اتفاق لافروف – كيري للهدنة في سوريا يترنح: العوامل والتداعيات

حجم الخط
0

موسكو ـ  «القدس العربي»: جعلت الغارة على قوات النظام وقصف قافلة المساعدات الانسانية، فرص الهدنة في سوريا تقف على حافة الانهيار، وكان اتفاق الهدنة قد توصل إليه لافروف وكيري في 10 أيلول/سبتمبر بجنيف، تتويجاً لمباحثات استغرقت 14 ساعة ولجهودهما الدبلوماسية على مدى اشهر عدة. وقبل ذلك كان اللقاء القصير بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والامريكي باراك اوباما،على هامش مؤتمر مجموعة العشرين في الصين، الذي جرى فيه بحث القضية السورية، قد اعطى زخماً هاماً لاتفاق الوزيرين في جنيف.
 وفعلاً ثمة أساس للشكوك التي سادت بشأن أفق تنفيذ الاتفاقية. وظهر ان الطرفين يبرزان اولويات متباينة في الاتفاقية كأجزاء رئيسية فيها، ويركزان على الانجازات الدبلوماسية الخاصة بكل منهما.
ففي حين يركز الجانب الامريكي على «اقناع الروس بكبح الأسد عن انزال الضربات الجوية بقوى المعارضة» فان موسكو « تعقد الآمال على قدرة واشنطن بالضغط على جماعات المعارضة المدعومة أمريكيا للالتزام بالهدنة»، فضلاً عن مساعدتها على فصل هذه الجماعات عن جبهة فتح الشام التي تتهمها روسيا بالارهاب. وبالتالي فان كل طرف يتوقع أن الطرف الاخر سيقوم بالانتهاكات المحتملة لعدم ايفائه بتعهداته، والتشهير به على الساحة الدولية.

عوامل تعرقل التنفيذ 

ويعرقل تقطيع البلاد جغرافيا ايضاً إمكانية دخول الاتفاق الى حيز التنفيذ. ففي الأشهر الاخيرة تجزأت البلاد أكثر من الناحية الأمنية وبين مناطق تسيطر عليها مختلف الجماعات والقوات الاجنبية. وجعل هذا الوضع من الصعب نشر احكام الاتفاق من الناحية القانونية، على انحاء سوريا كافة، مما يتطلب وجود آليات موحدة لمختلف المحافظات.
وانتقد الغرب وبعض الدول العربية الاتفاق، بشكل أساسي لعدم الكشف عن مضمونه، وسارعت بعض الأطراف بسبب ذلك، الى وصف الاتفاقية بأنها «مفروضة على سوريا». الى جانب ذلك فسر وزير الخارجية الروسية لافروف الطابع غير العلني للاتفاقيه بكونها تنص على معلومات حساسة. وحسب قوله فان الجانبين الامريكي والروسي لا يريدان ان تقع في يد من سيحاول نسف تنفيذ التدابير التي تم الاتفاق عليها في اطار توصيل المساعدات الانسانية وغيرها من بنود الاتفاق الثنائي.
واستجابت موسكو لضغوط دولية وطلبت الكشف عن محتويات الاتفاقية وتبني مجلس الأمن الدولي لها، بيد ان الجانب الامريكي رفض ذلك. وقال ممثل روسيا الدائم في الامم المتحدة فيتالي تشوركين: ان اتفاق روسيا والولايات المتحدة لن يُنفذ بسبب امتناع امريكا عن نشره. واضاف ان الجانب الامريكي لا يريد نشر الاتفاقية، فيما ترى موسكو ان من المستحيل الطلب من اعضاء مجلس الأمن المصادقة على الاتفاق بدون نشره. وكتلميح على انسحاب روسيا منه، قال تشوركين الاربعاء «ان بلاده لم تعد تصر على نشر نص الاتفاق».
علاوة على ذلك يجمع  المراقبون الروس على ان موقف القوى الاقليمية والدولية الممولة لأطراف النزاع في سوريا، بما في ذلك تركيا وايران تشكل تحدياً لتطبيق اتفاق لافروف ـ كيري في جينيف. وبهذا الصدد يقول الباحث السياسي مكسيم سوتشكوف «ان الانطباع الذي تشكل لدى تلك القوى بعد توقيع الاتفاقية عن تفعيل ادوار روسيا والولايات المتحدة بالشأن السوري، دفعتها لاستخدام ورقة الخلافات بين الطائفتين السنية والشيعية في داخل سوريا من اجل نسف مبادرة  «الدول الكبرى». وحسب رصده فقد تعالت اصوات من بعض القوى الاقليمية عن ان الاتفاق لم يأخذ مصالحها بعين الاعتبار. وبالتالي حسب قوله: لا ينبغي التقليل من التدابير التي قد تلجأ لها تلك القوى.
وضمن هذا السياق لا تخفي واشنطن وموسكو الصعوبات التي تكتنف تبني مثل تلك القرارات. وعلى حد المعطيات الروسية فان (البنتاغون) كان الخصم الرئيسي، للمباحثات التي سبقت توقيع الاتفاقية، وخاصة التعاون الوثيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع موسكو. وخيمت على إمكانيات دخول اتفاقية جنيف حيز التنفيذ ومواصلة الهدنة، تداعيات شن المقاتلات الامريكية غارة على قوات النظام السوري التي أسفرت عن مصرع واصابة العشرات، وضرب جهات مجهولة قافلة المساعدات الانسانية التابعة للامم المتحدة، الذي  أدى الى مقتل واصابة العشرات، واعلان واشنطن ان الروس يقفون وراء هذا القصف. وفي روسيا ارتفعت اصوات النقد من مختلف المراكز، وشكك المحللون وكتاب الرأي في الانترنت بتطبيقها، حتى ان هناك من رجح ان الطرفين اتفقا على تمرير مصالحهما وعرضاها على الرأي العام وكأنها حلول وسط او حتى اتفاق. ويؤشر الاتفاق، ومع كل ما يحيطه من غموض والتشكيك بتنفيذها، الى استعداد روسيا وامريكا التحلي بالارادة السياسية لوضع اتفاقية مشتركة والتأثير على الاطراف المتحاربة، بيد ان التطورات اظهرت وجود خطط اخرى موازية للتهدئة. فواشنطن وموسكو لا تتمتعان  بقوة كافية للتأثير على حلفائهما او على تلك الجماعات التي تقدمان الدعم لها. ويشيرون الى ان الخبرة السابقة والتفاعل العملي معها أظهرت ان من الصعوبة التحكم بتصرفاتها والتأثيرعليها، حينما يدور الكلام عن شروط الهدنة والمصالحة.
الى جانب ذلك فان المواجهة الاعلامية والتصريحات الجارحة بين المسؤولين الروس والامريكان، التي اندلعت مؤخراً اثر الغارات على قوات النظام وقصف قافلة المساعدات، أعطت مؤشراً على صعوبة حفاظ الطرفين ولفترة طويلة على مستوى الإرادة السياسية التي ظهرت في جنيف. وفيما تتهم واشنطن وموسكو بعضهما الآخر بالعمليات المذكورة، لا يستبعد المحللون ان يكون حادث حلب عملية مبيتة.

تركيا على الخط

ويجمع المراقبون الروس على ان اتفاقية جنيف قد انهارت واحتمالات انتعاشها باتت ضعيفة. وان محاولات جبهة فتح الشام الهادفة لقطع طريق الكستيلو يبرهن على ان المعارضة وبدفع من قبل قوى اقليمية ودولية لن تقبل بأي شكل من الأشكال بالهدنة ولا بالاتفاق الامريكي/الروسي.
وترى بعض مراكز التحليل في موسكو ان مؤشرات تجميد واشنطن الاتصالات بروسيا لتطبيع الوضع في سوريا  يعني أولاً: ان عمليات المعارضة القتالية ضد قوات النظام ستستمر وثانياً: ان الاتحاد الدولي برئاسة الولايات المتحدة سيواصل الحرب ضد «الدولة الاسلامية»، لكي يسترجع من مقاتليها المناطق السورية التي ستُقام عليها أجهزة حكم بديلة لنظام الأسد.
وثمة معطيات على أن تركيا ستلعب دوراً فعالاً لتنفيذ هذه الخطط. وراحت انقرة تتحدث الآن بصراحة عن خططها الرامية لتوسيع رقعة الأراضي التي ستستولي قواتها عليها في شمال سوريا. ودعت المجتمع الدولي لإجراء عملية برية في سوريا. كما أنها تسعى الى اقامة منطقة عازلة هناك، لضمها بعد ذلك في حال تقسيم سوريا.

اتفاق لافروف – كيري للهدنة في سوريا يترنح: العوامل والتداعيات

فالح الحمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية