الحرب والفساد وتقاطع الإرادات: قرار مجلس الأمن وصراع الرفاق الأعداء في جنوب السودان

حجم الخط
0

بعيداً عن ملف الفساد المثار عن رجالات الدولة في جنوب السودان وما يثار في الاعلام، وبعيداً ايضاً عن النفي القاطع الذي تتدثر به جوبا، تشهد الدولة الوليدة والموصوفه بالفاشله تحديات رهيبة مقبلة على جبهات الحرب كافة، الداخلية منها والمرتبطة بالجوار وصولاً للتلميحات الغربية بأن ثمة ما يجب وقفه فوراً بالجنوب، وثمة ما هذه تشمل في من تشمل الكل ..أي الرفاق الاعداء.
فقد بدا واضحاً ان ساحة الصراع المسلح في جنوب السودان الذي اندلع في العام 2013 أخذ بعداً جديداً عقب القرار الصادر من مجلس الامن الجمعه 11 آب/ اغسطس الماضي والقاضي بزيادة عدد قوات حفظ السلام بجنوب السودان ب 4 الاف جندي وبالتالي يصل عددها الى 16 الف جندي، مع منحهم صلاحيات اضافيه لحماية المدنيين، اذ انتقل الصراع من بعده المحلي الذي لا يخلو من خيوط قوى اقليمية يتصل كل خيط منها بواحد من الطرفين الرئيسين للصراع وهما مجموعة الرئيس «سلفاكير ميارديت» والثانية التي يقودها نائبه المقال «رياك مشار».
وعلى غير مبعدة من الطرفين الرئيسين توجد قيادات اخرى لا تملك القوة العسكرية تراقب بحذر إتجاه الرياح ووجهتها السياسية وفي هذا المربع كل من القيادي والامين العام السابق للحركه الشعبية «باقان اموم « ووزير الزراعة المستقيل «لام اكول».
المتغير الرئيسي في ميدان الصراع بتدخل مجلس الامن هو سقوط ورقة الحلفاء الاقرب لكل طرف من دول الجوار بناء على علاقة تاريخية بالحزب الحاكم في جوبا أو مصلحة سياسية واقتصادية كحال كينيا واثيوبيا واوغندا، او توظيف الحالة لصالح اجندة داخلية كحال السودان والمتعلقة بأطراف صراعه مع الحركات السودانية التي تقاتله في جبال النوبه والنيل الازرق.
المتغيرات الجديدة اسقطت ايضاً ورقة المناورة المحلية المعتمدة على الثقل القبلي لكل طرف من اطراف الصراع وهي الارضية التي جرت عليها كل الصراعات او اتفاقيات السلام السابقه.
وهكذا تعود القوي الدولية ممثلة في كبار اعضاء مجلس الامن خاصة الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا على امل استعادة السلام في دولة لعبت ذات القوى دورا جوهريا في استقلالها عن السودان 2011 ولذا فان دور ونفوذ دول الجوار سيتراجع تاثيره الا عبر موافقة الكبار مما سيقفد الاطراف المتصارعة اللعب على الورقة الاقليمية.
وبالعودة الى تحليل تداعيات قرار مجلس الامن على اطراف الصراع بجنوب السودان تتكشف الابعاد. فمجموعة «سلفاكير» او تياره تعتمد في طراعها على سيطرتها الحكومية وثقلها القبلي ممثلاً في قبيلة الدينكا بجانب صلات اقليمية لا تريد لمصالها مع النظام الحاكم في جوبا أن تتضرر.
ومن الواضح هنا أن قرار حكومة جنوب السودان ابان قرارها الاول بتعليق تعاونها مع الامم المتحدة كان يتماشي مع خطورة تداعيات القرار بدليل سرعة اعلان القرار. غير ان «سلفاكير» ولخبرته القتالية وتجربته في الحكم ايضاً قبل وبعد استقلال جنوب السودان ذهب في اتجاه صناعة موقف آخر على امل ان يحيد الولايات المتحده حليف بلاده محاولاً فصلها عن موقفه العام تجاه قرار مجلس الامن، بدليل انه وفي مخاطبته لبرلمان بلاده الاثنين 15 آب/ اغسطس دعا «كير» الولايات المتحده للوقوف مع بلاده متمنياً ان تظل امريكا حليفاً وصديقاً مذكراً البرلمان بان الادارة الامريكية ممثلة في الرئيس «باراك اوباما» وقفت مع بلاده قبل وبعد الاستقلال، فما يقوم به «كير» هو ما يمكن توصيفه بمحاولة «جبر كسر» قرار الرفض لقرار مجلس الامن الاخير، غير ان «كير» عاد الاثنين 15 آب/اغسطس لينفي ما نسب الى حكومته برفض التعاون مع الامم المتحدة واصفا ذلك الرفض بانه يعود لاشخاص لا يمثلون حكومته وغير مفوضين للتحدث بالانابة عنها، واضاف في مخاطبته للبرلمان ان بلاده لها تحفظات على القرار لجهة الحفاظ علي سيادة بلاده تاركاً باب الحوار موارباً مع مجلس الامن، وتعد هذه التصريحات الاخيرة مؤشراً لموقف جديد، غير ان حكومة «سلفاكير» عادت لترضخ ثم تنفي ثم تعلن موافقتها مجدداً لقرار مجلس الامن القاضي بنشر القوات الاضافيه لحفظ السلام بجنوب السودان، ويمكن تسمية هذه المواقف بمحاولات «الارباك المتنقل» عوضاً عن وصفها بأنها الانحناء في وجه الريح اذ ان ريح المهددات لمستقبل الجنوب تعصف من اكثر من اتجاه.
غير ان «كير» بخبرته السياسية والعسكرية الطويله يدرك ان الملعب تغير ولذا يحاول التعاطي معه بحزر وفي اكثر من إتجاه، فخصومه الاشد منذ مقتل زعيم الحركه الشعبية جون غارانغ في العام 2005 سيعملون علي جرد حساب الاختلاف معه منذ سنوات وليس خلاف اليوم فقط وتشمل قائمة الرفاق الاعداء هذه نائبه السابق «رياك مشار» بثقله العسكري والقبلي و«باقان اموم» بحنكته السياسيه و«لام اكول» وزيره الذي نفد بجلده عند بادرة الصراع الاخير وبات اقرب الى معسكرعدوه مشار.
«رياك مشار» والذي يستشفي حاليا من جراح هروبه بعاصمة السودان «الخرطوم» حيث بدأ واضحا ان مشار فقد الثقة في اي اتفاق اقليمي بدعم من الاليات الافريقية كالاتحاد الافريقي او غيره سيما وانه عقب عودته الاخيره الي جوبا كاد ان يلقي حتفه داخل القصر الرئاسي بجوبا، ومن مصلحته الان ضمان وجود دولي مؤثر لان ذلك يضمن له تنفيذ اي اتفاق سلام لاحق مهما امتدت الحرب الدائره الان، كما ان الرجل ليس لديه مايخسره فحتي مقعده كنائب لـ«كير» قد اطيح به قبل اسابيع، ويتوقع ان يمضي الرجل الي تشكيل تحالف مع خصوم «سلفاكير» لدعم موقفه السياسي مع القيام بإعادة ترتيب قواته العسكريه وجذب اصوات جنوبيه للتحالف معه في معركه بات الثار الشخصي فيها احد مكونات الصراع لاول مرة، اذ ان طبيعة الصراع المفتوح الان والاحتقان الكبير في النفوس يقبل ان تدخل اداة جديدة في الصراع كالتصفيه لاي طرف.
ولتبيان بلوغ الخصومة شأنا عميقا فان الامين العام السابق للحزب الحاكم في جوبا « باقان اموم» قاد بنفسه مؤخرا مسيرة امام مبني الامم المتحدة بنيويورك قبيل صدور قرار مجلس الامن مطالبا بوضع جنوب السودان تحت الوصاية الدولية
«باقان اموم» لا يملك رصيداً عسكرياً يضمن له وجوداً في الصراع العسكري المباشر مما يرجح معه ان يعمل على تغيير ملعب الصراع نفسه بجر اللاعبين الي ميدان سياسي اممي، حيث تصبح موازيين الصراع نفسه تحتكم الى السند السياسي تماماً كما السند العسكري، وهنا قد يجد الرجل طريقا الي استعادة وزنه السياسي مدعوما بخبرته السياسية وبقوي شبابية ساخطة علي واقع الحكم البلاد منذ الاستقلال .
مما سبق يتضح نوعاً ما ان بوصلة الاحداث الرئيسية للصراع في جنوب السودان ستحددها وبشكل مباشر ردة فعل مجلس الامن حيال قرار»سلفاكير» بتعليق تعاون بلاده مع الامم المتحدة بصيغة اولى او قبوله مع تحفظات بالصيغة الاخيرة المنسوبة اليه، ومن المؤكد انه وقبل اي خطوة جديدة من المجلس ستسبقها جهود ومشاورات للقوى الدولية العظمى ممثلة في الولايات المتحدة وحلفائها الكبار بمجلس الامن بجانب حلفائها الصغار على المستوى الاقليمي ممثلاً في الدول المجاوره لجنوب السودان، كما ان تقرير الوضع الانساني للمنظمات الانسانية الاممية سيجد حيزاً وتأثيراً فيما هو مقبل من قرارات وإجراءات.
خلاصة الأمر ان الخطوة المقبله لمجلس الامن وتأثير القوى العظمى سيعيدان ترتيب ملف صراع جنوب السودان في اجنده مختلفة، سيتضرر منها البعض دولاً وأطراف صراع كما سيكسب منها البعض ايضاً دولاً واطراف صراع .. ولذا سيبقى السؤال عالقاً ..من سيكسب ومن سيخسر؟ ولكن وفي كل الاحوال فان المدنيين في جنوب السودان هم الخـاسر الاكبر حتى الآن قتلاً ونزوحاً ولجوءاً.
والي ان تجري الترتيبات اللازمة علي خلفية زيارة أعضاء مجلس الأمن الى العاصمة جوبا الجمعه الماضي لنشر جنود حفظ السلام الاضافيين والبالغ عددهم اربعة الاف سيتحرك كل طرف من اطراف الصراع نحو مراجعة موقفه على الارض وقواته وحلفائه تمهيداً لما هو مقبل وقد وضحت تلك التبايانات ابان زيارة اعضاء المجلس، وخلاصة الامر وبناء على المستجدات فان ما هو مقبل من صراع إن حدث لن يكون كما سبق.

الحرب والفساد وتقاطع الإرادات: قرار مجلس الأمن وصراع الرفاق الأعداء في جنوب السودان

انور عوض

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية