من متابعة المقالات المنشورة بشأن شخصية الرواية العربية المعاصـرة اليوم، لمسنا أن أغلب أصحاب تلك المقالات يقدمون طروحات مــا تـزال بعيدة عن حقيقة الوظيفة الكبـرى للرواية في عالمنا الثقافي والفكري المعاصر.
فهي مجرد (حكايـة جدتي) عند موقد الشتاء، وعند بعضهم (حكواتي التخـت في المقاهي) ولـدى بعضهم هي من جنس بضاعة الأفرنجة المستوردة. وربما قليل منهم منْ سعى لربطها بالموروث، وتأسيساً على تلك الرؤى المتضاربة كألوان قوس قزح تأتـي التأويلات والتفسيرات والنظريات لتثبت وجهة نظرعلى حساب أخرى، حتى أصبحت الكتابة في شــؤون الرواية موضوع منْ لا موضع له إلا الدخول في (غمرات المياه) مع السيارة، لعل السنارة تصطاد سمكة من دون (طُعم) لذي حظ عظيم.
لو عدنا إلى أصل لفظ الرواية فهي من الفعل (روي) المعتل الياء، والاسم منه الري.. وهو مرتبط بشــؤون الماء في الأرض والسحاب، فهو الرواء: الماء الكثير. والـروي: السحاب العظيم القطـــر. لهذا سمى النبي الكريم السحاب (روايا البلاد) ومنه الراوية كناية: الإبل التي تحمل الماء تشبهاً بالراوية وهي المزادة ( أي القربة حافظة الماء بمُكاء) كما في قول أبي طالب:
وينهض قوم في الحديد إليكمُ
نهوض الروايا تحت ذات الصلاصلِ
ومنه يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجــة سمي به لأن الحجــاج يتروون فيه من المــاء وينهضون إلى مِنــى، ولا مــاء فيها (آنذاك ) فيسقــون ويستقون… ومنه أيضاً الروايا: وهم سادة القوم الذين يحملون عن قومهم الديات لإحلال السلام بين الناس بالتراضي.. ومنه الري: المنظرالحسن الدال على النعمة والقــوة الفتية، لهذا قيل لحبل الخباء والخيمة المفتول: الرواء والجمع الأروية. ومنه الأروية: أنثى الوعول الجبلية. ومنه أيضاً جاء روي الشعر كقول الفرزدق:
أما كان في معدان والفيل شاغلُ
لعنبسة الراوي علي القصائدا
والراوي الذي كثرت روايته والهاء للمبالغة في صفته بالرواية… قال الجوهري: رويت الحديث والشعر رواية من قوم رواة. ومنه حرف الروي اللازم في كل بيت شعر. ومنه الروية في الأمر: عدم التعجل. والراوي: الذي يقوم على تربية الخيل. وهكذا نجد أن أصل اللفظ مرتبط بحالات متعددة المظاهر موحدة الجذورالعربية. وهل السياسة إلا كذلك مظاهرمتعددة العنوان لمصلحة واحدة (خفية عن العيان)، فلو استعرضنا ما كتب ونشر بشأن فنون الرواية اليوم سنقف على جمل من الآراء التي تضع تصنيفات (مدرسية) للرواية. فهي رواية سياسية ورواية رومانسية ورواية تاريخية ورواية واقعية اجتماعية ورواية نفسية ورواية وطنية ورواية بورجوازية ورواية شعبية ورواية تعليمية ورواية بوليسية ورواية خيالية ورواية التمهن (السيرة الذاتية).
أما الرواية السياسية فيصفها البعض بأنها قصة الأحداث الجسام على المستوى الكوني العالمي والقومي العربي والمحلي الوطني.. وآية ذلك لديه أن ظاهرة الرواية السياسية موجودة في الأقطار العربية كلها تقريباً. ولا ريب فيه هو أن القيم الجمالية تتداخل وتتضافر مع الأفكار الأيديولوجية في الرواية السياسية العربية، وهكذا يكون التصنيف المدرسي قد وشم الرواية بطغراء عثمانية أحادية الجانب، وهو يحسب أنه قد أحسن صنعاً. من هنا نقول إن تصنيفات نقدية كهذه، مبتسرة الرؤية، لأن الرواية الغداة في جوهرها هي الوجه الآخر للسياسة فليست ثمة رواية سياسية ولا اجتماعية ولا وجدانية، بل الرواية هي المجموع النوعي لكل تلك التصنيفات مرة واحدة، أي أن الرواية أصبحت (أم سبع عيون تقي من الحسد وتراه). ولأن كل شيء في حضارة الإنسان يخضع للسياسة فالرواية هي أعين الشعب مقابل آذان الحاكم، وهذه الثنائية هي التي تخلق الصراع العقدي للوصول إلى الحل الدرامي… فمنْ يمسك بالرواية يمسك بنبض الشعب الحي ولا يوجد حاكم يحكم نفسه من دون شعبه إلا عند الكاتب جبران خليل جبران في قصته عن الحاكم والوزير والنهر في المدينة المجنونة. وإنْ لم نستطع فقه جوهرالرواية بأنها الوجه الآخر للسلطان الشعبي سنبقى في المرحلة الابتدائية من التصنيف المدرسي لعالم الرواية، الذي هو عالم الشعوب حقاً.. ولهذا أصبحت روايات الشعب: خالدة منذ حكايات ألف ليلة وليلة مروراً بروائع شكسبير إلى عبقريات الروائيين في القرنين التاسع عشر والعشرين. فمثلما كل شيء (علم) حتى الحب، كذلك كل مشروع حياة رواية شعب. من هنا القصص القرآني رواية والسيرة النبوية رواية وحروب الردة رواية ودستورالمدينة رواية والرأسمالية والبيان الشيوعي لماركس رواية وثورات العبيد والأحرار رواية وتحقيق لقاء سري بين المخبر والجاسوس في العتمة رواية والخيانة للأجنبي والمقاومة المخلصة رواية. ومن هنا نستطيع أنْ ندرك خطورة ثورة الرواية العربية المعاصرة بأنها صحوة شعبية للمثقفين الأحرار، مقابل عزلة الحاكم المبين وأتباعه النفر الضال… فمنْ لا يكتب رواية وهو قادرعليها يكون في ظل (قلعة) الحاكم الشطرنجية. وكل حاكم إلى (كش). ومنْ يكتبها بإخلاص يعلن الثورة والحرية من دون بنادق الشرطة والجيش ليكون بطل السرد الجديد ولبناء الوطن الخرب وسيؤول (مسرورا) إلى شخصيات المشهد الثانوية رغم كاميرات تصوير كادر (السيناريو) المحيطة بالقلعة العاجية.
إذن لتتحرروا من الشيطان أكتبوا رواية الإنسان لأن الرواية فيها نزعة الحرية أو لتكتبوا قصة قصيرة اللفظ ثرة المعنى وهذا أضعف الإيمان، لأن القصة صرخة مدوية. إذن الرواية (كلها) سياسة بامتياز، إنما هي سياسة الناس لا سياسة الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس. حينذاك سيرتوي الجميع رواية من النهر العذب في جريانه الغدق من دون جنون ولا شيطان أزرق… وستعود الجدات ليقصصن في ليالي الصيف والشتاء حكايات (كان ياما كان). ودون ذلك سيبقى (التخت) في المقاهي الشرقية منصوباً ليل نهار ليأجوج ومأجوج هذا الزمان يقصان مغامرات الزير سالم وسيف عنترة البتار فوق الحصان الذي سرق به إبل الملك النعمان من بادية الحيرة مهراً لعبلة.
٭ كاتب من العراق
جمال البدري