لو كان المتنبي حاضراً اليوم!… الحياة الجامعية وعُقدة الخواجا

سمعتُ هذه العبارة أول مرة أيام المدرسة من مدرس مصري خفيف الدم، كما هو متوقع، وكنتُ أحسبها نكتة فردية، يوصف بها من لديه شعور بالدونية إزاء كل ما هو «إفرنجي» فيستعمل اللفظة الفرنسية او الإنكليزية بدل المفردة العربية التي يعرفها عباد الله الصالحون، ممن لم يتعلم في مدارس المرسليات الدينية الأجنبية أو «اللاييك» الفرنسية، أو غيرها من بلاد وقعت تحت مقص «سايكس بيكو». وانتهى التساؤل يومها عند حدود سن المدرسة. لكني صرتُ ألاحق العبارة في مجلة «روز اليوسف» وأمثالها، تحت تطرف الشباب في البحث عن النكتة المصرية، التي لا أحسبُ أن لها مثيلاً في لغات العالم.
ولكن، مع تقدم العمر، والطواف في بلاد الله العامرة، والعمل في عدد من الجامعات العربية والأجنبية، تبين لي أن المسألة أكبر من نكتة، بل هي أشبه بالفايروس الذي يصيب بعض عباد الله غير الصالحين.
عرفتُ أستاذ أدب عربي درس في «بلاد الإنكليز»، كان يفضل أن يقول: «هذا الخبز ينفع لكسر الصوم» بدلاً من الكلمة العربية الجميلة: «الفطور». وبسبب من تخلفي الحضاري، سألتُ: ولكن نحن على أبواب عيد الميلاد، هل هناك «صوم الخمسين» أو «عيد فصح» الآن؟ وعلى نطاق أوسع، انتشرت هذه «الإيبولا» إبنة عم الفايروس في بلاد «اللاتغرب الشمس عن مغانيها». ففي إحدى الجامعات المحروسة هناك، رأى القائمون على الإدارة، من كبار الوطنيين، أن تعيين عميدة لكلية الآداب، أمريكية متخصصة في علوم الحياة، هو مسايرة للتطور، ولو أن المحروسة ما تزال في أول السلم الجامعي، ولم تبلغ مرتبة الأستاذية التي يضعونها لتسنم مركز العميد، ولو أنها لا تعرف كلمتين بالعربية، ولا أحسبُها تكن أي احترام للعروبة أو الإسلام، في بلد يتباهى بعروبته وإسلامه، ويسعى لتنمية مواطنيه على تلك القيم. وكأن هذه الإصابة بعقدة الخواجا، أو الخواجاتية لا تكفي، بل راحت إدارة الجامعة العتيدة فوافقت أن «تباشر» العميدة السعيدة  «لاعَمَلَها» بعد عطلة عيد الفصح في بلدها، التي صادفت في منتصف العام الجامعي عندنا. وإمعاناً في الكرم العربي الإسلامي، دفعوا لسيادة العميدة رواتــبها من تاريخ تعيينها، رغم أنها وصـــلت البلاد متأخرة عن بدايــة العام الجامعي بثلاثة شهور.
وأقول إن سعيدة الحظ باشرت «لاعَمَلَها» في منتصف العام الجامعي، لأنها جاءت أساساً لممارسة هوايتها في تصوير الطيور في البلاد الأجنبية، وليس لعمادة كلية تعتمد العربية لغة التدريس… يا أمّة…
واسمع هذه، ولا تصدقها إن شئت، لأني أنا وجدتها صعبة التصديق لولا ان زميلاً كريماً رواها لي، وهو يقاسي من العمل في تلك الجامعة، بسبب ما يرى من تصرفات «وطنية» كريمة. قال: جاءتنا فتاة يافعة، أمريكية، تخرجت لتوها بماجستير تاريخ، وتعينت عندهم للتدريس، وصدق أو لا تصدق: تاريخ الثقافة العربية، في قسم اللغة العربية، وتدرسها باللغة الأمريكية «القحة» ولا أدري معنى «القحة»! كيف جرى هذا والجامعة لا تعيّن للتدريس الا حَمَلَة الدكتوراه، أما «الماجستيرية» فتعينهم عند الحاجة على ملاك «مدرس لغة» خارج ملاك هيئة التدريس. فكيف جاءت هذه اللوذعية «لتبيع المية في حارة السقايين»؟
والجامعة إياها خطت خطة أخرى في مجال التطوير، فقررت عدم قبول تعيين حملة شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها إذا كانت الشهادة صادرة من بلد عربي إسلامي، ويفضل عليها «صادرات» بلاد الإنكليز والأمريكان، أو تنجانيقا عند الحاجة!
هل من نصف عاقل يصدق هذا؟ يا أمة…
وقد سرَت عدوى هذه «الإيبولا الفايروسية» إلى منح الفيزا إلى بقايا العرب البائدة. فالكل يعرف الصعوبات التي دونها خرطُ القتاد في الحصول على فيزا زيارة لإحدى بلاد «العالم المتحضر» لكن حامل الجواز البريطاني أو الأمريكي أو الغرب أوروبي «يدخل إلى القلب» من بعض بلاد السعادة «بدون استئذان» مثل شعر بعض شعرائنا الذين لم يبق منهم سوى الذكرى… الغائمة. يدخل حامل جواز السعادة، إلى بعض بلاد السعادة، بقوة جواز سفره، الذي يُشهره بوجه موظف المطار، فيمنح إقامة فورية لمدة شهر قابلة للتجديد. وقد يحصل هذا على عمل أثناء الشهر، فتتحول تأشيرة زيارته إلى إقامة أصولية، براتب وظيفة يسيل له لعاب «ولد الخايبة». هل رأيت عذاباً كهذا؟ يسأل آخر فحول الشعر العربي المعاصر، عبد الرزاق.
وقد يكون المقيم العربي موظفاً في مؤسسة رسمية، لكنه لا يستطيع استضافة ابنه أو ابنته الا بتوسط الجواز الأجنبي، يُشهره القادم بوجه موظف المطار، فيدخل معززاً مكرماً.
وعلى مستوى لا يقل غرابة واستغراباً، لكنه ذو مغزى مؤلم، أن بعض الأدباء و«حَملة الأقلام» يجتهد في «عمل العمايل» ليترجم عملٌ له إلى الإنكليزية أو غيرها من اللغات الأوروبية، ظناً منه أن ذلك قد يرفعه الى مستوى العالمية والشهرة. ثمة عمل أدبي لأحد كبار المسؤولين تُرجم إلى لغة أوروبية، وكان المفروض أن المترجم «إبن العرب» سيكتب مقدمة لعمل ترجمه للمسؤول الكبير. لكن «الوجاهة» اقتضت تكليف خواجا لا يعرف شيئاً عن العربية ولا عن آدابها، لكتابة المقدمة. والله يعلم مقدار «المكافأة» التي تقاضاها ذلك الخواجا عن عمل «جاء» من «غامض عِلمِه».. مبروك على الأديب الكبير ومقدم عمله، وتغمد الله المترجم الفقيد بواسع رحمته.
وإليكم هذا المثال من مسرح اللامعقول! في بلد عربي إسلامي جداً، صدر مؤخراً «فرمان» إصلاحي يقضي بعدم تعيين أبناء وبنات أربع دول عربية إسلامية في الوظائف الحكومية الرسمية والأهلية، إلا إذا كان الشخص يحمل جنسية سعيدة أخرى إلى جانب جنسيته العربية الإسلامية. تُرى ما هي الحكمة «الهمايونية» في هذا الإجراء «اللايوصف»؟
حادثة خواجاتية أخرى، وأخيرة، رواها زميل لي «ما جرّبنا عليه كذباً». قال حضرتُ مؤتمراً ذا جانب سياسي، في بلد «شقيق وصديق». وفي نهاية اليوم الأول عرفنا بوجود مسؤول عربي كبير بين المدعوين، قادماً من بلد أوروبي «لا صديق ولا شقيق». وعندما بدأ بعض المدعوين بالانصراف، ظهر عند باب القاعة الكبرى ذلك المسؤول العربي الكبير، يودع أحد المشاركين الخواجات، واشار إلى إحدى السيارات المخصصة لتوصيل الضيوف إلى فنادقهم. قال صاحبي: كانت سيارتي خارج مركز المؤتمرات، على بعد 500 متر من باب القاعة. فلما اقتربت السيارة من الخواجا المكرّم، أشار السائق إليّ ليوصلني الى سيارتي، خارج السور، بصحبة الضيف المكرّم. قال: فلما هَممتُ بالركوب صرخ السيد المسؤول العربي القادم من بلاد برّه، بأعلى صوته، من حيث يقف بباب القاعة: «لأ، لأ، هذه للأمريكاني فقط». قال صاحبي: سحبتُ قدمي من السيارة، وفضلتُ السير 500 متر إلى سيارتي، احتراماً للسيد المندوب، الذي هو الآخر ضيف، ولا يحق له إصدار الأوامر.
قال صاحبي: كان السائق من العاملين في جامعتي، أنا إبن البلد مثله، ويعرفني. فصرخ بلهجته البدوية الجميلة: دكتور، دَخل الله خليك هنا، وأنا استدير وآخذك إلى سيارتك. ولو حكى هذاك الزلمة كلمتين، راح «أقل قيمتو».
يا ترى… لو عاد المتنبي إلى الحياة ليوم أو بعض يوم، ليسمع ويرى بعض هذه «الأفاعيل» كيف كان سيحوّر بيته المشهور:
«يا أمّة»… فَعَلت… في وجهها الأمَم؟

لو كان المتنبي حاضراً اليوم!… الحياة الجامعية وعُقدة الخواجا

عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية