أفكار عربي في كوريا الجنوبية

حجم الخط
0

المظفر قطز تاج الدين: تحملني السيارة عبر الضباب الذي لا ينتهي، على يساري القناة التي لا تشبه النيل في شيء؛ محدودة العرض والعمق، يقود السيارة شاب سعودي تعرفت عليه للتو، تنازعتني مشاعر الارتياح والانقباض، تستمر أسلاك وأعمدة الكهرباء إلى ما لا نهاية، أعتقد أن ناقلات الطاقة تلك هي أبرز الملامح البصرية لكوريا منذ وصولي إليها، الأسلاك المعلقة في الهواء والتي ربما لا تليق إطلاقًا بدولة شديدة التقدم ككوريا الجنوبية؛ إلا أنها قائمة على كل حال.
قد تبدو هذه المقدمة شديدة الدرامية أو «الكلاشيهية» عند النظر إليها، أستطيع التفكير في سبعة أفلام على الأقل بدأت بذات الطريقة، إلا أن هذه الصورة هي تحديدًا أفضل تصوير للواقع الذي يربط الشباب من أبناء جيلي من الكوريين والأجيال الأكبر منهم، غالبية عظمى ترغب في الرحيل عن البلاد، أحلام كثيرة تصطدم مع يجب أن يكون
شاب قضى عمره في دراسة ما يسمى بالعلوم الاجتماعية والثقافية، لا تعني هذه الأخيرة أي شيء في كوريا المتقدمة أكثر مما تعنيه في بلادنا العربية المنهكة، تستمر الفتيات شديدات الجمال في التقرب إليه في شكل يخلو بأي شكل من الأًصالة أو الحقيقة، فقط تغرها ملامح ذاك الجنوبي الشقراء، الشعر البني المنهك بالصفرة يعطي انطباعًا بالانتماء لهويات تقع على الغرب من الحقيقة، الأعين الزرقاء توحي بجنسية تدعوه أوقات الانتظار الطويلة في السفارات للتمني لو كانت واقعًا، يتأكد هذا الزيف بعلامات الامتعاض على وجه الفتاة الجميل بعد توالي الإجابات على أسئلتها عن جنسيته وعمله.
تبحث الفتاة في الشاب عن تذكرة للهروب من بلد وواقع يحكمهما التضارب، توقف الشاب عن البحث منذ فترة؛ وربما تكون اللحظة التي قرر فيها المجيء إلى كوريا هي اللحظة التي توقف فيها عن البحث تحديدًا.
تتحدث الفتاة لفترة طويلة عن كوريا أخرى غير تلك التي أعرفها، كوريا يحكمها بناء واضح من السيطرة العمرية، سيطرة تحكمها ساعات العمل المنهك التي لا تنتهي؛ وقواعد احترام كبار السن التي تحكم كل شيء بداية من البيوت ونهاية بالشركات العابرة للقارات، أستمع غارقًا في التفكير في ساحات أخرى في بلادنا يحكمها صراع شبيه؛ إلا أنه يفتقد لأي من تلك الحدود والتعريفات الواضحة، تلك التي أراها من مكاني هذا، ولا أستطيع إغفال أنها تحكي كل هذا بينما تشرب من زجاجات السوجو المتتالية؛ الشراب الذي يشربه الكوريون منذ مئات السنين بلا توقف.
هذا بلد يختلف عن كل البلاد التي زرتها في أوروبا أو البلاد العربية، يذوب فيه تنوع الملامح في ثقافة تعلي من الوحدة والتشابه، تلتقي معاناة طالب الثانوية العامة المصرية مع رفيقه الكوري في آمال يعلقها عليه آباء يخافون مما يقوله المجتمع؛ وتفترق في تعليم هو الأحدث تكنولوجيًا في العالم، تلتقي معاناة أسر خبرت الإبادة والتفرقة تحت وطأة صراع مصالح القوى الدولية مع أختها في فلسطين ربما لا تكون اليوم؛ خبرات يحاول كافة الأطراف طمسها تحت تفاصيل الحياة اليومية التي لا تنتهي.
قابلت منذ بضعة أيام إحدى السيدات اللاتي يطلق عليهن «نساء الراحة»؛ الفتيات اللاتي أجبرهن الجيش الياباني على ممارسة الجنس مع الجنود للرفع من كفاءتهم القتالية، أخبرتني أسرتها التي طردتها منعًا للعار؛ ذات الأسرة التي لجأ نصفها إلى جزيرة جيجو جنوب البلاد هروبًا من الحرب التي بدأها الشيوعيون في الشمال، أخبرتني أن من بقي من الأسرة في الشمال مات في معسكرات الاعتقال بعد محاولة اللجوء إلى الجنوب أثناء الحرب، بينما قضت البقية في مذبحة جيجو التي أمرت بها الولايات المتحدة ضد كل من أتى من الشمال في محاولة لمنع أي اختراق من قبل القوى الشيوعية عام 1950.
تنازع الشباب الكوري مأساة من نوع مشابه، مأساة الانكسار بين الماضي والحاضر، بين الغرب والشرق، أنا الغريب بينهم أعيش المأساة نفسها.

باحث مصري يعيش في كوريا الجنوبية

أفكار عربي في كوريا الجنوبية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية