في مقال آري شبيط عن اليسار الراديكالي («اليسار الراديكالي ينتحر»، «هآرتس»، 28/8) مثلما في مقالات أخرى له، ينقصه كلمة هي «الانسان». شبيط ليس من اليمين ولا من اليسار، بل هو «بيبياً»: كلاهما، هو ونتنياهو، لا يعيشان هنا في الحاضر، الحياة الارضية للبشر. وحياتهما هي فوق التاريخ. وهما لا يتحدثان مع المجتمع الإسرائيلي، بل مع بن غوريون وجابوتنسكي. أفكارهما مبالغ فيها بشكل متعمد. فهما يفضلان لفت أنظار المؤرخين الذين سيولدون بعد 200 سنة على أبناء جيلنا. وهما يعيشان في عالم القوى المحركة فيه ليست البشر، بل مثاليات ومواقف وكلمات كبيرة (عادة ما تكون فارغة) مثل «الردع»، «الارث» و»الشعب».
اثناء ظهوره في الصيف أمام الصحافيين تحدث نتنياهو عن دوائر قوة إسرائيل. وهو لا يتحدث أبدا عن البشر. وعندما يتحدث عن طول فترة «الجرف الصامد» يقوم بالضرب على الطاولة ويمدح الشرعية الدولية التي نجح في تجنيدها بالتعاون مع ميركل واوباما وبوتين. وهو يقول ايضا إن استمرار الحرب سمح بالحصول على المعلومات الاستخبارية. ولا يخطر بباله أن هناك اشخاصا علقوا في هذه الهستيريا. لا أحد يهتم بسكان غزة، لكن ماذا عن الإسرائيليين الذين كل يوم حرب بالنسبة لهم هو يوم من الخوف، ويوم ملاجيء ويوم آخر من الاعمال التي أفلست. وحين يتحدث نتنياهو عن سلوكه الاقتصادي فهو يستعرض رسما بيانيا ماكرا واقتصاديا. وتأثير اجراءاته على الجمهور الذي ضحى بقوته لصالح الرسم البياني، لا يهمه.
في أحد مقالاته حصل شبيط على الاعتماد حول فكرة يحبها نتنياهو جدا ـ المطالبة باعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية كشرط لإنهاء الصراع. هذه بيبية كلاسيكية، الاهتمام بالكلام الفارغ الذي لا قيمة حقيقية له. ومثل نتنياهو شبيط يؤيد الدولة الفلسطينية، ليس لأنه يحق للفلسطينيين دولة، بل لأنه هكذا فقط يتم الحفاظ على الاغلبية اليهودية وعدم انتهاء المشروع الصهيوني.
في داخل «اليسار الراديكالي» نظرتنا مختلفة: أساس هذه الايديولوجيا ليس التاريخ بل البشر. والموقف الذي يحركنا هو المبدأ الاخلاقي الاساسي الذي حصلنا عليه من هيلل العجوز: ما لا تحبه لنفسك لا يجب أن تُسببه لصديقك. إن الاحتلال ببساطة ليس اخلاقيا، ولا أحد يريد العيش تحت الاحتلال، لا سيما على مدى خمسين سنة. إنه ليس من الاخلاقي السيطرة على 2.5 مليون شخص لا يمكنهم الخروج من دولتهم بأي طريقة دون موافقة «الشباك». إنه ليس من الاخلاقي أن 120 نائبا يقررون ملكية ملايين البشر الذين ليس لهم حق التصويت. إنه ليس من الاخلاقي استخدام قانونا مختلفا للإسرائيليين عن القانون تجاه الفلسطينيين، لأنه في «المناطق» هناك وضع خاص. وهذه هي نقطة الانطلاق لكل النقاش: الاحتلال هو العمل الاكثر فظاعة في هذه الايام.
إن موقف شبيط ليس موقفا يساريا. الانفصال عن غزة واتفاقيات اوسلو هي حسب رأيه فشل، لأن إسرائيل لم تستفد منها. ولا يخطر ببال شبيط أن هناك أناسا آخرين في الصورة. وفي مكان ما كتب: «إسرائيل بحاجة ماسة إلى اليسار كي تنقذ نفسها من الاحتلال ومن المستوطنات. وإسرائيل بحاجة إلى يسار قوي متطور». إنه محق. إسرائيل بحاجة إلى يسار، لكن ليس يسار شبيط.
هآرتس 21/9/2016