على كثرة الحديث عن حرب أكتوبر والاعتزاز الفائق بالانتصار العظيم منذ ثلاثة وأربعين عاماً، حيث حققت القوات المسلحة المصــــرية إعجازاً تاريخياً بتدميرها خط بارليف الحصين وعـــــبور قناة السويس وكبدت العدو الإسرائيلي خسائر فادحــــة، لم ينل الحدث العظيم حقــــه من التوثيــق الحقيقي، وظلت علاقة السينما به مقصورة على ما تم تصويره في عدد محدود من الأفلام، لم تفِ بالمعنى ولم تقدم جوهر الانتصار كما ينبغي على الشاشة، اللهم إلا ببعض الاجتهاد الذي أســـفر عن صور مصغرة لملامح الحرب الشرسة التي دارت رحاها على مدار ستة أيام متتالية.
التجارب السينمائية التي قُدمت وتمثلت في أفلام «الرصاصة لا تزال في جيبي» و»يوم الوفاء العظيم» و»العمر لحظة» و«بدور» لم تزد عن كونها ترجمات متشابهه لحالة الفرح والحماس والفوران التي واكبت المرحلة ذاتها إبان قيام الحرب، فرغم ما بُذل من جهود ضخمة على مستويات عديدة من التحضير والتصوير والإنتاج، ظلت الأفلام المذكورة وغيرها مجرد لوحات فنية تقدم شكل الحرب دون معناها، فقد تم التركيز على مشهد العبور فقط كمنجز وحيد في معركة الانتصار، بين ما كان يحدث في الجبهة الداخلية من ردود أفعال لحالة الحرب كان غائباً تماماً في الصورة السينمائية وأعني بذلك السينما الروائية الطويلة التي كان بإمكانها تقديم الحالة الاجتماعية ضمن خلفيات الحدث الرئيسي، ولكنها ذهبت لاستثمار الحالة الرومانسية بين البطل والبطلة في معظم الأفلام، الأمر الذي لم يجعلها فارقة كثيراً عن الفيلم الرومانسي أو الاجتماعي المعتاد، وهذه نقطة ضعف حالت بين الأفلام الحربية أو المفترض أنها حربية والتفاعل الجماهيري معها على النحو التعبوي المرجو، باعتبار أنها نماذج استثنائية يجب أن تكون مختلفة ومبهره بما يكفي.
هناك تجارب فنية سينمائية لاحقه على الأفلام المذكورة أراها الأوقع والأبرع في تقديم الصورة الحقيقية للحرب والانتصار، من بينها فيلمان للمخرجة إنعام محمد علي، الأول «حكايات الغريب» وهو نموذج اعتنى بالتأثيرات الداخلية واهتم بالحالة الاجتماعية للشعب خلال الأيام الصعبة، فطرح صوراً بطولية للأفراد العاديين من خلال رحلة البحث عن الشخص الاعتباري سائق عربة الصحافة الغائب «محمود الجندي» كما عرض لبعض الصور السلبية لتجار السوق السوداء الذين استغلوا الظروف فاحتكروا السلع التموينية وهو تقديم موضوعي للصالح والطالح من المواطنين على اختلاف نوعياتهم وثقافاتهم وشفافية تحُسب للمخرجة الكبيرة التي كشفت عن الوجه القبيح والسلوك المشين لبعض الانتهازيين وأغنياء الحرب، وهي ذاتها إنعام محمد علي التي قدمت فيلم «الطريق إلى إيلات» عن حرب الاستنزاف مقدمة الانتصار لحرب أكتوبر/تشرين الأول 73 وكانت معنية بتجسيد البطولة الحربية والتأكيد على أنها كانت حرباً مكتملة الأوصاف جاءت كرد فعل لنكسة يونيو/حزيران 67 واستمرت تستنزف العدو نحو ثلاث سنوات أو أكثر، وللحقيقة والأمانة فقد جاء الفيلم المعتبر محاكاة حقيقية لبطولة سلاح البحرية المصرية إبان الفترة الحرجة من عمر مصر ونجحت المخرجة في توثيق العملية الحربية كنموذج بطولي وعسكري مشرف.
هناك أيضاً فيلم آخر للمخرج علي عبد الخالق ربما يكون الأحدث بين الأعمال الكبرى التي تناولت الحرب من منظور تسجيلي، رغم أنه فيلم روائي طويل، وهو يوم الكرامة، حيث قدم فيه عبد الخالق صورة واقعية أيضاً للعملية الحربية الأبرز في معارك الاستنزاف الطاحنة وركز على عنصر المفاجأة في الانتصار الساحق الذي حققته القوات البحرية بتدميرها المدمرة إيلات، وقد غاير المخرج تجربة إنعام محمد علي عن الموقعة نفسها بأن عمل على إظهار رد الفعل الإسرائيلي بعد الضربة الموجعة، حيث لم ينته الأمر ولم تُحسم المعركة بمجرد تدمير السفينتين الحربيتين العملاقتين، بل دارت على مدى ساعات معركة تاريخية في عرض البحر عادت منها القوات البحرية المصرية منتصرة وبجدارة، هذا ما أظهره الفيلم في زمن درامي طويل للتدليل على تفاصيل المعركة وماهيتها، ويأتي ذكر التجربة السينمائية هنا لارتباطها بفكرة القتال من ناحية وصلتها غير المباشرة بانتصار أكتوبر كمقدمه له كما أوردنا سلفاً.
أيضاً أنجزت السينما المصرية فيلمين مهمين في هذا الخصوص، الأول هو «أبناء الصمت» عن صلابة الجندي المصري وعدم تسليمه بالهزيمة التي وقعت في عام 67 وإصراره على التشبث بالمدفع حتى النهاية، وهو معنى دلالي لقوة العزيمة وشدة الاحتمال وهذا الفيلم جمع بين عدة أبطال منهم محمود مرسي وصلاح قابيل وصلاح السعدني وسعيد صالح وحمدي أحمد ونور الشريف والسيد راضي، أما الفيلم الثاني فهو الذي لم يرى النور بعد واسمه «حائط البطولات» فرغم إنتاجه منذ سنوات إلا أنه لا يزال رهن الإشارة بالعرض في سياق يسمح باستيعابه كعمل فني فارق ومختلف.
باستثــناء ما ذكرنا من بعض التجارب يظل إنجاز فيلم عن حرب أكتوبر يليق بها وبتضحياتها حُلم كبير يستأهل الشحذ والاستعداد على مستويات كثيــــــرة يأتي في أولــــوياتها الكتابة التاريخــــية المتخصصة والإنتاج السخي والأخير يستلزم تدخــــل الدولة لــتوفير الميزانية المطلوبة وتذليل العوائق والصعوبات وهو أمل معلق في رقبة المعنيين بالأمر.
٭ ناقد سينمائي مصري
كمال القاضي