الدوحة ـ «القدس العربي»: تعتبر الإجازة الصيفية والتخطيط لها حقاً مقدساً للكثير من الموظفين في سائر أنحاء العالم يتلهفون أوانها ويترقبون موعدها لتمضية أوقات تنسيهم إرهاق وضغط العمل والحياة ويبتعدون عن أجواء العمل حتى يشحنوا طاقاتهم مجددا أو يغترفون من نبع ذكرياتهم في أوطانهم لإطفاء جذوة الشوق لأهلهم.
إلا أن فئات واسعة من المسؤولين والمدراء والمهنيين والعمال المهرة في قطر يحرمون من هذا الحق لكون وظائفهم تحتم عليهم البقاء ـ وتحديداً خلال هذه الفترة ـ لمزاولة عملهم، وبعضهم يتنازل عن هذا الحق بسبب ارتباطاتهم المهنية.
العاصمة القطرية الدوحة ومدنها الكبرى التي تشهد خلال أشهر السنة التسعة التي تبدأ من منتصف سبتمبر/ أيلول، نشاطاً واسعاً ومكثفاً يلحظ على مستوى الدوائر الحكومية والشركات الخاصة إضافة إلى ما يرافقها من نشاط رسمي دؤوب مع استضافة الدولة لمؤتمرات ومنتديات دولية، تحولها إلى ما يشبه خلية النحل لا تهدأ فيها الحركة على مدار ساعات اليوم.
ويعد منظر صفوف السيارات الطويلة المتراصة في الشوارع للموظفين وهم في دربهم المعتاد إلى عملهم، أمراً معتاداً وصورة نمطية خلال ذروة نشاط المدينة وعنفوانها. الالتزامات التي تواجهها بعض الجهات خصوصا هيئة الأشغال العامة غيرت من هذه السنن، وطرأ تحول في المشهد اضطرها إلى تغيير معادلاتها فيما يخص توزيع جداول عطل موظفيها واقتناص فترة الإجازات خصوصا الصيفية التي كانت إلى وقت قريب أمراً مقدساً للكثيرين يخططون لها منذ فترة، لتكثف من مشاريعها في مد الجسور وتوسيع شبكة الطرق وإنجاز حفريات لشبكة قنوات الصرف الصحي، وتهيئة المسارات الرئيسية بشكل لا يربك الحركة المرورية.
أعمال البنية التحتية والأشغال التي تشهدها المناطق المحورية في الدولة والتي تتعزز أكثر مع بداية الإجازة تأتي انطلاقاً من رغبة المشرفين عليها للانتهاء منها قبل بداية الموسم. عوامل تجعل فئات واسعة من الموظفين والعمال والمدراء يؤجلون مشاريع عطلهم وخطط السفر على مدار أشهر الصيف ويقضونها في الدوحة مرغمين أو مخيرين بسبب ارتباطاتهم.
طوارئ في الإدارات
الفئات التي ضبطت إيقاع حياتها على هذا العامل الطارئ، أصبحت متأقلمة مع الحالة التي تفرضها عليها هذه الوضعية ولم يعد تواجدها على رأس عملها على عكس الغالبية يشكل ثقلاً على نفسها ولا تتذمر لكون الآخرين يغادرون البلد ليستمتعوا بالأجواء الطيبة في الخارج، وهم بالمقابل يكدون ويتعبون في ظروف جوية قاسية بسبب ارتفاع درجات الحرارة ونسب الرطوبة العالية.
ويؤكد عدد من الموظفين والمدراء الذين تواصلت معهم «القدس العربي» أنهم تأقلموا بعد مرور فترة زمنية على هذا الوضع ولم يعد يشكل الأمر هاجساً لديهم أو تثيرهم صور وأخبار زملائهم وأصدقائهم وهم يستأنسون بأوقاتهم في الخارج.
واعتبر المهندس حازم أحمد الذي يشرف على مشروع تابع لإحدى الشركات التي تنفذ توسعة لطريق رئيسي تسلمته من هيئة الأشغال العامة، أنه مضت عليه 5 سنوات لم يأخذ إجازته خلال أشهر الصيف وأصبح يفضل اختيار فصل الخريف أو حتى الربيع ليأخذ راحته في تمديد إجازته وحتى أخذها كاملة على غرار زملائه حينما يضطرون لتمضيتها في الصيف بسبب الحاجة الملحة لخدماتهم.
ويضيف أنه أصبح متأقلماً مع مسألة تمضية الإجازة في الدولة خلال أشهر الصيف حيث أن الضغط على الشوارع يكون أقل، والازدحام في الأماكن العامة يكاد يكون منعدماً، ويمكن أن يصل الى عمله في غضون دقائق وهو المشوار نفسه الذي كان يستنزف منه نحو الساعة في الأيام العادية. قد تكون حالة حازم أخف لأنه تزوج حديثا وبالتالي ليس مرتبطا بموعد محدد، إلا أن الأمر يصبح أكثر صعوبة بالنسبة للموظفين الذين لديهم أطفال في المدارس وبالتالي تتعقد لديهم خطط عطلتهم خارج الرزنامة الدراسية. الكثير من الموظفين يجدون أنفسهم في حرج من هذه الوضعية التي تجعلهم حائرين بين الالتزام بالعمل وضوابطه والتزاماته ومرافقة أسرهم.
زيادة وتيرة العمل
ويشير عادل وهو مشرف على مشروع لهيئة الأشغال العامة إلى أن وتيرة العمل تزداد لديه في الشركة مع حلول موسم الإجازات، ويعتمد عليه مديره كثيراً ولا يستغني عنه خلال هذه الفترة لمتابعة سير الشغل. ويؤكد أنه توصل لحل وسط من خلال إرسال أسرته إلى بلده مع بداية العطلة ويعوضهم بإجازة مشتركة في موسم الشتاء حيث يكون بوسعه المغادرة بأريحية وبالتالي يكون قد وفق بين الأمرين.
الضوابط التي وضعتها بعض الشركات التي تلتزم بمواعيد تسليم دقيقة مع الجهات والهيئات الحكومية تسعى بحسب أحد المسؤولين الذين تواصلت «القدس العربي» معهم إلى وضع خطة طوارئ محكمة لتحديد برنامج مغادرة الموظفين وتوزيع إجازتهم حيث يتم مكافأة العاملين الذين يتبرعون بالبقاء في البلد ومنحهم امتيازات لتحفيز زملائهم للاقتداء بهم. ويضيف أنه تتم مراعاة ظروف العاملين الذين لديهم أسر والملتزمون بالمدارس ويسمح لهم بأخذ عدد محدد من الأيام بشكل لا يخل بالتزامات الشركات، مع السعي لتأمين العدد الكافي من الموظفين الذين يوافقون طواعية على البقاء في الدوحة.
وساهمت هذه الخطط والضوابط في تعجيل شركات عدة في إنهاء مشاريعها في الآجال المحددة ومن دون تأخير.
مشاريع صيفية
وأعلنت مؤخرا هيئة الأشغال العامة أنها نفذت توسعة شاملة لتقاطع الدفاع المدني، وهو يعتبر من المحاور الرئيسية في العاصمة القطرية الدوحة في الموعد المحدد، وأشادت بجهود العاملين والمشرفين كافة على الأشغال واعتبرت الأمر إنجازا مشرفا خصوصا وأن أعمال البنية التحتية التي تم تنفيذها كانت ضخمة وواسعة.
وبحسب تقديرات رسمية فقد بلغ حجم الاستثمار في مشاريع البنى التحتية في الدولة حاليا ما بين 170 و200 مليار دولار. كما أشارت التوقعات الى أن الخطط المستقبلية لتطوير مشاريع البنية التحتية المزمعة ضمن استراتيجية قطر 2030، نحو 400 مليار دولار، وجزء من هذا المبلغ سيرجع إلى المنشآت التي تتطلبها استضافة كأس العالم 2022.
وتشيد جهات عدة في الدولة بالجهود التي تبذلها الفئات الواسعة من الموظفين والعمال والمدراء وتثني على أداء عملهم خلال فترة الصيف من دون كلل أو ملل بالرغم من الظروف الصعبة واغراءات زملائهم المسافرين.
كما تأخذ بعين الاعتبار الهيئة العامة للسياحة الظرف وتنفذ سنوياً مهرجاناً واسعاً خلال الصيف يتضمن عدداً من الفعاليات والأنشطة لتضفي من خلاله البهجة على قلوب الموظفين وأسرهم.
مهرجانات صيفية
وتضمن برنامج العام الحالي العديد من الفعاليات المميزة التي استقطبت اهتمام الجميع وجعلت من الإقامة في قطر خلال هذه الفترة أمراً محفزاً ولا يشكل عبئاً على الأسر التي تجد ضالتها في حزمة الأنشطة التي تلبي الأذواق كافة.
واجتذب المهرجان الذي تضمن باقة من الفعاليات الترفيهية نحو ربع مليون زائر وهو ما يوحي بأن أعداداً واسعة من المواطنين والمقيمين ظلوا في البلد خلال تلك الفترة ولم يغادروه وشكل ذلك متنفسا لهم ولأسرهم وعاملاً أعانهم على تمضية الوقت من دون الشعور بوطأة البقاء خلال موسم الحر في قطر.
ويشير أبو محمد وهو إعلامي مقيم في قطر منذ سنوات عدة إلى أنه لم يعد يفكر في السفر كثيرا خلال الصيف بل أصبح معتاداً على تمضية الإجازة أثناء أشهر الحر في البلد برفقة أسرته. ويؤكد أن البلد يصبح أكثر هدوءًا من سائر أشهر السنة المزدحمة وهو يرتاح لذلك وتأقلم مع هذا الوضع، وأصبح منذ سنوات خلت يخطط للسفر مع أسرته في عطلة الخريف أو الشتاء والاستمتاع بها ويترك الفرصة للراغبين في السفر خلال أشهر الحر مثلما يصفها.
عادت مؤخراً الحياة مجدداً في مختلف مناطق الدولة وعاد جل المسافرين من رحلاتهم، وباشر الموظفون المجازون أعمالهم واستلموا مهامهم ويواصلون روتين حياتهم. وآخرون وهم كثر ومن قطاعات عدة كانوا عكسهم مداومين خلال أشهر الصيف ويتابعون سير الأعمال في أكثر من مجال ولم تعد العطلة تعني لهم مثل الآخرين السفر والاستمتاع بها. وفئة من الموظفين والمشرفين على مستويات مختلفة أصبح لزاما عليهم أن يبقوا في البلاد مع انتهاء الموسم الدراسي بحكم حاجة شركاتهم ومؤسساتهم إلى خدماتهم لاستكمال عشرات المشاريع والأشغال التي يتم تكثيف حجمها في فترة الصيف لتفادي أي ازدحام من شأنه أن يعطل مصالح الناس وهذا في إطار النهضة العمرانية التي تشهدها قطر.
سليمان حاج إبراهيم