القاهرة ـ «القدس العربي» : فرح وطبل وزمر هناك، وحزن وفقر وغلاء هنا، هكذا تبدو الصورة بين ما جرى في نيويورك والقاهرة، فأمام مبنى الأمم المتحدة كانت فرقة تحترف الغناء والرقص في المناسبات المختلفة تهتف للرئيس السيسي، وقد تم اختيار أفرادها بعناية فائقة من أجل إطلاع العالم على الشعبية التي يتمتع بها الرئيس، وفق ما يروج أنصاره من الإعلاميين.
ومن اللافت أن الفرقة كان من بين أعضائها رعايا الكنيسة الذين حشدهم الأنبا تواضروس كنوع من رد الجميل للرئيس بسبب مواقفه في دعم الأقباط، وبينما يرى مراقبون على الحياد وبعضهم من معسكر 30 يونيو/حزيران أن «المولد» الذي أقيم لدعم الرئيس يضر به وبمصر وشعبها، واصل أعضاء الفرقة حفلاتهم طيلة رحلة نيويورك، فيما كان المصريون يكتوون بنار الأسعار التي جعلت من الحياة جحيماً لا يطاق على إثر استمرار جنون الغلاء واختفاء بعض السلع، ومن بينها كروت شحن الهواتف المحمولة، التي عرفت طريقها للسوق السوداء في مشهد لافت يكرس للقفشات التي يزعم أصحابها رغبة الحكومة في أن تمنع الجماهير حتى من الثرثرة والعشاق من أن يمارسوا هواياتهم.. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في الوسط الإعلامي يدور حول الجهة التي تقوم بتمويل نفقات الإعلاميين وفرق الغناء التي يجيد أعضاؤها ممارسة النفاق ببراعة فائقة.
وفي الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس 22 سبتمبر/أيلول توالى الترحيب الواسع في الصحف الحكومية والمستقلة برحلة الرئيس وخطابه هناك، وفي الوقت نفسه شهدت الصحف حربا ضروسا ضد التلفزيون الرسمي بسبب خطأ كبير وقع فيه على إثر إذاعة خطاب قديم للرئيس بدلا من لقاء أجراه في رحلته الأخيرة للولايات المتحدة للحديث أمام الأمم المتحدة وإلى التفاصيل:
السيادة الوطنية اختفت
استنكر نور فرحات، أستاذ فلسفة القانون في جامعة الزقازيق، تسليم الرئيس عبدالفتاح السيسي، كشفا بأسماء المفرج عنهم إلى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، متسائلا «هل المفرج عنهم سياسيون أم جنائيون؟». وحسب البداية أضاف فرحات على صفحته في «فيسبوك»: «هل هم مفرج عنهم إفراجا شرطيا لقضاء نصف المدة أو ثلاثة أرباع المدة؟ وهل هناك التزام قانوني دولي يلزم رئيسنا بتسليم الوزير الأمريكي هذه الأسماء؟». وتساءل عن الحديث المتكرر عن السيادة الوطنية، مضيفا «تذكرت عندما أصر مبارك على حضور مؤتمر عن الديمقراطية في مكتبة الإسكندرية قبل سفره لواشنطن، ماذا أقول يا ويلتي ماذا أقول». وكان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد سلم كيري قائمة بأسماء المفرج عنهم، سواء جنائيا أو بعفو رئاسي لإبلاغ الإدارة الأمريكية بحرص مصر على بذل كافة الجهود في هذا الصدد، إلا أنه لا توجد تغطية إعلامية لمثل هذه الجهود».
الرئيس لا يتسول الشرعية
يظن البعض أن الرئيس السيسي يزور الأمم المتحدة للمرة الثالثة، بحثا عن الشرعية السياسية الدولية، بمعنى القبول الدولي، ولا شك أن ذلك وفق ما يرى جمال زهران في «الأهرام» غير صحيح، لأن الرئيس لو كان قد ذهب لنيويورك بحثا عن ذلك لطالبته بالكف عن هذه الزيارات، لأنه ببساطة ليس في حاجة إلى هذه الشرعية، لأنه انتزعها بإرادة الشعب المصري صاحب الشرعية السياسية الأصيلة، سواء أكانت شرعية قانونية من خلال الصندوق (98٪)، أو شرعية سياسية داخلية بقبول شعبي مازال كبيراً. إنما هذه الزيارة للرئيس السيسي لنيويورك ـ مقر الأمم المتحدة، لها أهداف أخرى، يبدو منها أن مصر أصبحت عضوا في مجلس الأمن (غير دائم) لمدة عامين، ومن ثم فإن حضور الرئيس شخصيا جلسة المجلس وإدلاء بيان أو كلمة أمامه، هو مشهد تاريخي في الأمم المتحدة يسجل لمصر ورئيسها. وبالتالي يجب اغتنام هذه الفرصة، وقد يراها البعض شكلية، وأراها ذات موضوع مهم لمصر.
هناك فرصة متاحة لأن تخاطب مصر، العالم والإقليم الذي نعيش فيه عربيا وشرق أوسطيا وإسلاميا، برؤيتها الواضحة في الأحداث التي يمر بها عالمنا وإقليمنا الآن، وما يجب عمله لوقف هذا التدهور الحادث في كل أزمات المنطقة. ولا شك أن خطاب رئيس الدولة المباشر له تأثير كبير، من خلال أكبر منتدى عالمي وهو الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد اتسمت كلمة السيسي أمامها بالوضوح في التناول، وترتيب الأولويات وإن كان الأمر يحتاج إلى دور مصري فعال ومبادر واستعادة لنشاطه الحقيقي والقفز على محاولات الحصار إقليميا ودوليا. خريطة المقابلات التي يجريها الرئيس عبد الفتاح السيسي لعدد من الزعماء ورؤساء الحكومات هي إضافة حقيقية دعما لدور مصر الإقليمي، ودعم العلاقات مع هذه الدول».
السيسي حاصر اليهود
ونبقى مع الترويج للسيسي، فحسب «الوطن» أكدت المستشارة تهاني الجبالي، منسقة التحالف الجمهوري، ونائبة رئيس المحكمة الدستورية السابقة: «أن خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسي أمام جمعية الأمم المتحدة تناول جميع القضايا المهمة والجوهرية التي تمس الأمن القومي العربي والقارة الأفريقية، وأكد أهمية الدور المحوري لمصر في منطقة الشرق الأوسط. وأضافت، في تصريحات صحافية، أن أهم ما جاء في خطاب الرئيس انتقاده لنظام العولمة، والدول الكبرى تجاه الدول النامية، مشيرة إلى أن دعوة السيسي للسلام تحاصر المشروع الصهيوني في المنطقة بأكملها. وتابعت، الرئيس وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه ما يحدث على الساحة الدولية والإقليمية من قضايا، حيث طالب بضرورة اعتماد تدخل الدولة في الحماية الاجتماعية، وأكد أن الأمن القومي العربي لا يتجزأ، وشدد على وحدة سوريا وضروة الحل السياسي لإنهاء الأزمة ووقف نزيف الدماء». وأكملت الجبالي: «الرئيس وضع القضية الفلسطينية على رأس أولوياته وشدد على ضرورة تقوية المؤسسات في ليبيا ووحدة اليمن ودعمه للنظام الشرعي فيه، ورفض تقسيم المنطقة على أساس طائفي، وطالب باحترام حق الشعوب في التنمية».
التلفزيون يحتاج للتطهير
الخطأ الجسيم المتمثل في بثّ حديث قديم للرئيس أجراه العام الماضي، في زيارته للأمم المتحدة، مع الإعلامية الأمريكية مارغريت وارنر، بدلاً من الحديث المفروض أن يُبَثّ الذي أجراه الرئيس مع الإعلامي شارلي روز قبل يومين، أغرى الكثيرين كي يفتشوا في كيفية إصلاح التلفزيون، الناطق بلسان الدولة، ومن بينهم أحمد عبد التواب في «الأهرام» الذي رأى في دفاع رئيس قطاع الأخبارعندما قال إنه خطأ غير مقصود يمثل تعظيماً للخطأ: «هذا الكلام وحده يجب أن تكون عليه محاسبة، وأن يقوم المسؤولون الكبار ولا يجلسون إلا بعد أن يعالجوا هذا الخلل العظيم، ذلك لأنهم جعلوا من التلفزيون وسيلة إرسال محلية يأتي على رأس مهامها تغطية نشاطات الرئيس، حتى إذا كانت مجرد اجتماعات دورية مع مساعديه، وحتى إذا كانت الكوارث تضرب العالم، أو حتى لو طال الضرب دول الجوار بما يهددنا مباشرة! فهل، في حدود هذه الأولويات التي وضعوها لأنفسهم، لا تستحق زيارة الرئيس إلى الأمم المتحدة أن يعلنوا حالة الطوارئ في العمل؟ ثم انظر إلى تسلسل التنصل فائق السرعة من المسؤولية، حيث أصدرت رئيسة التلفزيون قراراً عاجلاً بإيقاف رئيس قطاع الأخبار عن العمل وإجراء تحقيق معه، في حين أنه كان سبقها وأصدر قراراً بإيقاف مسؤولة التنسيق الفضائؤ والتحقيق معها. من أسوأ الاستنتاجات في هذه الواقعة، ما يبدو أن رئيسة التلفزيون كانت راضية قبل هذا الخطأ عن أداء قطاع الأخبار، وأنها لم تول اهتماماً للدراسات التي تسجل انفضاض الجمهور عن التلفزيون المصري. وأكد الكاتب أن لدينا أزمة حقيقية في جهاز ينفق المليارات كل عام من المال العام».
لن ينصلح
حال التلفزيون الحكومي
ومن المعارك ضد التلفزيون الرسمي تلك التي شنها محمود الكردوسي في «الوطن»: «ماسبيرو صورة مصغرة من مصر.. كأي وزارة أو شركة حكومية: منارة قديمة أشعلت ثورات وحركت شعوباً وعلمت العرب أصول المهنة.. تحولت بعد أكثر من نصف قرن إلى خرابة، مبنى معتم، متعفن، رابض على ضفة النيل كحيوان منقرض
جيش موظفين تحكمه عقد إدارية وفساد للركب أطنان معدات وأجهزة معطلة
ديون و«أصول» بمليارات ولا شيء يباع أو يشترى قيادات فاشلة، متواطئة، و«شِلل» تحوم حولها كذباب الموائد. إخوان وجيوب «ثورجية» يرتعون تحت سمع وبصر الأمن (وفوق سيطرته طبعاً)، وإهانة الجيش والرئيس أمام الكاميرا وخلفها «عيني عينك» هذا المبنى لن تنصلح أحواله ولن تتوقف كوارثه إلا إذا كانت «الدولة» تريد إصلاحه والدولة لا تريد، لأنها مشغولة بقنواتها الخاصة».
الأزمة مركبة
ونبقى مع أخطاء التلفزيون الحكومي، حيث يرى عبد اللطيف المناوي في «المصري اليوم»: «انه لم ينظر أحد أبداً إلى هذا الكيان باعتباره أصلاً من أصول الدولة، يعانى مشكلات يجب حلها، والهدف الرئيسي يكون بالحفاظ على هذا الأصل. لم ينظر أحد أبداً إلى هذا الكيان باعتباره أداة معطلة بسبب مشكلات على مر عقود، ويجب أن يُبذل الجهد لإزالة هذه المشكلات لتتحرر الأداة المهمة من المعوقات، فتنطلق دعماً لدولة في مرحلة من المراحل الخطيرة في وجودها، ودولة تواجه من التحديات ما لم تواجهه من قبل. وليس الحل أبداً في أن نستيقظ ذات يوم فنجد أن هذا الجزء من إعلام الدولة قد اختفت معه المشاكل الناجمة عنه، فهذا ليس إلا شكلاً من أشكال الانتحار الذاتي. نعم.. تمر مؤسسة إعلام الدولة بأزمات حقيقية، ليس من فيها فقط هم السبب فيها، ولكن لأنه على مدار سنوات ظل التعامل معها بأسلوب غير مهني وغير حرفي غير حريص على أن تستمر، وهذا هو السبب الأساسي الذي أدى إلى تلك النتيجة. قد يكون سلوكاً صحيحاً أن تتخذ قراراً ضد شخص مخطئ، ولكن هناك ارتباطا شرطيا بصحة هذا القرار، والشرط هنا أن تكون هناك مؤسسة مهنية صحيحة. معركة الدولة في المرحلة المقبلة يجب أن تكون في إطار دعم ما تمتلك من قدرات وأدوات، وليس في إطار قتل وسحق هذه الأدوات، والاعتقاد الخاطئ بإمكانية وجود بدائل سريعة. هذا الكيان عمره طويل، وتأثيره كان كبيراً، ومازال يؤثر من خلال من خرجوا منه ويعملون في أماكن أخرى، واللوم في تجاوز أي مشكلة لا يقع فقط على عاتق العاملين فيه، ولكن يقع بالأساس على من يمتلك، ومن يمتلك هنا هو الدولة».
الرئيس لماذ يكره إعلامنا؟
قبل أن يذيع التلفزيون المصرى الحوار القديم على أنه جديد، كانت العناوين والصحف والمواقع تفجع الكثيرين ومن بينهم حسام مؤنس في «التحرير» بسبب ما جاء في حوار السيسي مع تشارلي روز: «ربما المرة الأولى التي نرى فيها رئيسا مصريا يشكو ويهجو وسائل الإعلام في بلده، في حوار مع وسيلة إعلام أجنبية، بل وأمريكية.. وبدلا من أن يجيب الرئيس عن سؤال المذيع الأمريكي حول قضايا الحريات وحقوق الإنسان والموقف من منظمات المجتمع المدني، إذا به يعيد ما قاله سابقا مرارا لكن بلغة أكثر حدة ووضوحا، واصفا الإعلام المصري بأنه لا يقدم الحقائق بشكل دقيق، ولا يعكس الواقع في مصر. وأضاف الرئيس أن وسائل الإعلام والصحافة تقول ما تشاء حيث لا توجد قيود ولا يوجد ديكتاتور في مصر. السيسي سبق له في مرات عديدة أن هاجم وانتقد الإعلام المصري، ولعلنا لم ننس بعد تلويحه بأن يشكو الإعلام للشعب المصري، في ما رآه البعض وقتها على أنه نوع من التحريض وتأليب الرأي العام على الإعلام، والمذهل أن هذا يجري في الوقت الذي تبدو فيه غالبية وسائل الإعلام داعمة ومؤيدة للرئيس، ولعل نظرة على الوفد المصاحب له، تكشف عن وجود عدد كبير من مراسلي ومديري صحف ومذيعي قنوات تؤيد السيسي على طول الخط. وربما لم ننس أيضا أن السيسي حمّل الإعلام المصري مسؤولية تضخيم قضية قتل الطالب الإيطالي ريجيني، التي رغم تطوراتها الأخيرة لا تزال محلك سر، ومع ذلك لا يزال السيسي يرى أن الإعلام المصري لا يقدم الحقائق بشكل دقيق! وقد يكون الرئيس على حق، لكن الحقيقة أن من لا ينقل الحقائق بشكل دقيق ربما يكون أغلبه من الإعلام المؤيد للرئيس وسياساته، وأن ما لا يعكس الواقع في مصر هو حديث السيسي نفسه».
الغناء ليس حلاً
قال الدكتور مصطفى الفقي المفكر السياسي، إن لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي بكل من دونالد ترامب المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية، وهيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي، يعد أحد نجاحات الدبلوماسية المصرية.
ووفقاً لـ«المصري اليوم» انتقد الفقي الدعاية الفجة لزيارة الأمم المتحده معتبراً إياها لا تفيد مصر ولا رئيسها. «كان الرئيس السيسي التقى يوم الاثنين المرشحين لانتخابات الرئاسة الأمريكية ترامب وكلينتون، في لقاء سلطت عليه الكثير من وسائل الإعلام المحلية والعالمية الضوء، على هامش مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وأضاف الفقي خلال لقائه ببرنامج «يحدث في مصر» الذي يقدمه الإعلامي شريف عامر، ويذاع على فضائية «إم بي سي مصر»، أن التطبيل والغناء من الوفود التي سافرت مع السيسي أمر لا يصح، مشيرا إلى أن وجود وفود شعبية مع الرئيس في الأمم المتحدة قد يستدعي مظاهرات مضادة للإخوان. من جانبه قال السفير علاء يوسف، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، إن مصر تتعامل مع المرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية: الجمهوري دونالد ترامب، والديمقراطية هيلارى كلينتون بالتساوي. وأضاف، في تصريحات للوفد الإعلامي الخاص بتغطية زيارة الرئيس السيسي للولايات المتحدة، فجر الخميس، بأن «الكلمة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية للناخب الأمريكي، ولا علاقة لنا بها، وفي الوقت نفسه لا نقلل من كلا المرشحين»، نافيا ما أثير عن تأييد ودعم مصر لمرشح على حساب مرشح آخر».
«شبه الدولة بتحييك ياسيسي»
«جاءت الزفة البرلمانية الإعلامية الكنسية، كما يسميها أشرف البربري في «الشروق» التي صاحبت الرئيس إلى نيويورك، لكي تقول للعالم إن هؤلاء قادمون من «شبه دولة» رغم أنهم قادمون من أعرق دولة في تاريخ البشرية. فما رأيناه خلال الأيام الماضية يقول إن هؤلاء المشاركين فيها، سواء كانوا نوابا أو إعلاميين أو رجال كنيسة، ذهبوا لشيء واحد فقط وهو إظهار الولاء للرئيس. فالنواب الذين سافروا بدعوة من جهة خاصة لم يكن ينبغي لهم قبولها، زعموا أنهم ذهبوا إلى أمريكا لمقابلة أعضاء الكونغرس وصناع القرار السياسي والإعلامي في واشنطن، رغم أن أبسط متابع للشأن الأمريكي يدرك تماما أن أعضاء الكونغرس منهمكون في حملاتهم الانتخابية قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية والنيابية الأمريكية. والإعلاميون الذين ملأوا الدنيا ضجيجا لم يقدموا ما يبرر السفر إلى آخر الدنيا، بل إن أحدهم أجرى اتصالا من نيويورك مع محلل سياسي مصري في القاهرة لكي يناقش معه فعاليات زيارة الرئيس، ورأينا إعلاميين يحاورون نوابا مصريين سافروا معهم إلى نيويورك، ولم نشاهد حوارا مع رئيس دولة مؤثرة ولا مع واحد من صناع القرار في واشنطن. أما الوفد الكنسي فقد أضر بزيارته لنيويورك أكثر كثيرا مما أفاد بعد أن جعل الكنيسة المصرية، التي يحمل لها الجميع تقديرا عميقا، في قلب سجال سياسي ذي طابع طائفي لا يُرضي أحدا. فالرئيس المنتخب يستمد شرعيته من صندوق الانتخابات الذي جاء به، وشعبيته تحددها إنجازاته وليس مؤسسة دينية. الرئيس ذهب إلى نيويورك مثله مثل العشرات من رؤساء الدول والحكومات للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة وهو حدث دوري تقليدي، فلم نر مثل هذه «الزفة» مع أي رئيس آخر فبدت مصر «غريبة» بين الدول».
لا أحد يسمع
نتحول بالمعارك الصحافية للهجوم على الحكومة بسبب مشكلة ارتفاع الأسعار وهو الأمر الذي يغضب سليمان جودة في «المصري اليوم» فيقول: «لم أجد في المقابل أحداً من المسؤولين أنفسهم، اهتم ولو عابراً، بأسعار المواد الغذائية، أو أسعار المواصلات، أو أسعار الخدمات العامة التي يكتوى بها كل مواطن تقريباً.. لم أجد اهتماماً يوازى ربع الاهتمام بأسعار كروت شحن الهواتف المحمولة. إن غالبية المصريين تستخدم كروت الشحن في الثرثرة، وفي قتل الوقت، وفي قلة القيمة، فهل هذا بالضبط هو ما يريد أن يغذيه هؤلاء المسؤولون الذين انتفضوا لمجرد أنهم عرفوا أن الكارت الذي يباع بمئة جنيه، سوف يباع للمستهلك بمئة وعشرة جنيهات، فتدخلوا على الفور، وقالوا «لا» بأعلى صوت، وتمسكوا بأن الزيادة يجب ألا تتجاوز خمسة جنيهات! إذن.. فما رأيكم أيها المسؤولون الكبار أن أسعار الغذاء والمواصلات وشتى أنواع الخدمات العامة، قد تم ضربها في اثنين، وفي ثلاثة، ومع ذلك فإن صراخ المواطنين يبدو أنه لا يستأهل أن يسمعه أي مسؤول، من الذين أخذتهم الغضبة الكبرى في مواجهة أسعار الكروت! أيهما أهم للمواطن الذي يطحنه الفقر والغلاء: سعر كارت الكلام الفارغ في يده؟ أم سعر وسيلة المواصلات التي يستخدمها للوصول إلى عمله إذا كان عنده عمل أصلاً؟ أيهما أولى: سعر كارت الثرثرة، أم سعر كيلو الفاكهة، التي صارت محرمة على كثيرين من المصريين؟ أيهما أجدى، أن ينال اهتمام المسؤولين في هذا البلد المنكوب بالعدد الأكبر من مسؤوليه: سعر كارت تضييع الوقت، أم سعر الأدوات المدرسية التي أصابها الجنون، مع بدء عام دراسي جديد؟ بينما مسؤولونا مشغولون بأسعار الكروت، تزيد أم لا تزيد».
سمعنا وأطعنا ياريس
«لعلك تذكر أن موضوع «السمع والطاعة» مثل واحدة من البوابات الكبرى للهجوم على جماعة الإخوان، وظل واحداً من أبرز المغامز والمطاعن على طريقة أدائها، حتى خروجها من السلطة بثورة شعبية في 30/6/2013. لام الكثيرون – ولديهم كل الحق- كما يشير محمود خليل في «الوطن» على أفراد الجماعة سقوطهم في بئر السمع والطاعة للمرشد أو المسؤول، من دون تفكير أو تمحيص لما يقولون، لم يعجبهم أسلوبهم الذي يعتمد على شعار «لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم»، بل «أطيع فقط». كان الناس يتعجبون من تقاطر الإخوان على الأوتوبيسات، عندما تصدر الأوامر إليهم، ليحتشدوا في هذا المكان أو ذاك، من دون تفكير أو تدبر، فيما يقومون به، وكانوا يستغربون من حالة الطاعة التي تعطل العقل على هذا النحو، نعم ربما يكون الناس قد شاهدوا هذه القدرة على الحشد وحشو الأوتوبيسات بالبشر أيام انتخابات الحزب الوطني، لكن المحشودين والمحشورين حينذاك، كانت لديهم أسباب منطقية، تتمثل في ورقة نقدية ووجبة. هذا الأمر أدى بالبعض إلى الحديث عن أن الإخوان كانوا يدفعون لتعليب الأوتوبيسات بالبشر، فليس بمقدور أحد – وعنده الحق- أن يصدق أن السمع والطاعة يمكن أن يكونا ببلاش، أو لمجرد أن الكبير أصدر الأوامر. ذهب الإخوان، لكن المبدأ ما زال سارياً، وتيار السمع والطاعة ما زال موجوداً، يشمل بتأثيره بعض المؤسسات التي ترى أن أتباعها ليسوا أكثر من عرائس ماريونيت، عليهم أن يوجدوا حيث يريد كبير المؤسسة، ويؤدوا بالطريقة التي يتوقعها منهم».
الأمل يتبدد
هل ستأتي استثمارات أجنبية واسعة النطاق للسوق المصرية في الفترة المقبلة، خصوصا بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي المزمع توقيعه بصورة نهائية خلال أسابيع؟ بعيدا عن الأمنيات والآمال والأحلام، فإن تغييرات موضوعية يشير إليها عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» تقول: «إن هناك استثمارات سوف تأتي ولكن ليس بالصورة التي نحلم بها، لماذا هذا التشاؤم أو لنسميه عدم التفاؤل؟ السبب الرئيسي أن أحد الشروط الأساسية لقدوم أي مستثمر أن يكون هناك سعر موحد للعملة فهل هذا سوف يتحقق قريبا؟ أغلب التقديرات تقول إنه يصعب على الحكومة المصرية أن تتخذ قرارا صادما ومباشرا وقريبا بالتعويم الكامل للجنيه، حتى لا تنفجر الأسعار وينهار الجنيه المصري بصورة دراماتيكية، خصوصا في ظل أن معظم مصادر الدولار لم تعد تعمل بصورة جيدة مثل، تحويلات العاملين المصريين في الخارج والسياحة، وفي ظل كل ذلك، فالمتوقع أن تعويم الجنيه سيكون جزئيا وليس كاملا، والتقديرات تتراوح في معظمها ما بين عشرة إلى 11 جنيها للدولار، وكانت هناك إشارة لافتة إلى ذلك في يوم الاثنين الماضي في افتتاح مؤتمر «اليورومني» حينما جرى استطلاع رأي لبعض خبراء الاقتصاد فأشاروا إلى سعر الـ11 جنيها للدولار. إذا تم ذلك، فإن الحكومة ستكون ملزمة بتوفير الدولار للاحتياجات الأساسية، وسوف تستمر السوق الموازية أو السوداء وسيكون سعر الدولار فيها يتراوح ما بين 12 إلى 13 جنيها وربما 14 جنيها. هذا المناخ لن يغري كثيرا من المستثمرين الأجانب بالقدوم وبالتالي فإن على الحكومة أن تفكر في بديل».
معذبون حتى في الحج
«انفض موسم الحج بسلام.. نجحت السعودية في تنظيمه، وفشلت مصر في الإعداد له.. وبات من الضروري وفق ما يطالب به أحمد بكير مدير تحرير «الوفد» العائد من الأراضي المقدسة بإنشاء مفوضية للحج والعمرة، تباشر الحجاج والمعتمرين المصريين، وتقف على مستوى الخدمات المقدمة لهم. فنظام بعثة الحج «الرسمية» التي تسافر كل عام خلال الموسم أثبت فشله، فرئيس البعثة يتم تغييره كل عام، وهو غير ملم بمشكلات وخبايا وألاعيب تجار الحج . «رئيس البعثة» ـ بالكاد ـ يحل مشكلة أو مشكلتين من مشاكل الحجاج العادية، أما المشكلات المتكررة كل عام فلا يقوى على التصدي لها، وإن تجرأ سيغرق فيها، ولن يسعفه الوقت، لذلك فالمفوضية «الدائمة» هي الحل. سافر الدكتور أشرف العربي وزير التخطيط، ورئيس بعثة الحج هذا العام، للسعودية، وعاد كما سافر، لم يسعفه الوقت لحل المشكلات، ولم يستطع أن يتابع حال الحجاج المصريين المتفرقين في شتى أرجاء مكة والمدينة، لا يجمعهم مكان واحد، كما هو الحال مع باقي حجاج الدول الأخرى.. وللحق فإن الدكتور أشرف العربي بذل جهدا في حل المشكلات التي عرضها عليه الحجاج الذين التقاهم في مقر البعثة المصرية، أو خلال زياراته الميدانية، أو الذين تواصلوا معه تليفونيا وتركزت معظم الشكاوى في بعد المسافة بين مقار الإقامة والحرمين، وسوء المساكن، وسوء الخدمات. وقد شاهد الدكتور العربي بنفسه الفرق الواضح بين مستوى الخدمات المقدمة لحجاج الدول، والأخرى المقدمة للحجاج المصريين. ولمس كم كانت هي سيئة جداً، لا تليق بمصر والمصريين».
«إسرائيل وفيسبوك إيد واحدة»
الطريقة المرنة التي تعامل بها مسؤولو «الفيسبوك» مع الحكومة الإسرائيلية تثير الريبة وتؤجج الشكوك، وتجعل من مواجهة هذا الموقع المتوغل في حياتنا بطريقة كبيرة أمرا واجبا، كما يشير وائل السمري في «اليوم السابع»: اجتمع مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية بمسؤولين في موقع «فيسبوك» للاتفاق على ما سموه «سبل مكافحة التحريض ضد إسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي»، إذ تعتقد إسرائيل أن التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي لعب دورا كبيرا في حدوث موجة العنف الأخيرة، التي شهدتها بعض المناطق بين الفلسطينيين وإسرائيل.
وبحسب موقع قناة الحرة الأمريكي فإن وزير الأمن العام الإسرائيلي جلعاد إردان، ووزيرة العدل إيليت شكد اللذين شاركا في الاجتماع مع مديري «فيسبوك» الاثنين الماضي، هما اللذان يقودان تلك الحملة، ونقل الموقع بعض تصريحات من مكتب إردان قال فيها إنهما توصلا إلى اتفاق مع ممثلي «فيسبوك»، لتشكيل فريق يعمل على وضع تصور لكيفية مراقبة المحتوى على موقع التواصل الاجتماعي. كما اقترح الوزيران إردان وشكد مشروع قانون لإجبار مواقع التواصل الاجتماعي على إزالة أي محتوى تعتبره إسرائيل تحريضيا، بينما قام أعضاء آخرون في الكنيست بتقديم مشروع قانون لإجبار هذه المواقع على مراقبة المحتوى بنفسها. وليس اللافت هنا هو موقف الحكومة الإسرائيلية من «الفيسبوك» لكنه موقف «الفيسبوك» نفسه الذي قال في بيان صحافي، إن «التطرف الإلكتروني لا يمكن مكافحته إلا عبر تعاون صناع القرار والأكاديميين والشركات، وأنه لا مكان للإرهابيين في فضائه الإلكتروني، ووصف اللقاء مع المسؤولين الإسرائيليين بأنه كان «بناء». وحسب الموقع فإنه وعلى مدى الشهور الأربعة الأخيرة، طلبت إسرائيل من موقع «فيسبوك» حذف 158 منشورا اعتبرتها «محرضة على العنف»، بالإضافة إلى 13 طلبا مماثلا لموقع يوتيوب، واستجاب «فيسبوك» لنحو 95 ٪ من هذه الطلبات، بينما استجاب يوتيوب لـ80٪».
الحكومة نايمة في العسل
أعطت المساعدات العربية لمصر على مدار الشهور العديدة الماضية خاصة المساعدات الإماراتية، قبلة الحياة، لتعيد هيكلة الاقتصاد وتعيد خريطة التنمية وفق مايرى خالد النجار في «الأخبار»: «جرت المشاريع وشقت الطرق وحفرنا قناة السويس الجديدة، وفجأة خيم الركود، وبدأت الأسعار في ارتفاع تدريجي إلى أن وصلت ذروتها وتصاعدت وباتت تحرق جيوب الغلابة. اختفت الطبقة المتوسطة وازداد الفقر، وارتفعت أسعار الأرز والسكر، حتى طالت البوتاجاز. ويبدو أننا نتعامل بسياسة «إحييني النهاردة وموتني بكرة» فانفرجت أسارير المسؤولين وناموا في العسل واطمأنوا لاستقرار سوق البوتاجاز، ومرت أصعب فترات الشتاء حتى فوجئنا في عز الصيف بأزمة طاحنة لم نحسب حسابها واختلفت تقديرات المسؤولين، ويبدو أنها ستزداد الفترة المقبلة. منظومة التعامل مع السوق مهترئة، ولا توجد رقابة على الأسعار، حتى أن أغلب السلع تباع بأسعار مختلفة حسب المنطقة وكل واحد وشطارته! في ظل غياب واضح للدولة. مطلوب نظرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، والبحث عن حلول واقعية لتتوقف نار الأسعار. الخطير ما أكده الدكتور محمد سعد الدين رئيس جمعية مستثمري الغاز بأن هناك مستثمرين عرضوا إقامة منطقة التخزين في السويس من دون تحميل الدولة مليما واحدا، وإقامة منطقة تخزين بسعة 50 ألف طن من البوتاجاز لتفي باحتياجات الاستهلاك المحلي لمدة أسبوع إضافي لتتم السيطرة على أي اختناقات. إلا أن الحكومة لم تبت في الأمر، ولم ترد، وكأننا نتفنن في خلق الأزمات، لازلنا نتعامل بسياسة اليوم بيوم».
حسام عبد البصير