يبدو أن التكنولوجيا الاكثر تقدما التي يمكنها أن تظهر للطيارين نافذة البيت والاصابة الدقيقة لقط أعمى على ارتفاع ألفي قدم، قد اختفت تماما عندما اقتربت قافلة المساعدات للامم المتحدة في هذا الاسبوع من مدينة حلب. قبل كل شيء، اضواء التحذير، وأدوات الكشف والتنصت وباقي وسائل الرقابة سقطت، إلى درجة أنه الآن، بعد أكثر من ثلاثة ايام على الهجوم الجوي، لا يقدم أي طرف أدلة على أن الطرف الثاني قد قصف الـ 18 شاحنة وقتل على الاقل عشرين شخصا. بما تمت تسميته تعامل موجه لتحطيم وقف اطلاق النار في سوريا.
اتهامات متبادلة، في المقابل، متوفرة بكثرة. يبدو أنه لا أحد يذكر، باستثناء الاقرباء، أن حوالي 60 جندي سوري قتلوا قبل ذلك بأيام بالقصف الجوي الأمريكي بالقرب من مطار مدينة دير الزور. لم تؤجل الولايات المتحدة الاعتراف بالمسؤولية عن هذا القصف.
وقالت في نهاية المطاف إنه إذا كانت قواتها هي التي أصابت قوات الجيش السوري ـ فانها تأسف على ذلك، لأن هذا لم يكن مقصودا. لم يكن مقصودا؟ مرة اخرى أخطأت الأدوات؟ قد يكون من الاجدر القاء اللوم على شركات التكنولوجيا التي فشلت في الاختبار. وقد حدثت أمور مشابهة في السابق.
لا شيء يبعث على وقف الانفاس من اجل كشف الحقيقة، سواء في حادثة دير الزور أو حادثة قافلة الامم المتحدة في حلب. لن تقام لجنة تحقيق دولية، لأن روسيا و الولايات المتحدة لن تسمحا للجان الامم المتحدة بنبش الوثائق والمعلومات التي تراكمت في الصناديق السوداء في الطائرات التي قامت بالقصف.
هذا ليس من شأن مجلس الامن لأن الحرب في سوريا ليست حربا دولية، بل هي ساحة تتحرك فيها قوتان عظميان. كل طرف آخر يمكنه فقط الحصول على التذاكر لمشاهدة المشهد الدموي الذي لا تبدو نهايته في الأفق.
روسيا والولايات المتحدة هما اللتان وقعتا على اتفاق وقف النار في سوريا، هما وليست الامم المتحدة. وأخذتا على مسؤوليتهما تنفيذه، وهما اللتان أخلتا به. وهما اللتان تحددان الخطوات السياسية، وكلتاهما فشلت بشكل مدوي في ادارة وقف اطلاق النار، روسيا لم تنجح في منع سلاح الجو السوري والقوات البرية لنظام الأسد من قصف الاحياء في حلب وحمص في اليوم الثاني والثالث من التهدئة. ولم تنجح الولايات المتحدة في وقف المتمردين، سواء على مشارف حلب أو في محافظة حماة، أو منع الصراع على السيطرة في منطقة غرابولوس بين المليشيات الكردية وبين جيش سوريا الحر والجيش التركي.
من هو المتمرد الشرعي؟
كيف إذا يمكن ملاءمة ادعاء أن روسيا والولايات المتحدة هما حليفتان في سوريا، وبين الواقع الذي فيه المليشيات أو الجيش السوري يحددون برنامج العمل اليومي؟ وأين اختفت إيران؟ يمكن ايجاد تفسير واحد في المعارك التي تدور في دير الزور في شرق سوريا، المدينة التي تنقسم السيطرة عليها بين الجيش السوري، تنظيم داعش ومليشيات المتمردين. تبدأ الصعوبة في تفسير مفهوم «مليشيات المتمردين» الذي قد يبدو مريحا لوصف المجموعات المشمولة في قائمة «المنظمات الشرعية» (التي يمكنها المشاركة في أي عملية سياسية في سوريا)، لكنها بعيدة عن أن تصف التعقيد الذي نشأ في الميدان.
في دير الزور تعمل ايضا مليشيات شيعية باسم «كتائب زين العابدين»، التي تؤيد نظام الأسد ويتم تمويلها من إيران. لا يجب أن تتم البلبلة بينها وبين المليشيات الشيعية التي تعمل في العراق. ويبدو أنها ستكون جزءا من القوة التي ستحتل مدينة الموصل. كتائب زين الدين العابدين تحارب مليشيات اخرى في دير الزور، إلى جانب محاربتها لداعش. إن من يريد القصف في دير الزور يجب عليه التمييز جيدا بين هذه المليشيات، بين داعش وقوات الأسد وبينهم وبين المدنيين. من السهل أن تخطيء الهدف، لكن كل خطأ كهذا يولد على الفور تحليلات سياسية محلية، لأنه في نظر القوات في الميدان لا يوجد خطأ صدفي، كل شيء موجه ومقصود.
مثال آخر هو الحرب في حلب المحاصرة. على هذه الجبهة تعمل عدة قوات من ضمنها «أحرار الشام»، قد تكون المليشيا الاكبر في المنطقة التي تتشكل من دزينة منظمات ثانوية، «جبهة فتح الشام» (جبهة النصرة سابقا)، جيش سوريا الحر، قوات كردية وجيش الأسد. إن أحرار الشام هي منظمة دينية يقودها قادة عسكريون ومجلس شورى، وعلماء دين دورهم اعطاء الغطاء الديني للحرب. وفي الآونة الاخيرة نشأ خلاف شديد بين اعضاء المجلس. أحدهم، أيمن هاروش، نشر فتوى تقول إن على المليشيات التعاون مع الاتراك في حربهم ضد الاكراد وداعش. هذه الفتوى أثارت الانتقادات في اوساط المليشيا ولا سيما بسبب معارضة «التعاون مع العلمانيين الاتراك من اجل اقامة حكومة مؤقتة». لكن هاروش لا يقصد الحكومة المؤقتة التي هي قائمة أصلا، بل يطالب بإنشاء قوة موحدة بين المليشيات من اجل طرح بديل لهذه الحكومة.
سبب واحد للمعارضة يكمن في أن أحرار الشام قد تعاونوا مع الاكراد ومع جيش سوريا الحر في الحرب على مدينة جرابلس، التي اقتحمتها القوات التركية في الشهر الماضي، حيث أن فتوى العمل الآن ضد الاكراد تعني الانقسام عن الحلفاء المحليين. المشكلة هي أن أحرام الشام تمول جزئيا من تركيا وجزئيا من قطر وهي ايضا تسيطر على معظم معابر الحدود بين سوريا وتركيا، حيث أن المفارقة ليست تأييد روسيا أو الولايات المتحدة، بل التقرير إما الانضمام إلى حملة تركيا ضد الاكراد أو العمل مع الاكراد والمليشيات الاخرى، ومنها جبهة فتح الشام، ضد القوات الموالية للأسد.
توجد تأثيرات دولية لهذه المفارقة، لأن روسيا رغم استئناف علاقتها مع تركيا، تستمر في تأييد الاكراد في سوريا. وأعلنت الولايات المتحدة من ناحيتها أنها تفحص امكانية تقديم المساعدات العسكرية المباشرة للاكراد. أما تركيا فهي تضغط من اجل العمل ضد الاكراد. وفي هذه النقطة هناك «تأثيرات مسمومة»، حيث إن الولايات المتحدة تسعى لإرضاء تركيا وعدم الظهور بأنها تؤيد الاكراد، لكنها لا تريد ابقاء الاكراد تحت الرعاية الروسية. والنتيجة الحالية هي أنه من اجل ارضاء تركيا، تتجاهل واشنطن استمرار الاحتلال التركي لشمال سوريا الذي قد يتسع حتى مشارف حلب.
وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري أعلن هذا الاسبوع أنه يجب وقف الطلعات الجوية كليا لمنع ضرر آخر بقوافل المساعدة للامم المتحدة. ولكن ليس فقط الاهتمام بالحالة الإنسانية لسكان حلب هو الذي يهمه. اقتراحه الذي يبدو مثل خطوة يائسة قبل انهيار وقف اطلاق النار بشكل رسمي، يرمز لتركيا ان واشنطن لن تعارض اقامة منطقة محظورة الطيران في سوريا. ومن هنا الطريق قصيرة لإقامة مناطق امنية عازلة، التي عارضتها الولايات المتحدة حتى الآن.
لغم الرقة
في الوقت الذي تراجع فيه الاهتمام الدولي بالقصف الأمريكي في دير الزور وقصف قافلة المساعدات في حلب، ليس واضحا لماذا يتأخر الهجوم على الرقة، معقل داعش. هذا هو السبب المعلن والرئيس للتدخل العسكري الغربي في سوريا. تركيا أبلغت واشنطن أنها مستعدة للمشاركة في عملية احتلال الرقة. ولكن شريطة أن لا يشارك الاكراد. روسيا لا تعارض قصف الرقة كجزء من استعراض أنها تشارك في الحرب ضد داعش. وإيران بالطبع تؤيد طرد داعش من سوريا. نظريا، لا يمكن أن يكون تحالف أكثر فعالية من هذا.
المشكلة هي أن تحالفا كهذا يستطيع بسهولة أن يهزم داعش في عاصمته، قد ينشأ مع مجموعة من الالغام القابلة للانفجار. روسيا مثلا، تخشى من أن تركيا والقوات الأمريكية ستسيطر على الرقة. وهكذا تنفصل المدينة عن الأسد. إيران تخاف من أن الولايات المتحدة وتركيا ستحدان من تأثيرها على النظام السوري الذي سيقوم في المستقبل. وفي نفس الوقت تعتبر أن التدخل العميق لروسيا في سوريا يدفعها إلى الزاوية.
من خلال جميع الحسابات يبدو أن قوة داعش وقوة معارضة فكرة احتلال المدينة التي اصبحت عاصمته ـ تحولتا إلى الهامش. والمفارقة هي أنه يمكن القول إن الحرب ضد داعش في الرقة تتأخر لأنه لا يوجد طرف يضمن ما الذي سيحدث بعد احتلالها. ويمكن القول إن داعش أقل خطورة في وضعه الحالي مما سيكون عليه الوضع بعد طرده من سوريا.
هآرتس 25/9/2016