«حروب الناصرية والبعث» لسليمان الفرزلي: عن الماضي الذي لا يمضي

حجم الخط
1

ينطلق الكاتب والصحافي اللبناني، سليمان الفرزلي، في كتابه «حروب الناصرية والبعث» ( من إصدار «نوفل»، 2016) من سلسلة من أربع عشرة مقالة له، بعنوان «بؤس الصراحة»، نشرها في جريدة «الكفاح البيروتية»، عام 1970، تعقيبا على أربع مقالات نشرها الكاتب المصري، محمد حسنين هيكل، في جريدة «الأهرام» المصرية في شهر ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، بعنوان «لمحات من قصة المعركة الأخيرة»، تناول هيكل في اثنتين منها حزب البعث العراقي بنقد شديد. لكن كتاب الفرزلي، الصادر هذا العام، لا يبدو معنيا بانتقاد هيكل وناصريته أو الدفاع عن البعث، بقدر محاولته إعادة تناول الصراع بين الناصرية وحزبي البعث السوري والعراقي، الذي لا يراه أمرا في ذمة التاريخ، بل إن تبعات ذلك الصراع يعدها محورا للتطورات التي يشهدها العالم العربي على مدى الأربعين عاما الماضية، والتي ربما سيشهدها في المستقبل أيضا.

يخصص الفرزلي القسم الأكبر من كتابه لتتبع مسارات صراع الناصرية وحزب البعث السوري، بدءا من قيام الجمهورية العربية المتحدة، مرورا بالانفصال، وحتي التورط المصري في حرب اليمن والهزيمة في نكسة 67. لكن الفرزلي لا يكتفى فقط بالعودة إلى «كوامن الماضي الذي لا يمضي»، بل ينقله إلى «المستقبل الذي لا يقبل»، رابطا ثورة يناير/كانون الثاني، وسقوط مبارك ومرسي من بعده – التي يصفها بأنها نمط من الماضي- ببنية الدولة المصرية الموروثة من الحقبة الناصرية. ويأخذ الفرزلي محاولته لمد الماضي على استقامته، إلى تحليل ظاهرة الإسلام السياسي وصعود الحركات الجهادية المسلحة، رابطا إياها بالتباس علاقة القومية العربية بالإسلام، محيلا إيانا للجوهر الإسلامي الأصولي المبطن والانتهازي لكل من الناصرية والبعثية، التي إن بدأت مع علاقة الضباط الأحرار بجماعة الإخوان المسلمين، ودور سيد قطب في التنظير لثورتهم، فإنها لم تنته بإعلان صدام حسين اعتناق ميشال عفلق للإسلام فور وفاته.
لا يكتفي الفرزلي بكشف الغطاء العلماني المدعى عن الناصرية والبعثية، بل يتبعها بتأطير الطبيعة الاستئثارية والنخبوية لكل من مثلث الناصرية والبعثية والإسلام السياسي، ودور تلك الطبيعة الاستئثارية في هدم المشروع الأكثر تقدمية في مسيرة القومية العربية، وهو الوحدة المصرية – السورية، ولاحقا في تدمير البني الاجتماعية والسياسية للدول العربية. يستعين الفرزلي بالماضي الأبعد لتفسير الماضي الأقرب، فينطلق من مقارنة بين حملة إبراهيم باشا العسكرية على سوريا، وحروب محمد علي في الحجاز، وبين تجربة الوحدة السورية المصرية ومعها الحرب الناصرية في اليمن، للتدليل على البعد الجيوسياسي والتاريخي الحتمي للاتصال المصري السوري، وتصدي الاستعمار والأنظمة العربية الرجعية لمشروعة الوحدوي عبر تفشيله داخليا وزرع دولة إسرائيل على خطوط تماسه. هكذا، يجادل الفرزلي بأن فكرة إنشاء الدولة الصهيونية بدأت مع صعود المشروع التوسعي لإبراهيم باشا ووصوله إلى سوريا، وأن الحرب بين نظام ناصر والسعودية على الأراضي اليمنية ليست إلا امتدادا لحروب محمد علي ضد الوهابية في الحجاز. وفيما يعود الفرزلي ليغوص في تفاصيل المفاوضات السابقة لإعلان الوحدة، ورضوخ البعث السوري لمطالبات ناصر بحل الحزب كشرط مسبق للوحدة، ولاحقا للأزمات والملابسات التي أدت لانفصال عراها، فإنه يؤطر سقوط الوحدة المصرية السورية، كنقطة البداية للهبوط العربي، ولتحول الناصرية والبعثية بعد النكسة عن مواجهة العدو الحقيقي، إسرائيل، إلى حروب وهمية مدمرة بدءا من حرب ناصر في اليمن، والتدخل السوري في لبنان، والحرب الأهلية اللبنانية، وحرب صدام في إيران والكويت وأخيرا في الاقتتال الأهلي في ســــوريا واليمن وليبيا.
يفرد الفرزلي مساحة أقل من كتابه لصراعات الناصرية والبعث العراقي، مركزا على أزمة «الجبهة الشرقية» عام 1968، التي بسببها اتهم النظام المصري البعث العراقي بمحاولة عرقلة قيام الجبهة الشرقية على الحدود الأردنية، وتخليه عن دوره العسكري في المواجهة مع العدو الإسرائيلي، ولاحقا لاتهــــامة بمحــــاولة سرقة دور مصر القيادي في النضال العربي، ليربط صراع الناصرية والبعــــث في النهاية بـ»وهم البطل المنقذ»، ناصر والأسد الأب وصدام حسين، وتبعات ذلك الوهم الكارثية على دول المنطقة ومجتمعاتها. يفتقد كتاب الفرزلي في مجمله للمنهجية البحثية أو التاريخــــية بمفومها الأكاديمي في تناول مواضعيه، وعلى الرغم من أن الكتاب يزخر بالمراجع الأولية من محاضر اجتماعات رسمـــــية، وخطب ولقاءات ومقالات وغيـــرها، وكذلك بإحالات لمراجع ثانوية من كتب ودراسات عربية وأجنبية، إلا أن فصول الكتب لا تلتزم بالتسلسل التاريخي للأحداث، ومن الصعب تبين أي خط واضح لتطور الأفكار المطروحة، التي ما يلبث الكاتب العودة إليها مرة بعد أخرى، مما يجعل فصول الكتاب وحتى فقرات الفصل الوحد عصية على التبويب.
ومع أن الفرزلي، يقدم لنا تصورا شديد الجوهرانية عن الصراع في المنطقة العربية، باختزاله في المواجهة مع إسرائيل أو التحول عنه، إلا أن الكتاب الذي يحمل في جانب منه طابع الشهادة الذاتية، يقدم أطروحات شديدة الأهمية عن الأسس الإيديولوجية للقومية العربية في ارتباطها بالإسلام السياسي وكذلك عن تبعات الصراع الناصري البعثي حتى اليوم، ويطرح أسئلة وإشارات مهمة لا تشغل «أهل الماضي المهزوم والمهزومين معه»، بل هي أليق بأهل المستقبل لتدبر ما يدعوه الكاتب أطروحه كتابه، أي أصول «المقوضات العربية»، والأهم أنه ينبهنا عن تلك العلاقة الحميمة والمفجعة التي تربط الماضي باليوم.
كاتب مصري

«حروب الناصرية والبعث» لسليمان الفرزلي: عن الماضي الذي لا يمضي
شادي لويس بطرس
ينطلق الكاتب والصحافي اللبناني، سليمان الفرزلي، في كتابه «حروب الناصرية والبعث» ( من إصدار «نوفل»، 2016) من سلسلة من أربع عشرة مقالة له، بعنوان «بؤس الصراحة»، نشرها في جريدة «الكفاح البيروتية»، عام 1970، تعقيبا على أربع مقالات نشرها الكاتب المصري، محمد حسنين هيكل، في جريدة «الأهرام» المصرية في شهر ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، بعنوان «لمحات من قصة المعركة الأخيرة»، تناول هيكل في اثنتين منها حزب البعث العراقي بنقد شديد. لكن كتاب الفرزلي، الصادر هذا العام، لا يبدو معنيا بانتقاد هيكل وناصريته أو الدفاع عن البعث، بقدر محاولته إعادة تناول الصراع بين الناصرية وحزبي البعث السوري والعراقي، الذي لا يراه أمرا في ذمة التاريخ، بل إن تبعات ذلك الصراع يعدها محورا للتطورات التي يشهدها العالم العربي على مدى الأربعين عاما الماضية، والتي ربما سيشهدها في المستقبل أيضا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية