دمشق ـ «القدس العربي»: نظرة سريعة على مواقع جبهات الاشتباك في الجغرافيا السورية تُظهر بما لا يقبل الشك أن اتفاق الهدنة الأمريكي ـ الروسي قد صار في مهب الريح، ليس هناك منطقة أو بلدة أو مدينة إلا وعاد البارود وقد ارتفع صوته فوق صوت الاتفاقات السياسية.
فمن أقصى الغرب في ريف محافظة اللاذقية الساحلية معارك في بلدة كباني الحدودية مع تركيا، إلى الوسط السوري بمحافظتي حمص وحماه حيث المعارك مشتعلة في بلدات الرستن وتلبيسة والحولة ومعردس وطيبة الإمام وغيرها، شرقاً تشتعل جبهة محافظة دير الزور في معارك محيط مطار دير الزور العسكري وجيل الثردة وبلدة الجفرة المجاورة له، وشمالاً تعود محافظة حلب إلى حقل المعارك الطاحنة، الريف الغربي الجنوبي من جديد يُصبح ساحة اشتباك ساخنة في الراموسة القدمة والعامرية ومشروع الـ 1070 السكني ومحيط منطقة الشيخ سعيد. حتى الغوطة الشرقية في ريف العاصمة دمشق عادت اشتباكاتها في مزارع الريحان وفي حي جوبر القريب من العاصمة.
الاتفاق الأعرج
اتفاق الهدنة «الأعرج» لم يصمد وصار في مهب الريح، ربما قبل انقضاء المدة المتفق عليها له. وكأنه ابن جاء بالحرام، الكل يريده والكل لا يريده في آن معاً. لا تُظهر الحكومة السورية موقفاً واضحاً إيجاباً أو سلباً نحو اتفاق الهدنة أي أنها لا تُبدي موقفاً يوحي أن اتفاق الهدنة يشكل بالنسبة لها أمراً جيداً أو أنها كانت تنتظره وترغب به، وكذلك لا تُظهر أي موقف يوحي بأنها ضده أو رافضة له. هو بيان للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة الــســورية يكتفي بالقول بأنها ملتزمة بالاتفاق وباللحظة التي سيبدأ فيها سريان مفعوله.
في كل الأحوال انهار اتفاق الهدنة الروسي – الأمريكي الذي أٌعلن عن بدء سريانه في أول أيام عيد الأضحى المبارك الموافق 12 أيلول سيبتمبر الجاري وحتى الثامن عشر منه. فصبيحة يوم الاثنين 19 أيلول/سبتمبر، أعلن الجيش السوري انتهاء سريان الهدنة، التي أعلنت يوم الـ 12 من أيلول/سبتمبر، بموجب الاتفاق الروسي الأمريكي في جنيف. وذكرت قيادة الجيش في بيان: «كان من المفروض أن يشكل نظام التهدئة فرصة حقيقية لحقن الدماء إلا أن المجموعات الإرهابية المسلحة ضربت الاتفاق عرض الحائط ولم تلتزم بتطبيق أي بند من بنوده إذ تجاوز عدد الخروقات التي ارتكبتها ووثقت 300 في مختلف المناطق».
وتابع البيان أن المجموعات المسلحة استغلت الهدنة المعلنة وشجعت أنصارها وزودتهم بمختلف أنواع الأسلحة وأعادت تجميعهم «لمواصلة اعتداءاتها على المناطق السكنية والمواقع العسكرية والتحضير للقيام بعمليات إرهابية واسعة خاصة في حلب وحماة والقنيطرة». وأكد البيان أن القوات السورية «بذلت جهوداً حثيثة لتطبيق نظام التهدئة ومارست أعلى درجات ضبط النفس في مواجهة خروقات المجموعات الإرهابية إلا في بعض الحالات التي كانت مضطرة فيها للرد على مصادر إطلاق النيران لإسكاتها». لكن الخارجية الروسية أعلنت يوم الخميس 22 أيلول/سبتمبر أن اتفاق الهدنة مازال ساري المفعول وأن موسكو متمسكة به. غير مهم هذا الاعلان الروسي مادامت الأرض في الميدان ملتهبة بأعتى أنواع الاشتباك بين الجيش السوري وخصومه.
دمشق ـ موسكو.. لماذا الهدنة؟؟
ماذا كانت تريد دمشق وحليفتها موسكو من هذا الاتفاق ولماذا دخلتا فيه؟
سؤال جوهري طرحَته «القدس العربي» على مصدر سياسي مطلع طلب عدم ذكر اسمه فقال: قبل التوصل إلى اتفاق الهدنة الروسي الأمريكي كان مجمع الكليات العسكرية بريف حلب الغربي (كلية التسليح وكلية المدفعية والمدرسة الفنية الجوية) تحت سيطرة جيش الفتح وتنظيم فتح الشام وكذلك كانت أجزاء من منطقة الراموسة المجاورة للكليات وطريقها الاستراتيجي الحيوي المؤدي إلى حلب أيضاً تحت سيطرة التنظيمات الإسلامية المناوئة للجيش السوري. لم يكن مقبولاً لدمشق الدخول في اتفاق هدنة يوقف الأعمال العدائية الاشتباكية قبل أن تستعيد دمشق السيطرة على تلك المناطق نظراً للأهمية الاستراتيجية الكبرى لها من الناحيتين المعنوية السياسية وكذلك اللوجستية الميدانية.
المصدر أضاف: اتفقت القيادتان الروسية والسورية على وجوب استعادة مجمع الكليات ومنطقة الراموسة وطرقها قبل أن يتوصل وزيرا الخارجية الروسي والأمريكي لاتفاق هدنة. وبالفعل وحسب المصدر انطلقت عملية عسكرية غزيرة برياً وجوياً وعبر الوسائط النارية الثقيلة من مدفعية وراجمات صواريخ ودارت معارك طاحنة هناك انتهت بسيطرة الجيش السوري المدعوم روسياً ومن إيران ومقاتلي حزب الله.. حينها فقط كان بالإمكان الذهاب إلى اتفاق هدنة وفق قول المصدر السياسي السوري.
المتشددون والمعتدلون.. الفصل الصعب
العرض التمهيدي للمصدر السوري كان ضرورياً للوصول إلى جوهر سؤال «القدس العربي»:
ماذا كانت تريد دمشق من اتفاق الهدنة الروسي ـ الأمريكي، يقول المصدر إن المساحة التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة بشقيها المتشدد والمعتدل من أحياء حلب الشرقية هي مساحة كبيرة ومن ضمنها هنانو والسكري وبستان القصر وجزء من حلب القديمة وأحياء أخرى كثيرة ويُضيف: الحكومة السورية تفكر بأن اتفاق الهدنة يتيح مجموعة من المعطيات الجيدة ويهيئ الأرضية المطلوبة لجملة عوامل أهمها أن الاتفاق سيستدرج الولايات المتحدة لوضع لائحة واضحة ومحددة تفصل أسماء التنظيمات المسلحة المتشددة (أحرار الشام، جيش الفتح، تنظيم فتح الشام، تنظيم جند الأقصى، تنظيم جند الشام، الحزب الإسلامي التركستاني، وغيرها) عن التنظيمات التي يمكن تصنيفها بالمعتدلة وهي عموماً تنحدر في الأصل مما كان يسمى بـ«الجيش الحر» وجمــيع مقاتليها من أبناء أحياء حلب الشرقية.
بعد ذلك فإن دمشق تعتقد أن الاتفاق سيهيئ لدخول واشنطن مع موسكو في حرب مشتركة ولو محدودة وجزئية في المرحلة الأولى ضد التنظيمات المتشددة على أن يتم عزل الجماعات المعتدلة المحسوبة على الجيش الحر عن تلك الحرب الروسية الأمريكية المشتركة.
من المفترض أن اتفاق الهدنة يمنح مقاتلي الجيش السوري وحلفاءه قسطاً من الراحة وهو الذي يخوض اشتباكات مستَنزِفة بشرياً ونارياً لقواته على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية، عقب إعلان التوصل إلى اتفاق الهدنة قبل 12 أيلول/سبتمبر شوهد المئات من جنود الجيش السوري من وحدات واختصاصات ومناطق كثيرة يغادرون مواقعهم في إجازات قصيرة إلى بلداتهم ومنازلهم وذويهم، لولا اتفاق الهدنة لما كان بإمكان هؤلاء الحصول على إجازة كتلك ولا على استراحة حرب لعدة أيام.
الهدف البعيد..
التسوية في حلب الشرقية
ولكن ماذا بعد الفصل بين المتشددين والمعتدلين من خصوم القيادة السوري وماذا بعد دخول الروس والأمريكان في حرب مشتركة كتفاً على كتف ضد التنظيمات الراديكالية على الأرض السورية؟
هنا مربط الفرس حسب تعبير المصدر السياسي الذي كان يتحدث لـ «القدس العربي» والذي قال: كنا نفكر (الحكومة السورية) في أنه إذا تم فصل المتشددين عن المعتدلين من جماعات الجيش الحر فإنه يمكن لاحقاً الدخول بمفاوضات ماراثونية بمساعدة الحليفين الروسي والإيراني وبضوءٍ أخضر أمريكي أو على الأقل بقبول أمريكي، هدف هذه المفاوضات هو التوصل إلى اتفاق تسوية سياسية في حلب الشرقية، هكذا اتفاق لو أنه يحصل سيكون أهم اتفاق يمكن التوصل إليه داخل الجغرافيا السورية.
ويتابع المصدر ربما في ظل هدنة دائماً ووفق الرؤية السورية الروسية يمكن العمل على مفاوضات سياسية مع جماعات الجيش الحر الموجودة داخل أحياء حلب الشرقية، ستكون المسألة صعبة ومعقدة لكنها غير مستحيلة ونجاحها محتمل وفرص هذا النجاح موجودة إذا كانت واشنطن راضية وإذا كان من معها من دول الإقليم لاسيما السعودية وتركيا غير ممانعتين للأمر.
ويتابع المصدر أيضاً: يمكن إذا توصلنا إلى تسوية سياسية أن نتوصل إلى اتفاق يُخلي أحياء حلب الشرقية من المظاهر المسلحة المعادية للحكومة فيما تبقى العناصر المسلحة الجاهزة للاتفاق مع الحكومة بحيث تحافظ على وجودها الميداني ولكن بالاتفاق والتعاون مع المؤسسة العسكرية السورية ومن ثم تتولى أجهزة الجيش النظامي مهمة إدارة المرافق الأساسية هناك وهكذا تعود حلب الشرقية بشكل أو بآخر لسلطة الدولة السورية.
عموماً اتفاق الهدنة لم يصمد وانهار حتى خلال فترة سريانه.. تبدو موسكو متمسكة به وتبدو دمشق معها حتى وإن قالت مؤسستها العسكرية أن سريان الهدنة قد انتهى. لا أحد يعــلــم خطـة مَن وأهداف مَن ستنجح خطة دمــشــق وحلــفــائها في اختراق حلب الشرقية بتسوية سياسية أم خطة واشنطن وحلفائها الإقليميين بأن يكون اتفاق الهدنة فرصة لتعزيز مكتسبات الجماعات المناوئة للأسد؟
كامل صقر