إسرائيل ستشعر أنها يتيمة بدونه

حجم الخط
0

لست على يقين من أن بيريز كان سيختارني لكتابة مقال لاحياء ذكراه. فمن ناحية، زادت علاقتنا حميمية مؤخرا بسبب مقالاتي في «هآرتس»، ومن ناحية اخرى، علاقتنا السياسية لم تكن تخلو من التوتر. ولكنني أكتب عنه من أعماق قلبي. لأن صورته كبرت في نظري في السنوات الأخيرة ولأنني لم ألتق أبدا مع شخصية سياسية عامة تشبهه.
بصفتي شابا بحث عن طريقه السياسي، رأيت في بيريز ممثلا للجناح الصقري في الحزب. ولكنه مع مرور الوقت غير مواقفه وتحول إلى العمود الفقري لفكرة السلام ـ والمسوق الاكبر له سلبا وايجابا.
لقد كان بيريز استثنائيا لأنه كان يدمج بين الهدف والتنفيذ بشكل رائع. ولم يكن هناك الكثيرين من رؤساء الحكومات مثله. لقد كنت سكرتيرا لحزب العمل في العام 1985، حينما كان يضع خطة انقاذ الاقتصاد. وقد فعل ذلك بمواظبة واهتمام وكانت له قدرة كبيرة على الاقناع، وتغلب على معارضة اليمين واليسار وقام بعملية تاريخية.
مكانته الدولية زادت وكان مقبولا في اوروبا استطاع فتح كل باب. وقد كان اوروبيا أكثر من كونه أمريكيا، أحب الثقافة والاسلوب والارتباط مع هذه القارة. كان ذلك أكثر طبيعية بالنسبة له.
خلافا للآخرين الذين يميلون مع تقدم العمر إلى الغرق في الحنين، وتعظيم اعمالهم في الماضي، فإن بيريز لم يكن يتحدث كثيرا عن ماضيه وعن انجازاته، بل تحدث كثيرا عن طريقه وقناعته ورؤيته للمستقبل. وحينما كنت في الآونة الاخيرة في منزله حدثني عن خفايا العقل الانساني وعن الخطر في دخول الانسان الآلي الذي قد يضر بالنسيج الاجتماعي. وايضا حدثني عن الاموال التي يجندها من اجل الاولاد اليهود والعرب. من كان أحد قادة شباب مباي، بقي شابا بروحه وفضوله ورغبته في تعلم المزيد. وهو لم يرتاح أبدا.
بيريز كان سياسيا هاما وله قدرة على الاقناع ودحر المعارضة. في جلسة الاتحاد الاشتراكي في العام 1987 في روما أراد برونو كرايسكي، اليهودي من استراليا، اخراج حزب العمل من عضوية الاتحاد بسبب اعمال الجيش الإسرائيلي ضد م.ت.ف في تونس. وبعد الخطاب المتقد لبيريز، كان السؤال الوحيد الذي بقي هو إذا كان كرايسكي هو الذي سيخرج من المنظمة وليس حزب العمل.
كان بيريز رجل سلام. وقد عمل على تحقيقه ايضا. ولكنه لم يرغب في أن يكون في «قائمة اليساريين» المعروفة. وقد قال ذات مرة إن مشكلة اليسار الكبرى هي… اليساريون.
أعتقد أن الوطنية التي عبر عنها والقناعة بعدالة وجودنا هنا قد جعلاه يتخذ مواقف حمائمية، لكنه اعتبر نفسه شخصا وسطيا مع مواقف معتدلة. وقد اعتقد مؤخرا أن حكومة اليمين تدير ظهرها لقيم إسرائيل الديمقراطية.
لم يكن شمعون بيريز سياسيا حكيما في الحزب أو في الساحة الحزبية بشكل عام. ومن كان يريد أن يرى ضعفه كان يمكنه ملاحظة ذلك في الخطوات التي كان يقوم بها داخل الحزب. وقد اختلفنا أنا وزملائي معه ومع اسحق رابين، حيث صمما على التواجد دائما في الحكومة: سواء رئاستها، أو بالتقاسم، أو مجرد شركاء. وهما لم يؤمنا أبدا بالوجود في المعارضة. وقد اختلفت معه اضافة إلى آخرين بسبب رغبته في قيادة الحزب لفترة أطول مما هو مسموح، لكنه آمن بنفسه وبإسهامه الاستثنائي.
إسرائيل ستشعر أنها يتيمة بدونه. فقد منحها المظلة الدفاعية. وخصوصا الذين رغبوا في رؤيتها دولة ديمقراطية ليبرالية تريد السلام وتصرح بذلك حقاً، وليس فقط كضريبة كلامية.

هآرتس 29/9/2016

إسرائيل ستشعر أنها يتيمة بدونه
كان بيريز رجل السلام الذي منح الدولة مكانتها في أوروبا
عوزي برعام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية