■ في كتاب الفيلسوف البريطاني براترند رسل الموسوم بـ»حكمة الغرب» نقرأ تحليلا تاريخيا للفلسفة الغربية الحديثة، من خلال عدد من المحاور التي يحاول من خلالها رسل رسم إطار تاريخي لتطور الفلسفة الغربية.
غير أن الكتاب ينطوي أيضا بين تضاعيفه على بعض الآراء الجديرة بالاهتمام، علاوة على ما تميّز به من منهجية حيث نقرأ توصيفا لنموذج التحولات التي طالت الغرب خاصة، والعالم عامة، وبوجه خاص في مطلع القرن التاسع عشر الذي خطّ تفوقا علميا يفوق في حجمه، وأثره ما حققته البشرية جمعاء على كافة المستويات وبوجه خاص التقنية حيث جاء في الكتاب: «إذا كان من الممكن أن يقال عن القرن التاسع عشر إنه أحدث في العالم تغييرا يفوق ما أحدثته أي فترة أخرى حتى ذلك الحين، التي كان فيها التحول أشد، فقد كانت الحرب العالمية الأولى تمثل نهاية عصر كامل». وإذا كان القرن التاسع عشر من وجهة نظر رسل قد حقق قفزات نوعية، فإن زمننا هذا تجاوز كافة الحدود من حيث تحقيق منظومة غير مسبوقة من حيث التّقدم التقني الرقمي، ما يهدد القيم الإنسانية، وتكوينها الفلسفي الأخلاقي تبعا لانبعاث القيم الافتراضية، وانحسار الزمان والمكان.
يذهب براترند رسل للإشارة إلى تلك النظرة الإيجابية أو أجواء التفاؤل التي سادت العالم، وتتمثل بأن البشرية تتجه نحو المزيد من التقدم والرقي، بالإضافة إلى تكريس السلام على أن تكون أوروبا سيدة العالم، ومركزه، ومع أن هذا يبدو صادقا عند تأمل القفزات النوعية التي سبقت أوروبا فيها سائر الأمم والحضارات، بيد أن التفاؤل لم يدم طويلا، فالعالم لم يذهب إلى العناية بالعلم لتحقيق تقدم حضاري، إنما سرعان ما وظف هذا العلم للمزيد من الهيمنة والصراع، وهذا أفضى إلى خيبات أمل طالت العلماء الذين أسهموا في ابتكارات وكشوف، كانوا يتوقعون أنها ستحقق المزيد من الأمان والخير للبشر. إن حتمية التقدم التي سادت لدى بعض التيارات الفلسفية والفكرية الأوروبية سرعان ما ارتدت، وتقوضت مع بدء توظيف التطور العلمي والتقني في مناح لا تتسق مع النهج الذي أرادته العقول، وهذا يحيلنا بطريقة أو بأخرى إلى المنظور الفلسفي لمعاني التطور بوصفه اتجاها يمكن أن يفضي إلى المزيد من الرخاء للإنسان، وهنا نستعيد مراجعة للتكوين الفلسفي الذي ارتبط لعقود بالعلم، بل كان نتاجا يحتفي بالتداخل بين هذين المكونين، ولكن هنالك تساؤلات حول القطيعة التي انبثقت بين العلم والفلسفة، ولا سيما الحديثة منها، فهل يمكن أن نعدّ ذلك نهاية حتمية للحضارة؟ ما يقودنا إلى نماذج من الانفصال بين القيم والأفكار في العصر الحديث، وهذا يعود بنا إلى المبدأ الذي انطلق منه براترند رسل، وقوامه أن الفلسفة الغربية اتسمت بذلك الارتباط البنيوي بالعلم، في حين أن الفلسفات الشّرقية كانت ذات طابع ديني، أو تاريخي، أو سياسي، أو اجتماعي، ولعل هذا أثار حفيظة فؤاد زكريا مترجم الكتاب، الذي سارع عبر مقدمته إلى دحض التصورات التي دفعت براترند رسل إلى الفصل بين الفلسفتين، والاقتصار فقط على الفلسفة الغربية فقط.
وعلى الرغم من أن فؤاد زكريا يؤكد على أن هذا الرأي قد يصدق على الفلسفة في الشرق الأقصى، ولكنه لا ينسحب على الفلسفة التي تموضعت في منطقة في الشرق الأوسط، فقد كانت قريبة الصلة بالفلسفة الغربية من حيث التأثر والتأثير، ولا سيما إبان الحكم الإسلامي المزدهر، ولعل هذا يصدق في جزء كبير منه في سياق التوصيف التاريخي الخارجي، ولكنْ ثمة تفسير لمنطق براترند رسل في تأكيده على الاقتران بين الفلسفة والعلم في الثقافة الغربية بوجه خاص، واستثناء ما عدا ذلك، كما أننا لا يمكن أن ننكر وجاهة موقف فؤاد زكريا في الوقت عينه، ولكن ثمة ما يمكن أن نشير له في هذا السياق، وهنا أحيل إلى تعليل خاص، ينطلق من أن رسل اعتمد منظورا مركزيا، ولكنه كان مبررا، فالشّرق الأوسط، ولاسيما إبان الحكم الإسلامي مارس الفلسفة، ولكن في أزمنة محددة، وفي أزمنة أخرى أقصيت الفلسفة، وبذلك، فثمة جزء من تكوينه التاريخي يقاوم الفلسفة، فضلا عن وجود سياقات زمنية محددة اتسمت بمقاومة العقل، فأقصيت الفلسفة أو جزء من تكوينها تبعا لهيمنة بعض الاتجاهات، علاوة على تعالي اتجاهات الغيبية، والخرافات في بعض العصور، ولا سيما المتأخرة، وهذا ما عانت منه أيضا أوروبا في فترة من فترات تاريخها، ولكنها تحولت في ما بعد نحو التحرر من النموذج الأوحد، وهكذا فقد مهدت لانطلاق النهضة كما الثورة العملية، ولاسيما مع البدء باكتشاف النيتونية، وسائر الاكتشافات التجريبية الحاسمة في تاريخ العلم، وهكذا عاد التزاوج بين الفلسفة والعلم إلى الواجهة مرة أخرى، ولكن مع تقدّم العلم نحو مناطق بعيدة، فقد بدا للبعض أن الفلسفة في معزل عن العلم، ولكن الحقيقة أن أوروبا اتجهت إلى المزيد من التّخصصية من دون أن تشهد أي أفعال للإقصاء والمقاومة لكافة المستجدات العلمية والفلسفية على حد سواء، فمبدأ القبول، والتعدد والتجاور كفل لأوروبا البقاء والاستمرار الحضاري إلى يومنا هذا.
في حين أن الجانب الآخر، أو الجار الجنوبي، أو ما يطلق عليه الشرق الأوسط الحديث ما زال يعاني من الأزمات الحضارية حيث أجهضت الفلسفة وحوربت، ما أدى إلى التراجع في كافة المناحي المعرفية، ومنها إمكانية وجود نهضة علمية ما، أو نهضة شاملة، التي ما زالت معلقة إلى الآن، وبذلك فقد شهد العصر الحديث الانغلاق الفلسفي والعلمي على حد سواء، في حين أوجدت أوروبا طريقها من خلال اعتماد مبدأ المرونة والتحول كما التكيف، في سبيل ضمان البقاء والهيمنة، وهذا ما قادها لاحقا إلى السيطرة على العالم، بل إلى جعل العالم يرتبط معها بعلاقة بنيوية ذات تشكيل تابعي.
ولعل أنماط التفكير في الشرق الحديث، ولاسيما ضمن العقل العربي لم تتمكن من قرن التفكير بالمناهج العلمية، إذ ما زال يمارس قطيعة بين الممارسة الفكرية، والنماذج العلمية، كما أن الفلسفة ما زالت تنشغل في جزء كبير منها بنقد الممارسات والنصوص المتعالية التي تحول دون تفعيل الطاقات الكامنة للعقل، ولعل هذا ما دفع مترجم الكتاب إلى نقد منظومة التعليل التي ارتضاها براترند رسل، حيث جعل الفلسفة الغربية متقدمة على ما سواها من الفلسفات، ففؤاد زكريا يؤمن بأنه ليس ثمة من ضير في أن تختص كل فلسفة بما تشاء من حيث الارتباط بالمبدأ الديني أو الأخلاقي أو السياسي أو الاجتماعي، ولعل هذا أمر مقبول بل هو مشروع، ويندرج في باب نقد المركزية الغربية، ومع ذلك، فإذا ما تأملنا في كافة تجارب الشعوب الأخرى، ولا سيما ذات المشاريع الحضارية، فسنجد أنها تحتفي بمنظورها الفلسفي بغض النظر عن تفرده عن المبدأ الغربي، كما في الحضارات الشرق آسيوية، وغيرها، ولكنها في المقابل آمنت بمعنى القبول والاختلاف والتجاور، فكانت تتواجد الفلسفة باختلاف توجهاتها بالتجاور مع إطلاق طاقات العلم، وعدم إقصاء كل منهما للآخر، فللفيلسوف الحق بكل ما يعتقد من أفكار سواء أكانت ذات مرجعية دينية أو أخلاقية، أو اجتماعية، بالتجاور مع احترام حقوق العلم، والمعرفة التي تقدمت على الجميع من أجل ضمان القوة والبقاء في عالم بات يقدر العلم بوصفه المصدر الوحيد للقوة، ولهذا نجد أن بعض النماذج الآسيوية تفوقت حضاريا وعلميا. لقد تم الحرص على إبقاء الفلسفة لدورها الموجه والناقد في بعض الأحيان، خاصة عند وجود ما يهدد القيم الغربية، أو عند تغول بعض القوى الرأسمالية، ونبذها للفعل الأخلاقي، كما فعلت الفلسفة الماركسية، ومدرسة فرانكفورت، ولكن مع الحرص على عدم نفي الآخر كلية. إن التطور والتقدم لن يتحقق إلا بالقبول، والتعدد، والنقد، والتحول، بل إن من حق الجميع ممارسة الحياة، ونقد كل ما يستقيم مع مصلحة الأمة، ولكن في الآن ذاته ينبغي صون الفرد وحريته، كما احترام مبدأ الفكر والعقل، فللعالِم مطلق الحرية في الاكتشاف والتجريب، كما للفيلسوف أيضا مطلق الحرية للتأمل، ولرجل الدين مطلق الحرية في الإصلاح، ولكن ضمن ناظم واحد، هو مظلة القانون، أي ذلك العقد الذي يجمع بين الفرد ومؤسسة الدولة، فلا جرم أن يفتتح براترند رسل كتابه بالإشارة إلى ما ارتكزت عليه النهضة الأوروبية من تركيز على الإنسان، وتحييد التراث الكنسي، بالإضافة إلى استعمال اللغات المحلية، بالتجاور مع الإصلاح الديني في ألمانيا وإحياء الدراسات التجريبية والعلوم.
وهكذا نستنج أن أوروبا بدت مؤمنة بالإصلاح، ولكن الأهم من ذلك الإيمان بالمبدأ التجاوري، مع إتاحة لكافة التيارات بالعمل معا لا مكان فيه للإقصاء، أو محاولة فرض منظور واحد، ولعل هذا ما أسهم في أن تبقى الفلسفة والعلم فاعلين في المشهد الإنساني الحضاري الأوروبي، أو الغربي عامة، ولكن الأهم من كل ما سبق الاحتفاظ بالمبدأ النقدي لتصحيح أي خروقات، علاوة على توجيه مسارات بعض التيارات التي ربما تهدد الإرث الغربي القائم على الفردية والحرية وسيادة القانون، والأهم من ذلك محورية العلم الذي ربما سيذهب بعيدا بحيث يقضي على البشرية، ولا سيما إذا ما انتهت الفلسفة، وقيمها النقدية والتأملية من هذا العالم.
٭ كاتب فلسطيني أردني