مؤتمر قصيدة النثر المصرية في دورته الثالثة… الهامش يصبح متنا

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: ظلت قصيدة النثر العربية لوقت ليس بالقليل مدار الكثير من الجدل، حول مدى شرعيتها وشرعية مَن يكتبونها من الشعراء، ومع تصدي الكثير من الشعراء والنقاد الذين استكان عقلهم إلى القصيدة العربية التقليدية، وبالتالي محاولة مستميتة للحفاظ على وجودهم، قوبلت قصيدة النثر بالاستهجان الشديد، وأنها مجرّد نقل عن نصوص مُترجمة وتقليد لشعراء وتجارب شعرية أخرى. إلا أن كتاب قصيدة النثر في العالم العربي كانوا يراهنون على المستقبل، ولا يلقون بالاً إلى ساكني كهوف النقد، الذين أصبحوا الآن بالفعل سجيني ماضيهم. ورغم التعثرات التي عانتها قصيدة النثر سواء على مستوى قيمة الصوت الشعري، أو الكتابات النظرية التي حاولت تأصيل الوجود من خلال التراث العربي إثباتاً لشرعية مشكوك بها ــ النص يحمل شرعيته ــ إلا أنها أصبحت الآن في مرحلة تعميق للوجود وليس مجرد جدالات وأحاج حولها.
ويبدو هذا في المؤتمرات والفعاليات التي تقام في العديد من الدول العربية التي تناقض وتستعرض الأصوات الشعرية، التي كان آخرها «مؤتمر قصيدة النثر المصرية»، الذي انعقدت دورته الثالثة في القاهرة في الفترة من 18 وحتى 21 سبتمبر/أيلول الجاري، الذي استضاف المملكة المغربية كضيف شرف لهذا العام. وأقيم عدة مراكز ثقافية في القاهرة مثل أتيليه القاهرة، ومركز دال للأبحاث والدراسات، وغيرها. وبجانب الأمسيات الشعرية التي ضمت ما يقارب المئة شاعر وشاعرة، جاءت الندوات والأبحاث التي تناولت واقع قصيدة النثر، وهو تنظير في مُجملة يؤكد مدى التواصل والتفاعل الذي قدمته قصيدة النثر لمشهد الشعر العربي. كذلك أصدر المؤتمر الجزء الثالث من (أنطولوجيا قصيدة النثر المصرية) بعنوان ينابيع تصنع زهراً، والكتاب الأول من الدراسات والأبحاث التي صاحبت المؤتمر، وجاء بعنوان «شجر ينبت على ضفتي النهر». وسنحاول في إيجاز استعراض بعض من الجلسات النقاشية والدراسات النقدية التي أضافت الكثير بدورها إلى المؤتمر.

الجلسة الافتتاحية

بداية تحدث الشاعر عادل جلال المنسق العام للمؤتمر، عن الدورة الحالية ومدى التطور الذي لحقها، سواء من الداعمين أو المشاركين من الشعراء، خاصة أن المؤتمر لا ينتمي لأي جهة أو مؤسسة حكومية رسمية. فبخلاف المساعدات من المؤسسات الثقافية المُستقلة لا توجد إلا مشاركات واهتمام الشعراء. وأشار إلى أن هذا العام وجدت مشاركات من الهيئة المصرية العامة للكتاب بطبع ما يصدر عن المؤتمر من أبحاث، إضافة إلى الأنطولوجيا الخاصة بقصيدة النثر المصرية. هنا ينتهي حديث جلال، ونرى أن الدولة من خلال الهيئة العامة للكتاب ستحاول أن تثبت وجود لها من خلال نشاط مستقل بدأ من خلال أصحابه، وبعد بعض النجاح الذي تحقق، تريد الدولة أن تتفاعل وتستغل ذلك، وإلا ماذا عن دورها منذ البداية، وهكذا حال المؤسسة الثقافية في مصر.
وتحدث الناقد المغربي عبد اللطيف الوراري الذي يرى أن معظم ما كُتب عن قصيدة النثر حتى الآن لا يخرج عن نطاق السجال، وأرجع أهمية المؤتمر للاقتراب أكثر من قصيدة النثر، وهو أمر مهم عربياً ولا يقتصر على الحالة المصرية، ونظراً للوعي الذي حققته قصيدة النثر فلابد من إعطاء الباحثين ما تستحقه، خاصة في ظِل الرقابة الأكاديمية على قصيدة النثر وإنتاجاتها الجمالية والمعرفية.

الحداثة وقصيدة النثر

عن علاقة قصيدة النثر بالحداثة، يأتي البحث المعنون بـ«التقنيات الفنية لقصيدة النثر المعاصرة» للباحثة أسماء عطا، وترى أن قصيدة النثر تعد الوليد الشرعي لحركة الحداثة الشعرية، بما تحويه من نزوع نحو الثورة والتمرد. هكذا يراها أدونيس وأنسي الحاج على سبيل المثال. أما ما بعد الحداثة التي فتحت الأفق أكثر أمام قصيدة النثر، ونزعت قداسة الشكل والصوت واللون الشعري السائد، فقد استفادت منها قصيدة النثر الآن، وترصد الباحثة حالة السرد التي أصبحت سمة من سمات قصيدة النثر.. البطل، المشهدية، سرد اليوميات، الخروج عن الإيقاع والمجاز، فالوصف عنصر أساس في القصيدة، كذلك عنصر الصورة وتقنيات السرد السينمائي، هذه الصورة الآن التي أصبحت تتعدى حدود اللغة.

ملامح قصيدة النثر

وفي دراسة للشاعر والباحث أشرف الجمّال بعنوان «التقنية الأدبية ووظائفها في قصيدة النثر» يعدد الجمّال ملامح قصيدة النثر، من حيث التشظي، الصورة، التفاعلية، التخطي، الذاتية، الإيقاع، الجوهرية، التعقيد، المراوغة، والعديد من السمات الأخرى، نتوقف عند اللاشكلية في قصيدة النثر، وهنا يرى الباحث أن قصيدة النثر التزمت بتحطيم الماضي العَروضي، وكسرت تقديس الشكل، هذا ما حاولته في البداية قصيدة التفعيلة، والتفعيليون الآن يواجهون كتاب قصيدة النثر بالتهمة التي سبق واتهمها بهم الخليليون ــ نسبة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العَروض ــ أي الهرطقة والكُفر على المستوى الإبداعي. قوى القصيدة تأتي من داخلها ومن العلاقات التي تنتجها أو تعيد صياغتها في وعي المتلقي ــ صياغة العالم ــ فلا اعتماد على سجع ووزن وتوريطات في غنائيات ساذجة، عديمة المعنى والجدوى، كما في الكثير من الشعر التقليدي.

القرآن وقصيدة النثر

وأخيراً نستعرض ملخصاً للدراسة اللافتة التي كتبها الشاعر والباحث فتحي عبد السميع بعنوان «القرآن وقصيدة النثر»، الذي يرى أن نظرة العرب إلى القرآن بوصفه شعراً أو قول شاعر «وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون» (الحاقة:41). وبالتالي فالشعر لم يكن قاصراً على الشكل العمودي كما نسميه اليوم، أو على القصيدة العربية كما كان يطلق عليها العرب القدامى. فالقرآن دخل حياة العرب من دون اقتصاره على كونه رسالة تشريعية، بل بلاغية وفنية أيضاً، وهو قمة البلاغة اللغوية، ورغم ذلك جاء في شكله النثري لا الشعري المعهود وقتها. وفي ما يخص الآية التي في ظاهرها وصم الشعراء «ألم تر أنهم في كل واد يهيمون» (الشعراء 225). يربط عبد السميع ما بين لفظ الهُيام والعشق، ويرى أن العشق هو جوهر الشعر، بغض النظر عن شكل القصيدة ومفرداتها ودلالاتها المتغيرة بمرور الزمن، وأن الآية القرآنية من الممكن تفسيرها وفق هذه الصورة. وبتأمل الجذر اللغوي للفعل (يهيمون)، فلفظ التهويم يعني المنطقة الفاصلة ما بين عالم الصحو وعالم النوم الشديد، المنطقة التي يبدأ فيها الإنسان في الخروج عن عالم الواقع المبتذل إلى عالم الحلم وتخلي العقل عن سلطانه وتسليم الأمر إلى اللاوعي، وهي الحالة الأصدق لكتابة القصيدة.

مؤتمر قصيدة النثر المصرية في دورته الثالثة… الهامش يصبح متنا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية