر الامريكي للتدخل الايراني في الدعم العسكري المقدم، كما يؤكد المحللون على احتمالية ان تكون معركة تحرير الموصل آخر الاوراق التي يلعبها الرئيس اوباما في اكتوبر المقبل قبل نهاية ولايته دعما لجهود الحزب الديمقراطي في الانتخابات الصعبة المقبلة نهاية العام، ومع ذلك فان تحليلات سياسية امريكية رسمية وشبه رسمية تشدد على ان معركة الموصل لن تضع حدا للتنظيمات الراديكالية كـ»القاعدة» و»داعش» في المنطقة والعالم، فهي ترى أنّ «داعش» سيستمرّ في (إلهام) الإرهاب كفكرة لها تداعيات مميتة، ربما لكي يضمن استمرار الترسانة الفكرية التي يقوم ببنائها رغم خسارة أراضيه، حيث نشر التنظيم تعليقات طويلة وكتيّبات في الإرشاد الديني تزامناً مع تعرّضه لكبرى هزائمه على مدى الأشهر القليلة الماضية، لذلك فإنّ فكرة الخلافة المنتظرة سوف تستمرّ في إلهام الهجمات حتى لو لم تكن هناك أي خلافة على ارض الواقع كما كان الحال في السنتين الماضيتين.
من جانبها حذرت منظمات اممية وإغاثية ومنظمات حقوق الانسان من احتمال وقوع كوارث انسانية بسبب عنف المعارك المتوقع اندلاعها عند تحرير الموصل من قبضة التنظيم الارهابي، وتوقع مراقبون هجرة ما يقارب مليون انسان من الموصل والمدن المحيطة بها، مما يعني ازدياد معاناة المهاجرين الذين لن يجدوا الرعاية الكافية من سكن او خدمات في ظل سوء اوضاع المهاجرين السابقين في المحافظات العراقية التي تحررت من سيطرة الارهاب والتي مازال سكانها يعانون من عدم قدرتهم على العودة الى مدنهم، نتيجة عدم قدرة الحكومة العراقية والجهات المانحة على اعادة تأهيل هذه المدن التي تحولت الى حقول الغام تعاني من عدم توفر الخدمات الاساسية، بالاضافة الى تخوفهم من عمليات اعتقال او انتقام نتيجة الانقسام المجتمعي الذي اوجده «داعش» على مدى سنتين في المدينة، حيث جرى تهجير الاقليات المسيحية والايزيدية والشبكية والتركمانية من المحافظة، وتعرض الرجال للقتل والنساء والاطفال للسبي والاغتصاب، وكل ذلك قامت به عصابات التنظيم بمساندة بعض الاهالي وافراد من عشائر المدينة، وان كل ذلك سيؤدي الى عمليات انتقام وثأر قد توصل المدينة الى احتراب داخلي نتيجة عدم وجود قوات امنية مدربة ومحترفة قادرة على الامساك بزمام الامن في المدينة بعد التحرير.
إن لعبة توازن القوى عراقيا واقليميا ودوليا غير خافية في المعركة المقبلة، حيث يحاول كل طرف من اطرافها التمسك بحصته من الغنيمة قبل بدئها، من دون النظر لكارثة الانسان المبتلى بهذه المعركة.
كاتب عراقي

قبل معركة الموصل: حسابات ما بعد «داعش»

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية