مدريد ـ «القدس العربي» محمّد محمّد الخطّابي: خلال أحد لقاءاتي بالشّاعرالسّوري علي أحمد سعيد إسبر (أدونيس) على هامش ملتقى إحدى الدّورات الأخيرة للمهرجان العالمي للشّعر الذي يُنظّم كلّ عام في مدينة غرناطة، كان – أثناء دردشة خاصّة لي معه – باعتباري من كُتّاب «القدس العربي» تفضّل ووجّه تحيّةً لهذه الجريدة ولقرّائها، فسجّلتُ له أنّه قال لي لحظتئذٍ بالحرف الواحد مشكوراً في هذا القبيل: («القدس العربي» صحيفة أداومُ على قراءتها بانتظام، وهي الجريدة التي ينبغي أن تُقرأ، هي شهادة عربية على مستوى عالمي في التوكيد على الحقيقة، وعلى صدق التعبير في نقل هذه الحقيقة، وعلى النضال من أجل الحقيقة).ونحن جلوسٌ، والشّفقُ الغرناطيُّ البهيج الذي ليس له نظير يُعلنُ انصرام يوم، وانسدال ستائر الليل الجميل في تؤدةٍ، وتأنٍّ، ورفقٍ، وهدوء على جدران ومرتفعات، وآكام قصرالحمراء، فإذا بصوتٍ شاعريٍّ رخيم يُسمع من بعيد، من وراء الأفق الأحمر القاني البعيد يترجّى الشمسَ المائلة نحو المَغيب صادحاً «يا شمسَ العشية أمهلْ لا تغيبي بالله رِفْقَا/هيّجتِ ما بيَ حتىّ زدتني في القلب شوقَا / ترفّق عليّ إني بالمليح قد زِدتُ عِشقَا».. وفي تلك اللحظة أيضاً، في مدينة السّحر والعطر والصَّبا والصّبايا والجمال، رمقنا طيفَ ابن سهل الإشبيلي الأندلسي وهو يشرئبّ بعنقه، ويطلّ علينا بهامته من على أكمة الحمراء، ولسانُ حاله يقول مخاطباً أدونيس:
كيف خلاص القلب من شاعرٍ / رقت معانيه عن النقدِ
يَصغر نثر الدرّ من نثره / ونظمه جلّ عن العقدِ
وشعرُه الطائلُ في حُسنه / طالَ على النابغة الجعدي
لا جَرَمَ أنّ غرناطة مدينة سحرتْ أدونيس، وهام بإسبانيا حبّاً وصبابةً، وهوىً وجوىً. قال الشاعر الكوري كيم كيدونغ على لسانه: «إن مدينة غرناطة قصيدة كبرى»، ويؤكّد أدونيس من جهته وسواه من الشّعراء في الماضي والحاضر والآتي أنّ غرناطة هي حاضرة الشّعر والأدب والإبداع بدون منازع في إسبانيا، كلّ ركن من أركان هذه المدينة يبدو وكأنّه عالم سحري رومانتيكي حالم، حافل بالأساطير والخيال، يفوح بعطر الشّعر، وعبق التاريخ، فقد كانت هناك دائماً صلة وثقى، وآصرة لا انفصام لها بين هذه المدينة والشعر، وقصر الحمراء وجنّة العريف، وحيّ البيّازين، وفيدريكوغارسيا لوركا من العلامات البارزة التي تؤكّد هذه الحقيقة، ناهيك عن ماضي المدينة الزّاهر إبّان الوجود العربي والأمازيغي فيها، حيث ازدهرت مختلف أنواع العلوم والمعارف، وفنون القول والإبداع وفي مقدّمتها الشّعر والموسيقى، وها هي ذي جدران الحمراء تقف شامخة شاهدة على ذلك، إنّها تحفل بالعديد من القصائد الشّعرية الرقيقة، لابن زمرك، وابن الجيّاب، ولسان الدين ابن الخطيب، وابن سهل الإشبيلي وسواهم من الشّعراء الأندلسيّين المُجيدين، الذين نُقشت أشعارُهم على جدران هذه المعلمة الحضارية والعمرانية الرائعة، أو علّقت كما كانت تعلّق قديماً قصائد أصحاب المعلّقات أو المذهّبات على الكعبة، وقصائد شعرائنا الأندلسيّين ما زالت موجودة إلى يومنا هذا ماثلة أمامنا وأمام الفيض الهائل والكبيرمن الزوّار الذين يتقاطرون على «الحمراء» كلّ يوم من كلّ صوب وحدب، من مختلف أصقاع العالم. وفي المكان نفسه الذي اغتيل فيه زنبقة الشعر الإسباني فيدريكوغارسيا لوركا، وكذا في منزله ما فتئت تُنظّم قراءات شعرية، وعروض موسيقية على امتداد الحول تقديراً للشّعر ولعبقرية هذا الشاعر، ألم يكن هاجس الموت في شعره قويّاً زخماً؟ أليس هو القائل: أصوات الموت دقّت/ بالقرب من الوادي الكبير/ أصوات قديمة طوّقت/ صوتَ القرنفل الرجولي/ ومات على جنب.
العربية أعطت الكثير للّغة الإسبانية
عندما ألقتْ عليه الشاعرة الإسبانية راكيل لانسيروس – ضمن فعاليات المهرجان التاسع العالمي للشّعر في المدينة نفسها الآنفة الذّكر – جملةً من الأسئلة حول مختلف المجالات التى لها صلة بالشعر والإبداع على وجه العموم، وبعض مشاغل واهتمامات حياتنا المعاصرة في العالم العربي بوجه خاص، قال الشاعر أدونيس متحدّثاً بلغة مُوليير مخاطباً الحضور: «كان بودّي أن أتحدّث إليكم باللغة العربيّة وليس باللغة الفرنسيّة، لأنّ العربيّة أعطت الكثير للّغة الإسبانية، كما أنّ الشعراء العرب تعلّموا الكثير من الأندلس التي نحبّها كثيراً».
وجّه في مستهلّ كلامه تحيّة حرّى إلى جميع الشعراء في إسبانيا والعالم. ثمّ قال: لا السياسة، ولا التجارة تعبّران عن هويّة شعب، فالذي يعبّر تعبيراً حقيقياً عن هويّة شعب هو الخلق والإبداع، والقصيدة هي أسمى وسائل التعبير في مختلف الميادين، وهي أعلى مراتب الإبداع، هناك أناس يكتفون بالنظر الى العالم،وهناك أناس آخرون وهم الشعراء يذهبون إلى أبعد من ذلك، إنّهم يحاولون الدخول في عقول القرّاء، ويعملون على تحويل العالم إلى مكان أكثرَ أمناً وشاعرية. وينبغي على الشاعر أن يكون شاهداً على ما هو حقيقي أو مخادع، ومن ثمّ يأتي اهتمامه بالكائن البشرى». ويرى أدونيس: «أنّ الشعر يتخطّى الكلمات وهو ضربٌ من ضروب الوجود، ذلك أنّ دَور الشاعر هو الكفاح الدائم، ودعم الثورات الحقيقية». وقال: «إنّه لم يُسهم بمفرده في تطوير الشّعر العربي – كما ذهبت الشّاعرة الإسبانية راكيل لانسيروس- بل كان هناك شعراء كبار كثيرون تعلّم منهم، فقد رافقه شعراء آخرون قبله وبعده الذين أسهموا جميعاً في تطوير الشّعر العربي الحديث». وقال: «إنّ الشّعر بالنسبة له هو الحبّ، وهو أبعد من الكلمات والتعبير». وقال: «إنّه يكتب ليعيشَ أحسن، وليتفاهمَ أكثر ولكي يفهمَ الآخرين والعالمَ الذي نعيش فيه، وهو لا يستطيع العيش من دون شعر، والخلق أو الإبداع عنده هو التعبيرعن مختلف ميادين الأدب والشّعر والتشكيل والموسيقى. الإبداع هو التغيير وإعطاء صورة جديدة للعالم، هو إعطاء صورة جديدة للكلمات». وقال: «ينبغي لنا تغيير العلاقات بين العالم والنصّ والشّعراء والإبداع في جميع الميادين، والقصيدة ليست إنتاجاً، التصنيع هو إنتاج، والإبداع هو الشّعر، والشّعر رحلة جوّانية للبحث عن صورةٍ أكثرَ إنسانية للعالم الذي يحيط بنا».
أدونيس والتوحيدي والشّعر
وقال أدونيس «إنه هاجر عام 1956 من بلده سوريا، وهو يقيم في فرنسا منذ أوائل الثمانينيات، وهو ضدّ الأيديولوجيّات التي تستأثر بالسلطة، ولا تهتمّ بتغيير المجتمع، والسّلطة الحقيقية هي التي تغيّر المجتمع ومؤسّساته لتصبحَ أكثرَ عدالة وأكثر حريّة»، وتحدّث عن فصل الدين والدولة، وأشار إلى: «أنّ الإسلام عقيدة وثقافة، ولا ينبغي أن يُستعمل لأهداف سياسية، وهو يتفهّم الحركات التي عرفها العالم العربي، وأن الشباب العربي قام بحركة رائعة، وعلى الرّغم من العراقيل فإنّ هذا الشباب سيستمرّ في هذه الثورة». وقال: «ينبغي على الشّعراء والكتّاب أن يقفوا إلى جانب المقهورين، وهو ضدّ التدخل الأجنبي والأمريكي على وجه الخصوص، وأنّ هذا التدخل لا يمكن أن يفضي سوى إلى العنف»، وضرب مثالاً بالأوضاع المعاشة حالياً في العراق واليمن وليبيا وتونس، وقال: «إنه ينبغي لنا أن ننتظر حتى نرى ما ستؤول إليه الأوضاع في العالم العربي»، وقال: «إنّ الغرب يتظاهر أنه يدافع عن حقوق الإنسان، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي ان يبدأ بسورية»، وقال « إنّ الشعب الفلسطيني الذي طرد من أرضه منذ خمسين عاماً لا يقول عنه الغربُ شيئاً، ولا يفعل شيئاً للدّفاع عن الحقوق المهضومة لهذا الشّعب». وأضاف أدونيس في هذا السياق: «إنّ الغربَ لا يدافع عن حقوق الإنسان بقدر ما يدافع عن مصالحه الإستراتيجية، وعن البترول والغاز والطاقة»، ودافع أدونيس عن حرية المرأة، وقال لا يمكن أن يكون هناك مجتمع حرّ بدون حريّة المرأة.
وعاد أدونيس بعد ذلك إلى الشّعر فقال: «إنّ الشّعر تقليد مشترك بيننا وبين الإسبان، وهو يشعر بأنّ فيديريكو غارسيا لوركا، وسائر الشّعراء الإسبان هم عرب، مثلما يشعر هو بأنّه شاعر إسباني، وقال إنّ الشعر يمحي ويُزيل الحدود بيننا، واستشهد أدونيس بـ»التوحيدي» الذي كان يقول الصّديق هو الآخر، وهذا الآخر هو أنت نفسك، وهكذا يغدو الآخر عنصراً مُكوِّناً أو مُؤسِّساً للأنا، والشّعر هو الذي يلقّننا ذلك ويقودنا إليه».
وهو أنّ الرّوائييّن ليس لهم أيّ تأثير كبير في المجتمع المعاصر، حتى إن كان لهم قرّاء أكثر ممّا لدى الشعراء، فالروائيّون يمرّون في عقل أيّ إنسان بطريقة أفقيّة وسطحيّة، وهم يؤثّرون في القرّاء المستهلكين، أمّا الشعراء فإنهم يؤثّرون في القرّاء المبدعين، فسرد العالم يعني نسخه، وإذا كنّا ما نقوم به هو استنساخ الحياة، فإننا لا نقوم بأيِّ شئٍ حقيقيّ، فالفنّ والإبداع ينبغي لهما خلق طاقة منتجة، والشّعر يتميّز برؤية خاصّة وشاعرية نحو العالم. وعندما سئل عن دور الشعر في المجتمع المعاصر، قال: «الآن يبدو أنه لم يعد للفلاسفة والعلماء ما يقولونه، ولكنّ الشّعراء نعم». ويرى كذلك أنّ الشعر لا ينطوي على جانب علمي، ولهذا فقد لا يكون في مقدوره تغيير العالم، إلاّ أنه يمكنه تغيير رؤية الإنسان حيالَ هذا العالم، ونوعية علاقاته مع الآخرين».
وقال: «إنّ علاقته بالشّعر هي أكثر غنىً وثراءً الآن ممّا كانت عليه عندما بدأ ينظم الشعر منذ سنوات بعيدة خلت، وطالب أدونيس بمزيد من الحوار البنّاء، والتفاهم المتبادل، وقال إنّ لديه الثقة الكاملة في الطاقات البشرية المتوفّرة في حوض المتوسّط شريطة ألّا نظل حبيسي التجارة والعسكرة، وقال يبدو للناس أنّ هناك ثقافة متوسطية واحدة، ولكن هذا ليس صحيحاً، فالمتوسط يقدّم لنا ثراءً، وتنوّعاً رائعين، ولهذا ينبغي لنا أن نهتدى لإيجاد طريقٍ للتفاهم والحوار».
المهاجرون واللاّجئون
مأساة حقيقية
وكان الشاعر أدونيس من جهة أخرى قد قال مؤخراً عمّا أطلق عليه بـ«الربيع العربي» لإحدى الجرائد الإسبانية الكبرى (الباييس): «لقد كتبتُ الكثير حول هذا الموضوع، لقد انتهى كلّ شيء، وتحوّل إلى نزاع دولي بعد أن تجاوز العنف سوريا بشكل كبير». وعن شعوره بعد الأحداث الأخيرة التي عرفها الغرب وبالتحديد في باريس؟ أشار إلى «أنّ ذلك كان فظيعاً، وأن الذين قاموا بهذه العمليات كانوا مرتزقة، فـ«داعش» تحارب ومعها أناس من 80 بلداً، لقد ذبحوا الناس، ووضعوا النساءَ داخل أقفاص، وباعوهنّ كما لو كنّ سلعة، هذا شيء رهيب، لقد حطموا أعمالاً كبرى للمعمار والفنون،، ودمّروا ونهبوا المتاحفَ هذا ليس ثورة، الثورة ينبغي لها الحفاظ على التاريخ وعلى الفنون، أيّ ثورة هذه التي دمّرت سوق حلب الذي كان عملاً رائعاً وفريداً؟ هل في مقدور ثورة سورية حقيقية تدمير حلب أو تدمر؟
وقال إنّه عندما يرى آلاف الأشخاص من المهاجرين واللاجئين في الطرقات الأوروبيّة بحثاً عن ملجأ وهم يُسامون سوء المعاملة من طرف الأوروبييّن الذين يتردّدون في قبولهم – يشعر بأننا أمام مأساة حقيقية»، وكان أدونيس قد وجّه تحيّة إلى ألمانيا التي قال عنها: «إنها كانت من أكثر الأقطارالأوروبية كرماً، حتى إن لم تكن قد استعمرت البلدان العربية. أمّا الدّول التي استعمرت البلدان العربية مثل المملكة المتحدة وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا، فقد كانت أقلّ كرماً من ألمانيا»، وهو يرى أنّ الثقافة شيء ينقص العرب، كما ينقصهم العمل كذلك، فالبطالة تعتبر مشكلة كبرى، فضلاً عن المشاكل الاجتماعية، والقبلية والاعتقاد والروابط الأسرية والعِرقية، كلّ هذه العناصر ما زالت هناك». وقال: «إننا لم نتمكّن من إيجاد الحلول بعد لأيِّ شيء، لأننا – حسب اعتقاده – لم نتمكّن من فصل الدّين عن الدّولة، وثقافتنا ما زالت قبلية وقديمة ودينية».
أدونيس يخاطب السّويديّين
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ أحدثَ كتابٍ لأدونيس المثير للجدل «العنف في الإسلام» صدرت مؤخراٌ طبعتُه السّويدية في ستوكهولم، وقد استُقبِل هذا الكتاب في البلد المُنظّم والمَانح لجائزة نوبل العالمية – التي رُشِّح لها أدونيس مرّاتٍ ومرّات- استُقبِل بغيرِ قليلٍ من عدم الحفاوة والترحاب، فقد كتب الأستاذ المتخصّص في علم الإسلاميات في جامعة لوند ريكارد لاغرفال عن كتابه مقالاً نقدياً لاذعاً بعيداً عن أيّ إطراء.
ويشير هذا العالم إلى أنّ أدونيس يقرّر في كتابه أنه «لا ابن رشد، ولا ابن سينا، ولا الرّاوندي كانوا مسلمين بالمعنى الحقيقي». كما يشير أنه لم يوجد في أيّ وقتٍ شاعر عربي كبير، ولا متصوّف، ولا فيلسوف مسلم صادق الإيمان، حيث أنهم اتّسموا – في نظره – برفض الشريعة. ويشير ريكارد لاغرفال إلى «أنّ ذلك يمكن أن ينطبق على الفيلسوف الراوندي الذي رُمي بالإلحاد، علماً بأنّ معظم أفكاره كانت قد روّجتها كتبُ خصومه ومناوئيه، «كما اتّسمت آراء أدونيس في السّياق نفسه بنوعٍ من المبالغة، والمغالاة حيال هؤلاء المفكرين المسلمين الآنفي الذّكر مُضافاً إليهم صاحب «الفتوحات المكية» الصّوفي الشّهير ابن عربي المُرسي (نسبة إلى مدينة مرسية الإسبانية) وسواهم. ويعاتب ريكارد لاغرفال أدونيس كونه لم يتعرّض في كتابه لموضوع حرية المرأة، ولا إلى نضالها في مختلف بلدان المشرق العربي. كما أنه لا يتعرّض بتاتاً للنقاشات الحامية الوطيس التي دارت رحاها حول هذا الشأن خلال القرون أو بالأحرى العقود الأخيرة التي خلت. ويشير عالم الإسلاميات لاغرفال في ذيل مقالته إلى أنّ أدونيس عندما يتحدث عن التاريخ كشاعر يكون في وضعٍ مريح، إلاّ أنه عندما ينأى عن المجال الشعري يغدو عكس ذلك .