القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: بعد التوقف منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، يعود مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ويضيف مفهوم المعاصر هذا العام ــ يمتد المهرجان من 20 وحتى 30 من الشهر الجاري ــ وعلل بذلك سامح مهران رئيس المهرجان، أن إضافة كلمة المعاصر إلى المهرجان تأتي حرصاً على الانفتاح على التجارب والأعمال المسرحية المختلفة في توجهاتها، وتحقيق جذب جماهيري من ناحية أخرى. ومفهوم المعاصرة هذا جعل لمهرجان هذا العام شكلاً مختلفاً، سواء على مستوى العروض أو الندوات والحلقات النقاشية التي تنظّر لقضايا المسرح ومشكلاته، خاصة في العالم العربي. وبالنظر إلى العروض المصرية المشاركة في المهرجان نجد أن معظمها تم تقديمه من قبل على مسارح الدولة، ورغم تفاوت المستوى إلا أن بعضا من هذه الأعمال وجد صدى جيداً على مستوى الجمهور والجوائز، سواء في مهرجان المسرح القومي الفائت، أو استمرار العرض المسرحي لفترات طويلة. معظم هذه العروض سابقة منذ فترة كبيرة على المهرجان، إضافة إلى أنها لا تنتمي إلى العنوان الكبير الذي حمله المهرجان، والخاص بـ»التجريب»، وبغض النظر عن لفظة «المعاصرة»، وقد تناولنا أغلبها بالعرض على صفحات «القدس العربي» نذكر منها، «روح، الإنسان الطيب، الزومبي والخطايا العشر، والرمادي». حتى العروض التي شاهدناها في المهرجان ــ العروض المصرية ــ لا تنتمي لفكرته ولا هدفه من الاطلاع ومشاهدة الأفكار المسرحية والتقنيات المستحدثة، وربما لو اقتصر الأمر على التجريب فقط، فلن نجد عرضاً مصرياً سيشارك في المهرجان. أما الندوات والحلقات البحثية فرغم التقعر البلاغي والاصطلاحي في العديد من الأبحاث، إلا أن حالها أفضل ولو بنسبة ما من العروض، وسنحاول بما يسمح به مقال في جريدة استعراض أهم هذه الأبحاث، كذلك التعرّض إلى عرضين مسرحيين مصريين هما.. الغريب والعطر.
العطر
تدور فكرة العرض المسرحي العطر عن التواصل ما بين الصُم والمجتمع، والفكرة رغم جدارتها وجمالها، خاصة أن العديد من ممثلي العرض من الصُم بالفعل، وأصبحت مشاركة الفريق الآخر من الممثلين بمثابة مشاركة حيّة ما بينهم وبين المصابين. العرض الذي قام بتأليفه وأخرجه محمد علام حاول أن يضع مأساة هؤلاء على خشبة المسرح، خاصة وهم يُشكلون ما يُقارب 5 ملايين شخص، وبالتالي يمثلون مجتمعاً يبدو مغلقاً، فالآخرون يعدونهم غرباء في المجتمع، ويتعاملون معهم وفق هذا المبدأ. حاول العرض أن يجعل الشخص الطبيعي يعيش وسط مجتمع من الصم، وبالتالي شعر بمدى الاغتراب الذي يحياه. الغاية النبيلة للفكرة لا تبرر قوة للعرض، خاصة أنه افتعل العديد من المواقف التي تسخر من هؤلاء بغرض اختلاق الكوميديا. الأمر الآخر هو إقحام مادة فيلمية، تراءت إلى صانع العرض أنها ستخدم فكرته، وهي عبارة عن فيلم قصير يُعرض على شاشة خلفية في المسرح، تحكي عن تواصل شاب مع فتاة من الصم، والوقوع في حبها، ومعرفة لغة الإشارة من أجلها، إلا أن طبيعة الفيلم لا تتوافق والعرض المسرحي، ولماذا لم تنشأ هذه العلاقات داخل العرض نفسه، ربما كانت أوقع من صورة فيلمية دخيلة.
الغريب
العرض المصري الآخر واللافت هو عرض «الغريب» والمستوحى من أسطورة أوريست، وهو لفرقة كلية التجارة في جامعة عين شمس، من تأليف محمود جمال، وإخراج محمود عبد العزيز. الفكرة تدور عن عودة أوريست ومحاولة استرداد عرش أبيه، وقد اتفقت أمه مع العم على قتل الأب، وبينما الأخت تنتظر عودته للانتقام وتعيش فقط على هذا الأمل. اللافت هو التقنية الاحترافية في تنفيذ العديد من المشاهد، خاصة في الجزء الأول من العرض، سفر الأب والمعارك التي خاضها، ثم عودته وخيانة زوجته وموته بالسم. كلها تقترب من اللوحات التشكيلية ذات الحركة المسرحية والإضاءة والأداء التعبيري، إضافة إلى أداء الممثلين وقوة حضورهم على المسرح. وبما أن العرض استوحى الأسطورة، فهو لم يلتزم بنهايتها، وجعل فكرة استرداد السلطة مرهونة برأي الناس/الشعب، وهو ما حاول تحقيقه البطل عند قتل الملك الخائن، الذي سرق السلطة بالحيلة والقتل. هنا لا يكون الانتقام فردياً، بل يستمع إلى رأي الشعب. الفكرة جيدة بالفعل، وتكشف التحالف المزمن بين الحاكم ورجل الدين، كما أن الصياغة اللغوية والحوار المسرحي في غاية الدِقة والاتزان، بخلاف بعض المنولوحات الصاخبة والمباشرة، التي تحيد عن جماليات العرض وإيقاعه.
الندوات
تناولت الندوات والأبحاث عدة قضايا تخص بالأكثر الأوضاع في العالم العربي، فجاءت تحت العناوين الآتية «المسرح وقضايا تكفير التفكير العقلاني»، «التجريب وتثوير الأبنية الجمالية»، «القضايا العربية في فضاء المسرح الغربي»، و»الحركة النقدية والمسرح المقاوم». وسنحاول الإشارة إلى بعض هذه الآراء والأبحاث.
الحركة النقدية
تحدثت الكويتية سعداء الدعاس عن النقد الافتراضي، موضحة أن هناك مستوى آخر للنقد الآن، أصبح يمثله العالم الافتراضي، الذي أصبح يفرز معاييره النقدية عبر صفحات الفيسبوك وتويتر وانستغرام، فأصبح لكل فرد منصته النقدية الخاصة، التي يحلل من خلالها المنجز الإبداعي ويوثقه، ومن ثم يؤثر على آلية التلقي ويساهم في تشكيل الآراء. فالأمر لم يعد يقتصر على الناقد الكلاسيكي والأكاديمي، الذي يمثل بدوره شكلاً من أشكال السُلطة. هذا الرأي أقرب لما يحدث الآن، وأقرب إلى فكرة السلطة الوهمية التي يتصورها الناقد التقليدي. هذه الصورة لم يزل يراها الناقد المصري عمرو دوارة، والذي يعتقد أن الرؤية النقدية تنقسم إلى معيارين، الأول تقييم وتقويم العاملين في العمل المسرحي ــ لاحظ فعل تقويم ــ والثاني التواصل مع الجمهور، فإن التقصير مع الجمهور راجع للناقد، ولابد من معرفة كيفية التأثير على الجمهور والتواصل معه.
فكرة المقاومة
وفي ما يخص حال المسرح والفكر المقاوم، أشار الناقد المصري محمد زعيمة إلى أن النقد ارتبط دوماً بالإبداع، لأنه عملية تالية لمرحلة الإبداع، فهو يقوم على التحليل والتفسير والتقييم ــ التقييم أيضاً ــ فهو عين المبدع التي ترى، فالمسرح يرتبط بواقعه، خاصة الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية بداية من حرب الخليج الأولى والثانية، فجاءت عروض المقاومة بأشكال عديدة ترفض الحروب والواقع المؤلم الذي يعيشه المواطن العربي. وأضاف المغربي عبد الواحد بن ياسر، أن الثقافة بصفة عامة ومنها المسرح تعتبر من الأسلحة للوقاية من العنف والتطرف والفقر والبؤس، فالمسرح العربى عرف في السنوات الأخيرة العديد من التجارب المسرحية الجديدة التي تحاول تجديد مفهوم المسرح ووظيفته وأهدافه.
التثوير والجماليات المسرحية
وترى المغربية نوال بن إبراهيم أن النظريات الجمالية الحديثة منذ الثورة الاقتصادية شهدت مجموعة من التطورات ارتكزت بالأساس على أفكار نيتشه وهيدغر وأدورنو، كذلك الحركة الدادائية والسريالية، وصولاً إلى ما بعد الحداثة. فالمسرح الآن يرتبط بالتكنولوجيا التقنية بصور كبيرة، بحيث لا يمكن فصله عن الوسائط، كما أصبح المسرح العربي الآن أكثر جرأة في التعبيرعن القضايا السياسية والاجتماعية بعد ثورات الربيع العربي. ومن ناحيته يرى الناقد المصري مدحت الكاشف أن مصطلح (ثورة) ينسحب على فكرة التغيير في أي نشاط بشري، بما فيها الأنشطة الإبداعية، إلا أن معناه الحقيقي هو تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب. أما المسرح ومن خلال تاريخه، نجد أنه يلتقي والثورة عند مفهومين أساسيين، أولهما مفهوم تثوير الأخلاق والتقاليد في المجتمع، وثانيهما مفهوم التغيير السياسي، لذلك فالمسرح يتوسل بالسبل الممكنة لإيجاد حلول ممكنة من أجل تعزيز القضايا الساخنة في المجتمعات، ومعالجة مشكلاته السياسية والاجتماعية، فيتحول بذلك العرض على يد أصحابه، وبمشاركة جمهوره إلى تجربة مادية وحسية تتطابق مع النظرة الحياتية للوصول إلى حياة أكثر حرية.