لا أحد يعرف حتى اللحظة تفسيرا مهنيا لأسباب هروب المجرم الذي قتل الكاتب الصحافي الأردني ناهض حتر نحو رجال الأمن بدلا من حصول العكس.
ولا أحد يعرف حتى اللحظة أيضا كيف أخفقت الدوريات الأمنية باعتقال منفذ جريمة الهجوم على مقر للمخابرات لمدة 12 ساعة، قبل القبض عليه من قبل مواطنين.
لا يحب الأردنيون في الوظيفة والشعب التحدث عن ملف القصور والخلل الأمني، فقد بقي هذا الموضوع طوال عقود من الخطوط الحمراء التي تلهب أصابع كل من يقترب منها، لأن الذهنية الأمنية لا تقبل النقد والسؤال بالعادة، خصوصا إذا طرح بصورة علنية ولأنها ترتاب بطروحات كل من يتقدم بالملاحظات في السياق.
الأهم أن المواطن الأردني نفسه، يحتفل بنعمة الأمن والاستقرار، وتتكرس في ذهنه ثقافة احترام رجل الأمن، وبالتالي ليس سهلا في الحالة الأردنية السماح اجتماعيا بمناقشات لها علاقة بالأداء الأمني.
الملك عبد الله الثاني نفسه، كسر هذه القاعدة عندما استقال في عهد الحكومة السابقة أحد وزراء الداخلية ومدير للأمن العام وآخر للدرك، على خلفية ما وصفه رئيس الوزراء آنذاك الدكتور عبد الله النسور بقصور شديد.
الأردني بطبيعته يتمتع دوما بمزايا الاستقرار الاجتماعي ومزايا السلم الأهلي وفي جميع مؤسسات الأمن المئات من الجنود المجهولين الذين يمكن الاشارة لفضلهم فقط دون بقية المؤسسات السياسية والبيروقراطية في إفلات الأردن والأردنيين من فوضى الربيع العربي والاشتعال الاقليمي.
لا توجد شكوك في وجود دور فاعل وكبير وأساسي للأجهزة الأمنية وفضل كبير ليس على الدولة والنظام فقط ولكن على كل الأردنيين، وأي ملاحظات يمكن أن تقال أو تطرح هنا أو هناك تصعد وتبرز اصلا على هذا الاساس ومن باب الحرص الشديد عند الناس والنشطاء والنخب، على بقاء الصورة الأمنية نقية لأن الخطأ البيروقراطي يمكن تعويضه، أما الخطأ الأمني فهو مكلف بكل المعايير.
واحد من أبرز مشكلات الملف الأمني أن المؤسسات الأمنية بجميع أفرعها مطالبة دوما بالتصرف وتحمل مسؤولية العبث البيروقراطي والقرارات السياسية الخاطئة والأخطاء الدائمة المتراكمة للحكومات.
لذلك فأي عملية نقد لمسألة إجرائية أمنية ينبغي أن تنطلق أصلا من الوعي المسبق، لحقيقة دفع السلطات السياسية لتجنب الأخطاء في التقدير والقرار، حتى لا تتأثر المعطيات في المكونات الاجتماعية ولا تتراكم الاحتقانات، على هامش وضع اقتصادي واقليمي معقد جدا، وبصورة تتطلب دوما دخول أجهزة الأمن على الخط.
أسمع من أمنيين تفصيلات لا يطيقها البشر عن حجم العمل الهائل المناط بهم دون زيادة في ميزانية العمل وبرواتب بائسة قياسا بما يحصل عليه كل من يتشدق بالوطنية أو يزاود على الجميع باسم الولاء والانتماء.
أعرف شخصيا رجل أمن في موقع حساس لم يتمكن من زيارة بيته وأطفاله ولا حتى من النوم 19 يوما متواصلا. وأعرف آخر في موقع حساس ايضا يؤجل للعام الثالث على التوالي عملية جراحية لقلبه أمر بها الأطباء بسبب ضغط العمل والظروف الصعبة.
توجد تضحيات كبيرة… والمستوى السياسي والحكومي لا يظهر الاهتمام الكافي بتحسين معيشة رجل الأمن.
لكن يوجد خلل وقصور بالمقابل لم يعد من الممكن التغاضي عنه، ومعالجة ضغط العمل الهائل بالنسبة لرجال الأمن العام والدرك تحديدا مسألة في عمق صلاحيات السلطة التنفيذية والسياسية التي لا تقوم بواجبها في هذا الاتجاه.
وليس سرا ان جهاز شرطة محلي تبرمج في الكادر والميزانيات على إدارة عمليات تتعلق بـ 6 ملايين انسان مضطر الآن وبنفس الإمكانات للعمل مع 12 مليون انسان غالبيتهم من الضيوف واللاجئين، بما تحمله هذه الكلمات من معاني ودلالات ومؤشرات مربكة للواقع.
يوجد قصور غير مقبول بالنسبة للأردنيين والإرهاق كبير عند العاملين في القطاع الأمني، وواجب الجميع التعامل بموضوعية وصراحة مع مثل هذه الحقائق حتى لا يصبح الخلل أو القصور مدخلا في المستقبل لانتقاد الأمن ولضعف هيبته وسط الناس.
وحتى لا يصبح بالضرورة ـ وهذا الأهم ـ مدخلا لا سمح لله لاختراقات ترتكب بحق الأردن والأردنيين جرائم بشعة رصدنا مؤخرا بعضها، وعلى رأسها اغتيال صحافيين وسياسيين، لأن الأردن بقي دوما بلد التسامح والتعدد وعنوانا للتنوع وملاذا للهاربين من القمع، ولم يشهد في تاريخه الحديث اغتيالات إجرامية ذات طبيعة سياسية.
واجب الحكومة ووزير الداخلية حصريا إجابة الرأي العام على الأسئلة الأمنية التي لازالت عالقة، والتي لا تسقط بأثر رجعي أو من الصعب نسيانها.
واجب المستوى السياسي في الدولة أن يتحدث بشفافية مع الناس للحفاظ على الثقة بهم في بلد يقول رأس الهرم فيه بان الأردن لا يخفي ولا يخاف شيئا، وفي مملكة تعلن مرجعياتها عدم وجود ما يمكن اخفاؤه ويشجع قائدها الناس على قول رأيهم بشفافية وشجاعة وجرأة، مادام الدافع وطنيا وأخلاقيا. من حق الناس معرفة تفاصيل بعض العمليات الاجرامية الدنيئة التي جرحت شعورهم الوطني واقلقتهم في جرائم اقلقت الجميع ومن الصعب الرهان على ان النسيان يطويها.
مرة اخرى ينبغي ان نعرف ما الذي حصل في جرائم مثل البقعة وناهض حتر ؟ ولماذا القي القبض في الحالتين على المجرم من قبل المواطنين وليس الأمن ومن قبل لا بد من التحدث بشفافية عن جرائم اخرى من النوع الغامض.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين