رجاء بكرية روائية وقاصة وشاعرة وفنانة تشكيلية فلسطينية، وهي تكتب إلى جانب القصة والرواية، في النّقد المسرحي والسينمائي. بدأت الكتابة منذ ربع قرن، حيث صدرت مجموعتها النثرية الأولى في الناصرة عام 1991 بعنوان «مزامير لأيلول»، وصدرت لها في عام 1995 رواية بعنوان «عواء ذاكرة». وفي عام 2003 صدرت لها عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت مجموعة قصصية بعنوان «الصندوقة». أما روايتها الأخيرة «امرأة الرّسالة» الصادرة عن دار الآداب في بيروت عام 2007، فقد لقيت رواجـــاً كبيراً في الوسط الثقافي العربي، وتُرجمت إلى العديد من اللغات. هنا حوار مع الكاتبة حول تجربتها.
• لأي درجة تأثرت بإشكالية الهوية، خصوصاً وأنك فلسطينية تعيش في الجليل؟
■ بقيتُ على اعتقاد، ولمدّة طويلة بأنّ الهويّات لا تُقرأ تماما ولا تُفسّر، حتّى وقفتُ أوّل مرّة في مطار بن غوريون الدّولي، وكنت في السّادسة عشرة من عمري، وفهمت أنّي لن أعبر لأيّ مكان في العالم قبل أن أفسّر هويّتي، كفلسطينيّة تحمل جوازا إسرائيليّا ممزّقا بالإدانات، والكرامات معا. كرامات الدّولة مع مواطنيها الخارجين عن سرب المواطنة، وإدانات العرب لأنّ فينا الشّريان الأزرق الخارج عن سرب العروبة. منذ أوّل مرّة طرتُ بدأتُ أعلن هويّتي كفلسطينيّة مغضوب عليها، والغريب أنّنا، وفي القرن الواحد والعشرين لم تتغيّر خانات تعريفنا. لا نزال خارج سرب التّعريفات بكلّ ألوانها.
• ثمة مبررات كثيرة لفكرة الكتابة تتراوح بين كونها مشروع وهدف، وبين كونها متعة وتسلية، أين يتموضع انحيازك في هذا الشأن؟
■ أن تكتب يعني أن تعثر على أجمل المُتَعِ، وأنت تجرِّبُ قلبكَ، كي تنحاز لمشروع الحياة. بارتباكاتِهِ، وشكُوكِهِ، وتوابل شُخوصِهِ وأبطالهِ، هوامشهِ ومحاورهِ، بُكاءاتِهِ وأفراحِهِ. عتمِهِ وأضوائِهِ الّتي تختارَ شوارِعها وأرصفتها ومدنها. الحياة هي مُتَعُ ما أعثُرُ عليهِ مادّة لانتفاضةِ القلبِ وشغف المخيّلة.
• يتردد بين حين وآخر أن هناك أزمة ثقافة، ويذهب آخرون إلى تسميتها أزمة مثقفين، ما هي رؤيتك الخاصة بهذه القضية؟
■ ثمّة أزمة، لكنّها أزمة في أسلوب تصنيع الثّقافة، وتلميع الأسماء. في اعتقادي، هي أزمتنا الحقيقيّة هنا، وهذا يلقي بظلالهِ على الحياة الثّقافيّة عموما ويؤزّمها. نحنُ نعشقُ التّلميعَ أكثرَ من ماسحِ أحذية. هنا الإشكال الجدلي الّذي يثار، لماذا نستورد قوالب الكريستال تلك، ونحن نعرف تماماً، أنّها لن تصنع إضافة، وأنّ ما ستضيفه عاهة جديدة لحارة الأدب؟
• كيف ترين علاقة المرأة بالأدب؟ وهل توافقين على تعبير الأدب النسوي والأدب الذكوري؟
■ في اعتقادي على الأدب أن يُحسِنَ استخدام مُحفّزات الأنوثة ليتعرَّفَ إلى مواطن سحره. ازدواجيّة المصادر الّتي تنهل منها المرأة الأدب تفرض عليها لغة أخرى من التّواصل مع الكلمة. وبالمناسبة، المرأة واعية جدا لهذا الاختلاف، لذلكَ يستطيع القارئ، غالبا، تمييز أنوثة الحرف من السّطرِ الأوّل، لكنني لا أقبل أن تكون المرجعيّات السيكولوجيّة والبيولوجيّة سبباً في تأطير أدب المرأة والإغلاق عليه. كلّ تأطير يُنتِج ثقافة جديدة دخيلة على المنظومة الأدبيّة، تنضوي تحت ما يسمّى ثقافة التّهميش. وتهميش أدب المرأة بذريعة نسويّتها مسألة مرفوضة وغير محتفىً بها عندي. لا أتبنّى فكرة التّسميات الّتي تجيء بنيّة أن ترفع فتهشّم، ومع الأسف شرقنا ضليع في تهميش وتهشيم أدب المرأة من دون أن ترفّ له عين لمجرّد أنّها امرأة. قد يتفاوت تأثّر المجتمعات الذّكوريّة بالتّسمية، لكن ما أعرفه جيّدا، أنّ الرّجل لن يتوانى عن استغلال أوّل نقطة ضعف يميّزها في كتابة امرأة، كي يمسحها. قاومتُ فكرة تأطير ما أكتب، ولو أنّي مفتونة بأنوثتي ومعتزّة بنسويّتي.
• ما علاقة النص الإبداعي بمرجعه الواقعي؟
■ ما نكتبه لم ينزل بمكّوك فضائي من السّماء صُدفة، ولكن هو أساساً يعتمد على حالة كونيّة نوعيّة التقطناها في حرارة حدوثها، وجعلناها قطعة الحقيقة في غابة الخيال الّذي نشأ بعدها. والكاتب وحده يعرف تماماً الأصــــل من الإضــــافة. الجميل في قطعة الحَدث الملتَهبة الّتي تختارنا أنّها ملكنا الشّخصي حتّى آخر حرف نسجّله على الورق، بعد ذلك هي خارج ملكيتنا الفردية والحسية وعلينا ألا نجتهد في انتقاء ما يصلح أن يكون بذرة أولى في دُغل، ولكن أن نكون حياديّين إزاء قطعة الاشتعال وخيارات انتشارها.
• كيف تطور مفهومك للمكان في الكتابة وخارجها؟
■ هاجسي هو موطئ القدم، وسؤالي لا يزال، أين سأضع ساقي حين أستيقظ، لأنّنا شعب مهدّد يعيش فوبيا المكان، كأيّ مرض مستعصٍ. والتّكنولوجيا باستحداثاتها الكثيرة لم توفّر لنا آليّات لاختراع مكان نذهب إليه لمجرّد أن نعيش بسلام، فنحن نعيش على بخور التّاريخ، وتعنينا ديمغرافيّة المكان بمثل روحانيّته. ولا زلنا نعلّم أطفالنا أسماء المدن الفلسطينيّة، والقرى، وحواريها بإصرار.
أنا ممّن اكتشفوا هويّة المكان بعد النّكبة بعقود، وفهم التّاريخ على مُرّ، والجغرافيا على قضيّة حقّ يجب ألا أكون فيها الخاسرة، لذلك اعتدت أن أقطفَ المكان زهراً في المخيّلة، وأجمعه حجارة على الأرض.
• ما هي أبرز اشكاليات الثقافة الفلسطينية ووسائل حلها؟
■ العزلة المفروضة على الأدب الفلسطيني، خصوصاً، أدب الدّاخل الفلسطيني إشكاليّةٌ تُحسّ أكثر من أَيِّ شيء آخر. ولا يكفي وصول بعض الأسماء لأماكن لا تتوقّعها، فغالباً تضيع البوصلة، وقد تُنسى الأقلام الّتي نحتاج أن تُذكر. القضيّة الأخرى والأخطر، هي رواج الشّعر في الشّارع على نحو يدعو للذّعر، شعر لا يشبه الشّعر، وكلّ سطر يُكتب اليوم يسمّونه شعراً، لا تعرف كيف! ولا أوافق أنّ الزّمن يغربل، ولكن على المواقع الأدبيّة متزامنة مع حركة نقد فاعلة لكلّ من نفضوا أيديهم من تبعات الرّأي أن يُعلنوا مواقف واضحة. قلّة النّص الرّوائي والقصصي يكشف لك عمق الأزمة الفكريّة الّتي نعايشها هنا. بتواضع شديد أسمّي العمل الرّوائي، والحكائي أعمالاً فكريّة، للتيّار النّفسي العاطفي حصّة الأسد فيها.
• كيف تنظرين للأحداث التي تجري على الساحة العربية، وما هي انعكاساتها على المشهد الثقافي والإبداعي في الحاضر والمستقبل؟
■ ما يجري في ربيع الدّول العربيّة بدَع فرّضَها الفّراغُ، وانمساحُ الثّقافة. ولا أشكّ أنّ أثرها آنيٌّ، فالمدن الّتي تحضّرت على دلالِ الورق لا يمكن أن تدوسهُ وتمشي على خطى الأرَق. لكنّ الجيل الّذي يعاني في عقرِ تاريخِهِ سيستغرق وقتا لتجاوز ندوبِ مآسيهِ. كلّ هذا يحدُثُ بسبب زحف همجيّ لقبائل شربت من بئرِ بُؤسِها، وجفاف منابعِ روحانيّتِها.
• في 2 مايو 1996 رحل الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، لكنه كان قد أوصى بأن يُدفن في حيفا وأن يُكتب على شاهدة قبره (باقٍ في حيفا)، وبمناسبة ذكرى مرور عشرين عاماً على غيابه كيف تنظــــرين لتجربته الروائية؟
■ إميل حبيبي سياسي محنّك بالدّرجة الأولى، وقد أضاف مشروعه السّياسي الكثير لمشروعه الرّوائي. واكتسب ما لم يكتسبه سواه من روائيّي فلسطين والعالم حين تنبّه للتّداخل الحاصل بين المجالين، وأفاد من عذوبة التلاقح بينهما على مستوى المفردة، المضمون، وأسلوب الطّرح. ،واستفدتُ من تجربته على مستوى سلامة الذّوق. منه فهمت أنّك تستطيع أن تبدأ رواية من كلّ مكان في العالم حتّى من جانبِ مَزبلة، وكلّ خرابة تصلح أن تكون بطلة، ويمكنك أن تقرر الشّكل الّذي يعجبك لخروج حكايتك.
• أنتِ من أكــــثر الكاتبـــّات داخـــــل فلسطين المحــــتلة عام 1948 إنجازاً ونشاطاً، كيف تفسرين هذه الغزارة؟
■ لأنني امرأة تؤمن بأثر ما تكتب، يصدّقون بصيرة طروحاتها مقالة، قصّة ورواية. تشغلني النّوعية، والاختلاف لحدّ بعيد، وهاجسي كيف أنطلق وأنا أُحاججُ، أفسِّرُ أُهاجِمُ أو أُهاجَمَ. وامرأة تعرفُ كيف ترقصُ وهي تحترق، بالمعنى المجازي للكلمة.
• حصلت أغلب أعمالك على العديد من الجوائز المحلية والعربية والدولية، وهذا يُعدُّ إنجازاً مهماً، فما هو الأثر الذي تركته هذه الجوائز؟
■ أعتبرها بعض إنجازات الحالة، وما أطمح إليه لم يأت بعد، لكنني لن أقف في أيّ مرّة كي أعلّق جوائزي شواهدَ على حرفيّتي الموهوبة، ولا تفوّقي في إعلان الكلمة. كما أنني لم أعلّق مرتبة شرف واحدة خارج جدران القلب. هناك أحتضنها بكثير حبّ.
حوار: نضال القاسم