أحرق أبو حيان التوحيدي كتبه في نهاية حياته، وقال كلاما لا أتفق معه على أي حال، بأنه لن يترك مؤلفاته لأناس ﻻ يستحقونها ولا يفهمونها وﻻ تعنيهم. ووصف الناس الذين عاش بين ظهرانيهم أنهم جميعا سيئون وأنذال وسفلة.
لكن ما لفت انتباهي في حياة أبي حيان، أنه في الوقت الذي قضى حياته معوزا إلى كسرة خبز لم ينتبه السياسيون إلى مكانته وقيمته إلا عندما استدعت مصالحهم الضيقة في الحكم ذلك، حيث استدعاه أحد أمراء، لم أعد أذكر اسمه، وكلفه بناء على توصية منه للصاحب بن عباد. للقاء هذا اﻻخير ومسامرته، ضاربا بذلك عصفورين بحجر واحد. أوﻻ لينهل الصاحب بن عباد من معارف التوحيدي في البلاد والعباد والناس ويطل من خلالها على ما خفي عليه من شؤون الناس الذين يسوسهم. وثانيا ليتمكن اأمير – الواسطة- من معرفة ما يدور في خلد ابن عباد وما يروم إليه من خلال طبيعة أسئلته للتوحيدي، إذ طلب من أبي حيان أن يكتب له بدقة ومن دون إنشاء أو سجع وتنميق ما دار بينهما (أبو حيان وابن عباد) خلال الليالي التي استمرت أربعين ليلة وهي بالضبط واحدة من المؤلفات التي أبقاها لنا التاريخ والزمن من آثار التوحيد في كتابه «الإمتاع والمؤانسة».
هكذا يتفقد السياسي المثقف ويتذكره ليعمل منه مخبرا وواشيا. ألم يعمل أبو حيان مخبرا من حيث ﻻ يعلم ذلك عند ابن عباد في تلك الأسمار؟! عمل أبو حيان على سبيل المثال كاتبا لبعض الوقت عند جماعة «إخوان الصفا» وأطل على نحو ما على حياتهم وشخوصهم التي كان بعضها مجهولا وسريا. وعندما ذكر التوحيدي أسماء هؤلاء الرجال ومن كان مجهولا وسريا منهم أمام ابن عباد، ألم يكن ذلك وشاية على نحو ما؟ بأولئك القديسين؟
كثيرا ما تساءلت: هل أحرق أبو حيان كتبه في نهاية حياته، سخطا على هذا الدور الذي أفضت به إليه ثقافته ومعارفه؟! كان في لقائه ابن عباد يبحث عن الطعام وبعض المال الذي سينقذه من العوز والذل، وكان ابن عباد يحتاج معارفه، وأبو حيان يحتاج الخبز فوجد نفسه في النهاية واشيا.
يا للثقافة والمعرفة التي ﻻ تجد سوى هذه القنوات الشريرة في طواحين الأمراء والسلاطين والسياسيين.هذه هي الثقافة في مجتمعاتنا منذ ألف عام إلى اليوم.
الصاحب بن عباد لايزال هو هو إلى يومنا هذا، ﻻ يستطيع أن يرى حوله سوى المنافقين والمطبلين. والمخبرين والوشاة. كان الصاحب بن عباد يؤلف بعض القصائد في مدح نفسه ويعطيها لشعرائه، شعراء البلاط ليلقوها أمام الجموع على أنها من تأليفهم في مدح القائد.
كان أبو حيان، فجا ومشاكسا – يقول اأشياء كما يراها كما هي في الواقع وفي الحقيقة. فلفظه اأمراء والساسة الذين ﻻ تستسيغ آذانهم سوى المديح واإطناب.
هكذا – يتفقد – المثقف ويستذكره السياسي في اللحظة التي ينفع أن يكون فيها مخبرا.
ومع ذلك كثيرا ما نسمع عن دور المثقفين؟ وأين هو؟ في اللحظات الصعبة التي كانت تمر بها البلاد والعباد.
روائي فلسطيني
نادر عبدالله