موجة الإرهاب… معادلة مع مجهول

حجم الخط
0

بينما يتنقل بين فنزويلا ونيويورك في طريقه إلى الجمعية العمومية للامم المتحدة، لم ينسَ محمود عباس مشاكله في الداخل. ففي مساء يوم الاثنين من هذا الاسبوع اطلق رجاله باسمه بيان تعزية استثنائية على نحو خاص. فقد نقلت التعزية إلى رؤساء عشيرة العمرو الاردنية، على وفاة ابنهم سعيد العمرو. «شهيد روى بدمائه ارض فلسطين»، وصفه ابو مازن. وأعرب عن أمله في أن يتغمده الله العلي بواسع رحمته ويدخله فسيح جناته.
العمرو، ابن 28، اجتاز يوم الخميس الماضي جسر اللنبي في طريقه إلى القدس. وفي صباح الغد يوم الجمعة، انطلق إلى باب العمود، امتشق سكينا فأطلق شرطة حرس الحدود النار في رأسه. وخلافا لسياستها، أعادت إسرائيل جثمانه بسرعة كي تعفي صديقها في القصر الاردني من الهياج في الداخل بسبب الحالة. تعازي ابو مازن، التي تنم عن محبة لعائلة الشاب، تعزز ضده الادعاءات في إسرائيل بانه يشجع التحريض. ولكن ابو مازن لم يعمل كي يمجد حاملي السكاكين. فمكانته بين الجمهور في الدرك الاسفل، انجازاته قليلة ولا يوجد سبيل افضل لجمع بعض العطف من اظهار المحبة لشهيد والنزول إلى مستوى الشارع.
لقد أخذ ابو مازن بالحسبان بان إسرائيل سترى في هذه الرسالة تحريضا وتشجيعا للاخرين للقيام بعمل ما. وبالفعل الكل يتحدث عن التحريض الفلسطيني ولكن احدا لا يقول ما هو بالضبط. فلم يعرف أي سياسي إسرائيل، ضابط كبير، وزير أو باحث في الاكاديميا حتى الان ما هي الخطوط لصورة هذا التحريض. فهل رسالة تعزية ابو مازن بالفعل ستولد الطاعن التالي؟ ماذا في إطار الكلمات والاتهامات من الجانب الفلسطيني بالفعل يشجع فتى فلسطينيا للخروج للقتل؟
قاموس المفاهيم مشوش. فالإسرائيليون درجوا على أن يروا حتى في الانتقاد الشديد لهم تحريضا. وها هو معطى: بقدر ما هو مفاجيء، من النادر أن نسمع من مناطق السلطة دعوة قتال علنية للشباب للخروج لطعن إسرائيليين. فواحد كهذا سيعتقل على الفور على ايدي الجيش الإسرائيلي او السلطة.
«بمناسبة اعياد تشري وعيد الاضحى، الذي حل في الايام الاخيرة على الجمهور الفلسطيني، شهدنا صعودا في مستوى التحريض في الشبكات الاجتماعية في السلطة الفلسطينية وبشكل عام»، قال أول أمس وزير الامن الداخلي جلعاد اردان في صوت الجيش الإسرائيلي. وقد دعي اردان للمقابلة في اعقاب استئناف عمليات الطعن والدهس: عشرة في غضون اربعة ايام، منذ يوم الجمعة. غير أن ادعاءه المركزي عن التحريض في الشبكات الاجتماعية يثير الاسئلة. اذا كان هذا عاصفا وناجعا، فلماذا لا يحرك مئات الالاف للخروج للعمليات بل افرادا فقط؟ ولما كان موجودا منذ سنوات عديدة فلماذا لم تخرج السكاكين من مخابئها الا قبل سنة؟ ولماذا هدأ الميدان على مدى أربعة اشهر؟

عرس في الجنة

إذن كيف يبدو «التحريض» على الاطلاق؟ نوعان من الرسائل الاساس يحمسان الشارع الفلسطيني في ايام السكاكين: الاول هو كلمات التعزيز والثناء على السنة الزعماء الفلسطينيين للشهداء وعائلاتهم. مثلا، اقوال التعزية من ابو مازن هذا الاسبوع للعائلة الاردنية. وهو ليس الوحيد: قبل نحو عشرة اشهر، في ذروة موجة السكاكين، ظهر مقربه جبريل الرجوب في مقابلة تلفزيونية واثنى مطولا على الشهداء. «هذه اعمال بطولة لافراد وانا فخور بهم»، قال. الرجوب هو الاخر عمل لاعتبارات داخلية. دوافعه في التصريح الاستفزازي اياه لم تأت لمناكفة إسرائيل، بل لتحقيق دعم جماهيري.
القدس، التي تكثر من اتهام السلطة الفلسطينية بتشجيع اعمال القتل وتطالبها بالكف عن ذلك، سمعت كيف أن المسؤول الفلسطيني يتحدث كآخر زعماء حماس ـ ولكنها لم تفعل شيئا. بل انها حتى لم تهدد بسحب بطاقة الشخصية الهامة جدا من، والتي تمنحه حق الدخول الحر إلى اراضيها.
النوع الثاني هو الخطاب اليقظ والشائع في الشارع الفلسطيني وفي الشبكات الاجتماعية بالنسبة لظاهرة الشهداء. فصورهم ينبطحون نازفين على الارض تنشر بسرعة الذروة بين مئات المشاركين في الحاسوب والخلوي، دعوات الثأر لدمهم تصدح من الخليل وحتى جنين، وصورهم معلقة على رؤوس الاشهاد. بل انه وضعت لبعضهم قصائد. في حالات عديدة إسرائيل هي المصدر لصور القتلى من الساحة، والتي تحمس أكثر من أي شيء آخر الاجواء في الجانب الفلسطيني.
في تشرين الثاني 2015 شهدت شوارع الخليل مشهدا نادرا مأخوذا من عالم أفلام الجنون. فقد شيعت الجماهير جثمان رائد جرادات، الذي قتل في عملية طعن. وفي ذروة الجنازة أخذ أبوه الميكروفون وبصوت تخنقه الدموع توجه لابي دنيا ارشيد، الشابة التي قتلت في يوم سابق في محاولتها طعن الجنود في الحرم الابراهيمي.
وفي ظل هتاف الجمهور طلب موافقته على زواجه الابن والابنة الواحد بالاخرى في جنة عدن. فقال ابو الفتاة نعم، ووقع الرجل على رقبة زميله يتعانقان. «اسمها من اليوم سيكون دنيا ارشيد جرادات»، وهتف المنشور: «مبروك لرائد، مبروك لدنيا، فهما في صحبة الانبياء».
تصوروا فتى ابن 16، هزيل القوة، كان يحضر جنازة ضارب سكين قتيل ـ وبعد بضعة ايام من ذلك انبيء بموت صديقه في الحي في ذات الظروف.
من اللحظة التي قرر فيها الخروج إلى العملية فإنه يتملكه الثوران. فلن تكبح جماحه حواجز الطرق، ولا دعوات ابو مازن ضد العنف ولا خطر هدم بيته. يتبين انه من اصل 250 شابا وشابة خرجوا لهذه العمليات منذ اكتوبر/تشرين الاول 2015، عرف الكثيرون منهم واحدا خرج في المهامة قبلهم.
محمد طرايرة، الذي نفذ القتل البشع لهيلل يافي ارئيل، الطفلة من كريات اربع، كان قريب عائلة يوسف طرايرة، الذي قتل في عملية الدهس قبله بثلاثة اشهر. عيس سالم طرايرة، الذي حاول طعن الجنود أول أمس في قريته بني نعيم قرب الخليل، خرج من ذات العشيرة. مشوق أن نتبين بانه في اوساط الفلسطينيين لا يوجد انشغال بمدى الانجاز الذي يحققه الطاعنون. فهم ابطال لحقيقة موتهم ـ سواء مسوا بإسرائيليين أم لا.
أبخرة هذه الوقود منتشرة للغاية، وهي تشكل دافعا اساسا في خلق أجواء تدفع الشبان إلى الاعمال الانتحارية. ولكنها لم تولد في خدمة حملة التحريض. هذه ظواهر عزاء وغضب؛ فمع أن رنينها لاذع للآذان الإسرائيلية، ولكنها تعبير عن الاحباط.

جرس تحذير

على إسرائيل أن تعرف لنفسها بدقة ما الذي تسميه «تحريضا». عليها أن تثبت اذا كانت هناك علاقة نفسية بين مسائل معينة تطلق إلى الفضاء الإلكتروني، وبين الزر الذي يخرج الفتى كالصاروخ المنطلق نحو مهمة الانتحار. هذه الالية لم يحل لغزها بعد، والخطاب العقيم عن التحريض يبعدنا عنها. وبالفعل، يحتمل الا يكون مفر من البحث عن الاسباب لموجة السكاكين في مكان آخر.
في ذات المقابلة في هذا الاسبوع في صوت الجيش كشف وزير الامن الداخلي أردان ان بشكل مفاجيء، النقاب عن لب المشكلة. لقد تم عمل الكثير وفصل: نصبت كاميرات هنا وهناك، جمعت معلومات استخبارية، تم تشديد التشريعات على راشقي الحجارة، فرض طوق متنفس على الاحياء والقرى، هدمت منازل، نفذت اعتقالات وقائية، بل وجندت اجهزة الامن الفلسطينية للمساعدة. ورغم ذلك، فإن القرار اذا كان عشرة شبان فلسطينيين سيجننون دولة كاملة ليس في يد الشاباك (المخابرات الإسرائيلية) بل في أيديهم فقط. وسائل التجسس الافضل في العالم لم تتهيأ للتخمين ما الذي يجري في قلب فتى، يقرر برأيه الخاص الخروج في حملة قتل أو دهس. ولما لم يكن ينتمي لمنظمة أو خلية، فإنه لا يوفر المعلومات الاستخبارية او يخلق خطابا من شأنه أن يؤدي إلى الايقاع به. قراره يتبلور قبل وقت قصير من انطلاقه إلى الدرب، بحيث أن زمن الاخطار لمحافل الاحباط قصير. ومخزن ذخيرته مطبخ أمه.
أمام ناظرينا تجري ثورة السكاكين. هؤلاء الشبان يثورون على ابائهم الذين يدعونهم الا يخرجوا إلى عملية انتحارية. وهم يثورون على محافل الحكم لديهم، والتي فقدت كلمتها منذ زمن بعيد ـ وحتى في إسرائيل، التي يتسلح جنودها جيدا لا تردع القاتل الشاب مع السكين. انهم يثورون حتى ضد المنظمات المسلحة، وعلى رأسها حماس والجهاد الاسلامي برفضهم العمل باسمها.
كل ما قيل أعلاه ليس سوى جرس تحذير. إذ في السيناريو المتطرف، فإن السلطة الفلسطينية كفيلة بان تغير وجهها في السنوات القريبة وان تفقد الهيبة التي يكنها لها الجيل الشاب.
ابو مازن سيخلي طريقه في موعد ما (هذه السنة يبلغ 81) ولا يوجد احد يضمن لإسرائيل ان يتعاون خلفاؤه معها في قمع العنف. في حالة التدهور في العلاقات او الوهن في مدى سيطرة السلطة على الجمهور، فمن شأن هؤلاء الشبان ان يستبدلوا السكين بالبندقية او بالمواد المتفجرة. وعندها، نحن وهم سنكون في فيلم آخر.

معاريف 22/9/2016

موجة الإرهاب… معادلة مع مجهول
يحتمل ألا يكون هناك مفر من البحث عن الأسباب لهجمة السكاكين في مكان آخر
جاكي خوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية