الحملة السلطوية «النقية» على «فساد» القوى الوطنية

حجم الخط
2

قامت قوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية في الأيام الأخيرة وما زالت تقوم بحملة اعتقالات واسعة في صفوف قياديي وكوادر حزب التجمع الوطني الديمقراطي داخل الخط الأخضر شملت العشرات، بحجة التحقيق في حصول الحزب على «حقائب مليئة بالدولارات» من خارج البلاد.
سيقول بعض السذج أو بعض «الموضوعيين» أو بعض المتربصين المتظاهرين بالموضوعية، إن من حق الديمقراطية أن تدافع عن نفسها، وأن القانون لا يفرق بين الصهيوني اليميني واليساري والقومي العربي والإسلامي! إلا أن الأمر ليس كذلك أبدا، مع التجمع الوطني والحركة الإسلامية من قبله، يكفي حسب اللعبة الديمقراطية الاتصال الهاتفي لإحضار أي مشبوه للتحقيق معه بشبهة الفساد المالي أو بواسطة دعوة للتحقيق تسلّم باليد وليس بإرسال خمس سيارات شرطة قبيل الفجر وإغلاق الحي الذي يسكن فيه كل مشبوه لاعتقاله، وكأنه قائد عمليات عسكرية.
حسب لعبة الديمقراطية فإن البحث في مصادر تمويل الأحزاب من اختصاص مراقب الدولة، وفي حال وجد خروقات، فهو يأمر بتغريم الحزب الذي تجاوز القانون، وهذا ما حدث لأكثر الأحزاب التي وجدت فيها خروقات بملايين الدولارات من حزب الليكود إلى العمل إلى المعسكر الصهيوني وغيرها، كان يغرمها بدون اعتقال أحد، وكانت الدعوات للتحقيق تتم باحترام وحسب وقت المشبوه، وليس بهجمة شرطويّة على بيته. الجماهير العربية تقول في معظمها إن «القصة مش على رمانة بل على قلوب مليانة»، وإليكم قائمة ببعض الأسباب التي جعلت قلب السلطة يمتلئ حقدا على التجمع!
– رفع التجمع منذ تأسيسه شعار»دولة كل مواطنيها»، الأمر الذي يعني رفض شعار يهودية الدولة الذي يصرّ عليه النظام العنصري في إسرائيل ويطالب العالم بالاعتراف به، والذي يعني تفضيل اليهودي على غيره، ويعني على المدى البعيد إجراء تطهير عرقي إذا لزم الأمر للمحافظة على يهودية الدولة.
– تصدى هذا الحزب بفعالية لحملات مقايضة حقوق الجماهير العربية داخل إسرائيل مقابل فتات ميزانيات، وهو ما يطرحه النظام العنصري وأعلنه نتنياهو، فهو يشترط تقديم الحقوق بما يسميه تقديم «الواجبات» التي تعني الخدمة المدنية أو العسكرية، الأمر الذي يقاومه التجمع بحزم من خلال العمل على بث الوعي في صفوف الشباب الصاعد وحقنهم بالكبرياء والانتماء العروبي الفلسطيني، والمطالبة بحقوق شعب أصلاني يعيش في بلاده مع رفض تام لمنطق الاحتلال الكولونيالي وشروطه.
– عارض التجمع اتفاقية أوسلو منذ توقيعها، ورأى فيها خطرا على القضية الفلسطينية برمّتها.
– التجمع الوطني كان في رأس الحربة في معركة ضد مخطط (برافر) لتهويد النقب، الذي يقضي بطرد عشرات آلاف العرب البدو من قراهم ومصادرة مئات آلاف الدونمات من أراضيهم التي يقيمون عليها، بحجة تركيزهم في تجمع واحد أو اثنين، بينما يستعد لإقامة مستوطنات لليهود في الأمكنة التي سيخلي العرب منها. يقود هذا الحزب منذ سنوات، حملة لقاءات مع السفارات الأجنبية في تل أبيب يوضح فيها سياسة السلطات العنصرية تجاه الفلسطينيين عموما والعرب الفلسطينيين في الداخل بشكل خاص، كذلك يقوم نشطاؤه بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني في مختلف دول العالم ويحرّض على مقاطعة نظام الاحتلال والعنصرية ومحاصرته.
– اشترك نواب من التجمع في محاولات كسر الحصار على قطاع غزة، وأشهرها كانت المشاركة في سفينة مرمرة التركية عام 2010، التي أدت نتائجها في حينه إلى قطع العلاقات التركية الإسرائيلية، وتبع هذا محاولات أخرى، وما زال التجمع ينشط في هذا الاتجاه في عملية قرع مستمرة على جدران قطاع غزة المحاصر.
– يحاول التجمع الوطني الديمقراطي من خلال قيادييه أن يكون واسطة خير بين فتح وحماس وهذا طبعا مصدر غضب للسلطات، وكان آخرها ما عرف بـ»مبادرة جنوب أفريقيا» بمشاركة التجمع ممثلا برئيسه عوض عبد الفتاح و»وطنيون من أجل إنهاء الانقسام في الضفة والقطاع»، و»مركز مسارات لدراسة السياسات».
– رفض التجمع الوطني بحزم قاموس الاحتلال الذي يعتبر كل مقاومة للاحتلال إرهابا، وخصوصا بعد حوادث يقع فيها ضحايا! وأصر على التمييز بين العمل «الإرهابي» والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال، وهذا عرّض نوابه للتحريض العنصري والتهديد والدعوات لطردهم من البرلمان.
– بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 قررت لجنة (أور) التي أقامتها السلطات للتحقيق في أحداث الانتفاضة، أن الحركة الإسلامية الشمالية بقيادة الشيخ رائد صلاح وحزب التجمع الوطني برئاسة د. عزمي بشارة في حينه كانا المحرضين الأساسيين لانتفاضة الأقصى.
– يضم التجمع في صفوفه عددا كبيرا ممن كانوا سجناء سياسيين وأمنيين وذلك بين كوادره وقيادته.
– يدعم التجمع الوطني جمعيات ومؤسسات ومئات الطلاب العرب، خصوصا طلاب الشهادات العليا، إلى جانب مؤسسات وجمعيات إعلامية وحقوقية وغيرها تخدم العمل الوطني.
– يقوم التجمع الوطني من خلال مختصيه في اللغة العربية مثل الدكتور إلياس عطا الله بفضح التشويهات في اللغة العربية وكشف آلاف الأخطاء اللغوية في الكتب التدريسية التي تصدرها وزارة المعارف، تقديرا للغة العربية وحمايتها من التشويه الممنهج، باعتبارها حامية ورمزا للوجود والانتماء العربي في مناطق 48.
– من المعروف أن كثيرا من يهود العالم يحملون جنسيتين، واحدة إسرائيلية وأخرى جنسية البلد الذي يعيشون فيه، ومنهم كثيرون يأتون للخدمة في جيش الاحتلال ثم يعودون إلى بلدانهم، رئيس الحزب عوض عبد الفتاح المعتقل حاليا، حث حكومة جنوب أفريقيا ودولا أخرى على منع مواطنيها اليهود من الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال.
هذه ليست المرة الأولى التي تسعى فيها السلطات لضرب التجمع وتحجيمه! إلا أنها كانت تمارس هذا باسم محاربة «التطرف» والعداء للدولة، الآن يمارسون المحاولة ذاتها ولكن تحت عنوان محاربة «الفساد». واضح أنها هجمة انتقامية وملاحقة سياسية مثلما فعلت مع الحركة الإسلامية وأخرجتها عن القانون قبل عام وصادرت أموالها، ثم سجنت رئيسها الشيخ رائد صلاح بتهمة التحريض.
أخيرا، قد يعثرون على مماسك «قانونية» في لعبة الديمقراطية المفضوحة تدين بعض ناشطي التجمع وقد لا يعثرون، ولكن الجماهير العربية وقيادتها باستثناء قلة هامشية لها حسابات ثأرية حزبية ضيقة، تدرك أنها ملاحقة سياسية وانتقامية، ولهذا أعلنت لجنة متابعة قضايا الجماهير العربية رفضها للاعتقالات وأقامت نشاطات تضامنية مع «التجمع» الذي يلقى احتضانا شعبيا واسعا في مواجهة هذه الحملة المسعورة ضد كوادره.
*كاتب فلسطيني

الحملة السلطوية «النقية» على «فساد» القوى الوطنية

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية