بعد انهيار الإتفاق الأمريكي – الروسي: كل طرف يشحذ سكاكينه والأيام مقبلة مظلمة

حجم الخط
0

تعلّم عودة القصف لمدينة حلب الذي استأنفته القوات الموالية لنظام بشار الأسد الانزلاق من جديد لدوامة العنف بعد تبدد الآمال باستمرار وقف إطلاق النار الذي تم التوافق عليه بين الولايات المتحدة وروسيا في الأيام الأولى لعيد الأضحى. وكان وقف إطلاق النار الذي ظلت شروطه سرية مدعاة لتشك الأطراف المشاركة في النزاع السوري إلا أنه اعتبر في حيثياته وبناء على المواقف الأمريكية خاصة تلك التي عبر عنها وزير الخارجية جون كيري انصياعاً للشروط الروسية وتحقيقاً لطموح ظل يسعى إليه فلاديمير بوتين منذ دخوله الحرب في سوريا قبل عام. وهو التعاون المشترك بين بلاده في مكافحة «الإرهاب». والمشكلة أن مكافحة الإرهاب على الطريقة الروسية تختلف عن الحرب على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة. إلا أن الاتفاق الأخير أعطى روسيا القيادة في تحديد من هو المعتدل والمتطرف على الساحة السورية. وكما قال جاكسون ديهيل، المعلق في صحيفة «واشنطن بوست»(18/9/2016) فقد وافقت واشنطن على شروط موسكو وهي اعتبار المعتدلين على الساحة السورية طرفاً غير شرعي في المعركة وبالتالي يتعرضون للاستهداف المشترك والذي كان من المفترض أن يبدأ لو لم يتم ضرب قافلة المساعدات الإنسانية التي كانت في طريقها إلى حلب الشرقية يوم الإثنين.
ودعا ديهيل أوباما لأن يتعلم من بوتين في الساحة السورية. فكل ما ظل يقوله عن مغبة التورط في الحرب السورية حدث، وما هو أسوأ منه. ولكن روسيا أثبتت أنها قادرة على التدخل العسكري وبدون دفع ثمن باهظ من المال والأرواح.

آخر محاولة

وكانت الهدنة الأخيرة هي آخر محاولة أمريكية لتأكيد دور لواشنطن في الحرب السورية، خاصة أن إدارة أوباما ظلت متهمة طوال الأزمة بالتخلي أو التردد في استخدام القوة وتدريب المعارضة السورية. ولهذا علقت «واشنطن بوست» في افتتاحيتها (21/9/2016) على الموقف الأمريكي من المذبحة الأخيرة بأنه «تسامح» من أوباما مع المذابح التي لم يعد أحد يتذكر عددها أو يظهر الصدمة تجاهها كما علقت صحيفة «الغارديان» في افتتاحيتها (21/9/2016). ومع أن
كيري الذي دعا في خطابه امام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجلس الأمن لممارسة الحظر على طيران نظام الأسد إلا أن أوباما سيترك البيت الأبيض ويخلف ملف سوريا والحرب على الإرهاب لخليفته- كلينتون أو دونالد ترامب وكل منهما سيجد نفسه امام ملفات معقدة. ولهذا كان لافتاً عدم حديث أوباما في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة لسوريا والحرب فيها بقدر ما اهتم بتقديم رؤية مثالية عن العالم الذي سيتركه ممزقاً وفوضوياً أكثر مما كان عليه عندما دخل البيت الأبيض عام 2009. ومن هنا تقول صحيفة «نيويورك تايمز» (22/9/2016) أن ملفي سوريا والعراق والإرهاب الداخلي في أمريكا ستظل من التحديات المعقدة التي ستواجه الإدارة المقبلة. ومن بين هذه الملفات الثلاثة قالت إن سوريا هي الأكثر تعقيدا نظراً لتعدد اللاعبين فيها ولأنها حروب داخل حرب واحدة. فهي بين النظام والمعارضة والولايات المتحدة وتنظيم الدولة والأكراد وتركيا وغير ذلك من القوى المنخرطة في الحرب وكل واحد من هؤلاء لديه اجندته الخاصة. وأشارت إلى خطط عسكرية أمريكية لتسليح الأكراد في محاولة منها لتسريع عملية استعادة مدينة الرقة من تنظيم الدولة. ولا يخفى أن خطوة كهذه ستعقد من ملف العلاقة الأمريكية- التركية.
وتعترف الصحيفة أن اتفاق الهدنة الأخير يعتمد في نجاحه على الروس والنظام السوري. وتستبعد الصحيفة إمكانية التسوية الدائمة للأزمة السورية حتى لو تم إحياء الهدنة مستمرة فهناك قضايا واستحقاقات عدة تتعلق بإعادة توطين ملايين اللاجئين السوريين الذين شردتهم الحرب الأهلية. وسيظل مصير القوى الأجنبية مثل روسيا وإيران وتركيا غير واضح. وتساءلت أيضاً عن وضع العدالة الإنتقالية وهل ستقدم الولايات المتحدة الأسد ورجال نظامه ممن ارتكبوا جرائم حرب لمحكمة الجنايات الدولية التي لم توقع لا هي ولا النظام السوري على ميثاقها. وهي أسئلة تظل عالقة.

الكل يعتمد على الروس

وعلى ما يبدو دخلت الأزمة السورية مأزقاً جديداً بدا من خلال تصريحات كيري الذي دعا الروس والنظام في دمشق لبذل الجهد وإلا «فلم تعد هناك أي فرصة». ويأمل المسؤولون الأمريكيون أن تقدم موسكو مقترحاً جديداً يعيداً للهدنة مصداقيتها. ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» (23/9/2016) عن مسؤول أمريكي بارز قوله «لو تقدم الروس بشيء مهم فنحن مستعدون للإستماع ولكننا لسنا متأكدين عند هذه النقطة إن كانوا مستعدين لاتخاذ هذه الخطوات». ومع ذلك يقول المسؤول إن الدول المنخرطة بالأزمة السورية مجمعة على أن الخيار الدبلوماسي هو الخيار الوحيد والمتوفر. أو كما قال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون «إنه العرض الوحيد المتوفر في المدينة».
ويأتي التعويل الأمريكي على الحل الدبلوماسي رغم اتهام قائد الجيش الأمريكي الطيران الروسي بضرب القافلة الإنسانية والتي اعتبرها مذبحة «غير مقبولة». وقال جوزيف دانفورد قائد هيئة الاركان المشتركة إنه لا يجد أي سبب يدعو لوقف الطيران الأمريكي عن التحليق في الأجواء السورية وأنه من الضروري إبقاء الضغط على تنظيم الدولة.

التصعيد المقبل

وتعلق مجلة «إيكونوميست» (24/9/2016) على التطورات الأخيرة قائلة إن هدنة قضى الطرفان أشهراً لمناقشة تفاصيلها وشروطها لم تحتج سوى ساعات كي تنهار. وأشارت إلى ما قاله عمار السلمو، مدير «الخوذ البيضاء» عما حدث حيث قال «كانوا ينقلون المساعدات إلى المخازن عندما بدأت القنابل بالسقوط، وقضيت الليل وأنا انتشل الموتى». وتقول المجلة إن كيري في وقت تعتبر الهدنة آخر محاولة امريكية في ظل إدارة أوباما للتخفيف من حدة القتل، يعمل الآن على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإتفاق. ولو لم يستطع إقناع نظيره سيرغي لافروف بالموافقة على إحياء وقف إطلاق النار فإن امامنا أياماً مظلمة على حد تعبير المجلة. وتتوقع تصعيداً للعمليات العسكرية حيث ستقوم قوات الحكومة مدعومة من الطيران الروسي والإيرانيين بمضاعفة الجهود لسحق المعارضة في حلب الشرقية التي تعتبر آخر معقل لهم في المدينة. ويعني سقوط منطقة المعارضة حصول بشار الأسد على ما كان يحلم به وهو السيطرة على معظم المدن السورية، والمراكز الصناعية ونقاط المواصلات بما في ذلك معابر إلى البحر المتوسط.
وقالت المجلة إن ما يثير القلق عن الأيام الصعبة المقبلة هي أن إيران استخدمت فترة الهدنة لزيادة حشد عناصر الميليشيات حول المدينة، فيما تفكر الولايات المتحدة بتسليح الأكراد وهو ما يضعهم في مواجهة مع تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو. وتحضر قوات المعارضة أيضا لجولة جديدة من القتال وعاد الحديث عن دمج القوى الإسلامية مع جبهة فتح الشام للنقاش بين قادة الفصائل. ونقلت المجلة عن المتحدث باسم كتائب نور الدين زنكي عبدالسلام عبد الرزاق قوله «الاندماج هو هدف كل الجماعات المسلحة السورية. ولم تحقق فسيكون تحولاً مهماً في طريق الثورة». ولا يزال الحديث عن الاندماج في مراحله الأولى حيث تخشى فصائل المعارضة من تعرضها للقصف الأمريكي حالة اندمجت مع فتح الشام التي غيرت اسمها من جبهة النصرة ولا تزال تصنفها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.
وما يعوق هذا الاندماج هو اختلاف الطرفين حول مستقبل سوريا. ويظل في النهاية أي تحالف بين الجماعات المعارضة وجبهة فتح الشام فرصة لمواجهة ومنع تقدم قوات النظام، كما حدث في الصيف عندما فكت هذه القوى بالتعاون مع المقاتلين الإسلاميين الحصار عن حلب. وسيترك تحالف من هذا النوع تداعياته على خطط كيري وكذا طموحات الإدارة وهي تركيز جهود المقاتلين على محاربة تنظيم الدولة. وحتى لو نجح كيري في إقناع الأطراف المتحاربة لتمديد وقف إطلاق النار فلن يؤدي لنتائج سياسة. فالمعارضة السياسية للاسد ضعيفة كما أن هناك ثقة مفقودة بين المقاتلين والأمم المتحدة التي تقود محاولات تحقيق تسوية. ولا يوجد لدى الولايات المتحدة تأثير قوي على روسيا أو إيران ولا النظام في دمشق. ونقلت المجلة عن سلمان الشيخ، الخبير في شؤون الشرق الأوسط والمسؤول السابق في الأمم المتحدة قوله «كلما طال امد الحرب أصبح من الصعب جمع الأطراف على رؤية واحدة». وقال إن من أهم تداعيات الوضع هو «تحول المعارضة السورية الرسمية نحو التشدد. فحرب الخمس سنوات قد تتحول وبسهولة الى حرب تستمر عشر سنوات».

فيدرالية وتقسيم

وهناك من يرى عدد المراقبين لحمام الدم السوري أن خيار التقسيم بات أمراً فعلياً في سوريا. وتناول عدد من المراقبين فكرة تقسيم سوريا اليوم بناء على حدودها الهشة بين النظام في المدن والأكراد ومناطق المعارضة بتنوعاتها وتنظيم الدولة. ويرى هؤلاء أن «الفدرالية» قد تكون المخرج من الحرب الأهلية، رغم اختلاف كل طرف حول ما يعنيه من اللامركزية «كريستيان ساينس مونيتور» (17/9/2016). وهو ما ورد في دراسة مسحية أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية وورد فيها أن معظم السوريين يتفقون على إطار لا مركزي للحكم، سواء كانوا في مناطق النظام أو المعارضة، ويعترفون بالوقت نفسه أن الفدرالية هي خيار يقود للتقسيم.
وأطلق على هذا الخيار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر تجميد الوضع أو العودة للوضع القائم. وذلك بمقال رأي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (21/9/2016) مطالبا بالعمل أولاً على «وقف القتل» وهو عبر عن تفاؤل في إمكانية إحياء اتفاق وقف إطلاق النار من خلال توحد كل الأطراف حول قضية واحدة وهي «وقف القتل». وقال إن أرقام القتل والتشريد الداخلي والخارجي يجب ان «تقنع كل شخص أن الحرب هي أكبر انتهاك لحقوق الإنسان والعدو النهائي لسوريا». ولهذا فعلى واشنطن وموسكو البحث عن طرق لتجاوز أزمة الثقة التي شابت اتفاقيات سابقة وأدت لمعارك أسوأ في حلب ودمشق وأنهت محادثات جنيف. ويعترف كارتر بأهمية الجهود التي بذلها الأمريكيون والروس لتحقيق الهدنة الأخيرة إلا أنه انتقد موقف الطرفين من عملية الإنتقال السياسي التي تم التوصل إليها في آب (أغسطس) باعتبارها غير عملية. لأن أية خطوة نحو بناء نوع من الحكم المشترك ليست مناسبة، خاصة بعد خمس سنوات من الحرب الأهلية. وفي دعوته لوقف حمام الدم يدعو كارتر لتأجيل عدد من المسائل منها مسألة تنحي الأسد عن السلطة والشكل السياسي الذي سيخلفه. ويقول إن الجهود المقبلة لإحياء الإتفاق يجب أن تجمد مناطق سيطرة كل طرف بدون تخلي الحكومة أو المعارضة والأكراد عن أسلحتهم. وقد يتم الإتفاق على إجراءات تضمن مرور المواد الإنسانية وبدون قيود لجميع المناطق. ويشير كارتر للتحديات التي تواجه هذه المقترحات، خاصة الدول الخارجية المهتمة بمصالحها أكثر من اهتمامها باستقرار البلد ووقف دماره. ويرى أن وقف القتل وتأكيد «الوضع القائم» سيغير اللعبة من منتصر- مهزوم إلى لا- مهزوم. ويعتقد أن التعاون الأمريكي- الروسي مهم لتحقيق هذا المدخل، وعليهما إقناع حلفائهما الإقليميين بالتعاون. ويجب منح السوريين الذين ظلوا في فوهة المدفعية الفرصة لإسماع صوتهم وبشكل عال: أوقفوا الحرب، وكذا السوريين الذين عملوا مع المؤسسات الدولية الحقوقية والمدنية لهم حق في رفع صوتهم عالياً: أوقفوا الحرب. ويأمل كارتر أن تدفع هذه الأصوات الأطراف المتحاربة لوقف القتال.

بعد انهيار الإتفاق الأمريكي – الروسي: كل طرف يشحذ سكاكينه والأيام مقبلة مظلمة

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية