العراقي ـ الألماني عباس خضر: يمكن للغة أن تكون آخر معاقل الحرية

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: بعد أسابيع قليلة من حصوله على جائزة لويك السويسرية للأدب عن روايته الأخيرة «الصفعة»، أعلنت جائزة (ماينتز شتاتشرايبر) الألمانية ذهابها عام 2017 للكاتب الألماني- العراقي عباس خضر عن مجمل أعماله الأدبية، وجاء في حيثيات لجنة منح الجائزة التي تشكلت من أكثر من ناقد ومختص أن «خضر يسرد بلغة موسيقية ومقتضبة متونا مؤثرة ومثيرة وتراجيدية كوميدية في الوقت ذاته… خضر صوت مهم في الأدب الألماني ويهب الكثير من المهمشين صوتاً صاخباً».
لغة عباس خضر التي حصل من خلالها على هذه الجائزة لم تكن العربية بل الألمانية، فبعد أن هاجر من العراق منذ عام 1996، وتنقل بين أكثر من بلد هرباً من الشرطة واللامكان، استقر به المقام عام 2000 في ألمانيا، لتبدأ معها رحلة مغايرة في حياته الشخصية والأدبية، إذ إنه بعد عشر سنوات من إقامته في ألمانيا تمكن من أن يشكل اسماً مهماً في الأدب الألماني، خصوصاً بعد صدور عدد من أعماله الروائية بالألمانية، مثل «رسالة إلى جمهورية الباذنجان» و«الهندي المزيف» و«الصفعة» وغيرها من أعمال روائية، ليحصل عن أعماله هذه على جوائز ومنح عالمية عدّة، منها: منحة الفريد دوبلن 2009، جائزة شاميسو 2010، منحة فيلا أورورا 2011، منحة لندن 2013، منحة عابر القارات 2013، جائزة نيلي زاكس 2013، جائزة هيلدا دومين 2013، جائزة لويك السويسرية 2016، وغيرها.. فضلاً عن ترجمة أعماله إلى عدة لغات، مثل الإنكليزية والفرنسية والإيطالية.

• هل يمكن أن نسميك صائد الجوائز العالمية، فلا يمر عام حتى تحصد إحدى الجوائز المعروفة والتي آخرها جائزة ماينتز للأدب الألماني؟ وما الذي قدمته لك هذه الجوائز؟
■ لست بصائد جوائز عالمية، أنا محظوظ فقط بحصولي على بعضها، وربما لعبت الصدف لا أكثر أن يكون في لجنة تحكيم هذه الجوائز بعض النقاد ممن يدعمون نصي ويسهلون الأمر لحصولي على هذه الجائزة أو تلك. وطبعاً قدمت لي هذه الجوائز الكثير، أولاً الدعم المادي الذي يسهل عليّ الكثير بحيث يمكنني التفرغ لفترة طويلة للكتابة والعمل على نص جديد من دون التفكير كثيراً بالمال. هذه رفاهية مهمة حقيقة. ثانياً إن مثل هذا الاعتراف يسهل الكثير، خصوصاً في الحقل الادبي، إذ يقدم للكاتب فرصة الانتشار السريع وللمنتج الأدبي فرصة الوصول للقارئ، حيث تلعب هذه الجوائز دوراً مهماً في زيادة عدد المبيعات.
• لم يكن دخول الأدب الأوروبي عموماً والألماني خصوصاً يسيراً لأغلب الكتاب العرب، غير أنك خلال عشر سنوات فقط تمكنت من أن تكون اسماً صعباً في هذا الأدب.. كيف تمكنت من ذلك؟
■ حقيقة من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، ربما هو تكريس الحياة بشكل كامل للأدب، وهذا ما قمت به وما أقوم به ترك بصماته بشكل ما. لا أعرف الأسباب الكامنة وراء اهتمام الألمان بنصوصي، ولكنني طبعاً حاولت دائماً أن أضع قدميّ وسط هذه الأرض الغريبة، وأصنع لي فيها مكاناً في الحياة والأدب، كما أنني لم أفكر أبداً في التراجع مهما حدث.. هذه الأشياء ربما ساعدت بنوع ما على اهتمام النقاد والصحافة الألمانية بنصوصي التي غالباً ما أكتبها بشكل تكون قريبة مني أولاً، وعلى ما أعتقد أن قرب النص لروح الكاتب يهبه روحاً أخرى يجعل الآخرين يلتفتون إليه.
• ما المميزات التي قدمتها في رواياتك لكي تكون قريباً من القارئ الألماني؟ وهل بحثت عن نقاط ضعفهم في القراءة، أم أنك قدمت أدبك الخاص فحسب؟
■ في كل رواية حاولت أن أقدم شيئاً ما، حسب تصوري، يختلف عما يقدمه الكاتب الألماني ابن اللغة الأم. في المحصلة أنا أكتب باللغة الألمانية، وهي لغة تعلمتها وأنا في سن 27، وبالضبط يمكنني القول إن لي لغتي الألمانية الخاصة التي تستفيد حتماً من ثراء ما تقدمه لي اللغة العربية كمرجع لي. هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فأنا أحاول كل مرة أن أكتب عملاً جديداً وأغامر كثيراً في محاولاتي كما في رواية «رسالة إلى جمهورية الباذنجان»، إذ اشتغلت على رواية رسائل، ولكن بطريقة مختلفة، بحيث يكون بطل الرواية فيها ليس شخصاً إنما «رسالة». أحياناً أخرى، تكون المغامرة مختلفة وتميل للمحتوى، بحيث اصدم القارئ الألماني وأضعه أمام حقيقة مُرّة تحدث أمام عينيه ولا يراها، كما في رواية «صفعة» ودور النظام البيروقراطي الألماني في لعبة التناقض بين دمج المهاجرين من جهة ومعاملتهم كعبيد أو أرقام فقط من جهة أخرى. في كل مرة أحاول أن أقدم عملاً ما يلعب فيه عنصر الدهشة والصدمة اللغوية أو المعنوية دوراً مهما. هذا ما أحاول تقديمه لقارئ يختلف في ثقافته وتفكيره عن تفكيرنا، إذ نراه لا ينظر للاجئ أو المختلف عنه بنظرة تشبه ما نراه نحن بالنسبة للآخر.
• قدمت أكثر من نموذج للاجئين في أعمالك، منها الهندي المزيف والصفعة وغيرهما.. هل كنت النموذج الذي تبنيه في هذه الروايات؟ أم سعيت لقراءة واقع اللجوء عموماً لطرحه لقراء ونقاد يعيشون وسط اللاجئين ولا يعرفون حقيقة حياتهم؟
■ بعض التجارب هي تجاربي الشخصية، وبعضها تجارب الآخرين ممن أعرفهم، ومن ثمَّ حاولت قراءة واقع اللجوء العربي عموماً والعراقي، ومن ثمَّ تجارب الأجانب عموماً، وهذا ليس بالغريب عليّ، لأنني عشتها مثل أقراني، وبالتالي قراءته لا تتطلب أي جهد في واقع الأمر. الذي أثار استغرابي حقا خلال عملي على رواية «صفعة» هو اكتشافي بأنه لا يوجد في الأدب الألماني أي رواية بطلها طالب لجوء أو تدور أحداثها في بيوت اللاجئين. وهذه بالنسبة لي كانت حقيقة صادمة. كل الروايات التي تدور في هذا المجال أبطالها ألمان يتحدثون عن اللاجئين ويتكلمون معهم. طالب اللجوء بلا صوت حتى في الأدب… كان هذا اكتشاف مهم بالنسبة لي لأن روايتي «صفعة» تعدّ منذ صدورها الأول في الأدب الألماني الحديث ورائدة في هذا المجال، وهنا يقتصر الأمر على البلدان الناطقة باللغة الألمانية مثل سويسرا، النمسا وألمانيا.
• إلى أي مدى كان الدخول للغة الألمانــــية خطــــراً على لغة عباس خضر الأدبية، وما الذي تغــــير في هذه اللغة بعد أن بدأت بكتابة أولــى رواياتك بالألمانية؟ وهل اللغة وطن فعلاً؟
■ الخطورة كانت تكمن في الدرجة الأولى في عملية التطبيق، إذ كنت أفكر بالعربي وأكتب بالألماني وهذه كانت إشكالية كبيرة لأن النصوص كانت أقرب إلى نصوص مترجمة بشكل سيئ. كل هذه النصوص رميتها في سلة القمامة في ما بعد، ولم أشعر بأن «لغة الأدب» ظهرت ملامحها في النص الألماني إلا بعد أن بدأت بالتفكير باللغة الألمانية والكتابة فيها في الوقت نفسه، وهذا هو ما ساعدني على إكمال أول عمل روائي لي بعد سنوات. لغتي تغيرت كثيراً بعد تحولي للألمانية بشكل كامل وهجرتي من العربية إذ أصبحت أكثر تركيزاً وأكثر تنظيماً ذهنياً، ونصي يميل كثيراً للاقتضاب وشعرية المقطع والحدث وليس شعرية الجملة في أغلب الأحيان. غير أن اللغة ليست وطناً، ولا يمكنها أن تكون وطناً لمن لا وطن له، إنما يمكنها أن تكون آخر معقل من معاقل الحرية.
• عشت حياةً من السجون والهروب المستمر حتى تمكنت من الاستقرار في ألمانيا.. ما الثقوب التي تركتها في روحك تلك السنوات؟ وأين تكمن تلك الثقوب في كتاباتك؟
■ أحيانا أتصور أن المرء يخرج مثلاً من السجن، ولكن السجن لا يخرج منه، إنما يقبع في عمق ما داخل الروح، وكل ما يكتبه المرء هو محاولة لإطلاق سراح السجن من سجنه في أعماقنا.
• في كتابك «الخاكية» حاولت تجريد مداحي النظام البعثي من أكاذيبهم وكتاباتهم التي كانت تعبر عن مرحلة سببت الدمار للعراق.. هل فعلاً كنت تنوي تصفية الحساب مع هؤلاء في تأليفك لهذا الكتاب؟ وما الذي دفعك لتأليفه؟ وما الذي اكتشفته حينها؟
■ أنا لم أكتب الكتاب عن شخوص أبداً. بعض من جاء اسمه في الكتاب هو رفيق وصديق وما زال. تناولت موضوع «الثقافة العسكرية» في حياتنا التي علمنا إياها أمثال جمال عبد الناصر وصدام حسين، ومن ثمَّ تحولت إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا العربية. محاولة تعرية هذه الثقافة وفهمها كان بالنسبة لي مهماً، لذلك كتبت الكتاب وكنت أظن أنني في هذه الحالة يمكنني أن أشارك بطريقة ما في صناعة «ثقافة إنسان»، غير أن ما يحدث الآن من تغيرات في مجتمعاتنا وسيطرة المليشيات بلغة العسكر نفسها سببه عدم العمل على وضع الإصبع على المشكلة الحقيقة في عالمنا العربي، وهي مشكلة الثقافة. يومها اكتشفت أن مشاكلنا كلها ثقافية بحته وما زلت أظن ذلك. لا يمكن أن يتغير أي شيء في العراق أو أي بلد ثانٍ في المنطقة إذا لم نصل لمرحلة بناء «ثقافة الإنسان»، فعندما يكون الإنسان هو القيمة العليا في الأدب والثقافة وليس الدين أو القائد، يومها يمكن أن أقول بأن هنالك أملا ما. وهذا لن يحدث إذا لم نسع بصدق لكشف وتعرية الخطاب الثقافي منذ تشكيل الدولة العربية مطلع القرن العشرين إلى اليوم.
• على الرغم من أنك عرفت كروائي يكتب باللغة الألمانية، غير أنك بدأت شاعراً وأصدرت مجموعتين شعريتين، أين أنت من الشعر الآن؟ ولماذا لم تكتب شعراً بالألمانية مثلما كتب الرواية؟
■ أنا ما زلت أكتب الشعر بين فترة وأخرى، وأكتب منذ سنوات أيضاً نصوصاً شعرية باللغة الألمانية، غير أنني لا أفكر حاليا في نشرها. لا أعرف السبب، ربما لأني أخاف من هيبة الشعر.
• بعد هذه الجوائز وهذه الأعمال، ما المشاريع التي تشتغل عليها؟ وهل ستبقى في حياة السجون واللجوء أو ستترك هذه الحياة في كتاباتك نهائياً؟
■ أعمل حالياً على رواية جديدة وأتمنى أن أنتهي منها عام 2019. وبالنسبة للموضوع، فأنا أعتقد أن الكاتب لا يختار موضوعه بنفسه، إنما الموضوعات تختار كاتبها وتفرض نفسها عليه. لا أعرف ماذا سيأتي، لكنني أعرف أن المهم هو ليس ما نكتب إنما كيف نكتبه. هيرتا موللر حصلت على جائزة نوبل للأدب وهي كتبت مجمل أعمالها عن الديكتاتورية في رومانيا، ولكن على الرغم من أن الموضوع الذي يبدو للوهلة الأولى مكررا قدمت كل مرة لغة خاصة وأحداثا لها خصوصيتها داخل النص. لا أفكر حالياً إلا أن أكتب ما أشعر بأنه يستحق الكتابة والحياة بأكملها تستحق الكتابة.

العراقي ـ الألماني عباس خضر: يمكن للغة أن تكون آخر معاقل الحرية
حصل على جائزة ماينتز الألمانية ولويك السويسرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية