عملت القيادة الإيرانية منذ جريمة غزو العراق، على التدخل في الشؤون الداخلية العراقية، وإدامة حالة الفوضى والطائفية، في محاولة منها لجعل بلاد الرافدين وسيلة لاستعراض قوتها الإقليمية، بعد جعلها بؤرة للاحتقان والتناحر المذهبي في منطقة الخليج العربي.
رغم رغبة الأغلبية من العراقيين في رسم مسار مستقل عن طهران وعن أجندتها الفارسية التوسعية، لم يتوقف زعماء الجمهورية الإسلامية عن العمل على محاربة أي رؤية وطنية معادية لها، سواء كانت من خلال تحييد الخط الشيعي الوطني والضغط على التيار الصدري العروبي وتهديده، من خلال دعوة السيد مقتدى الصدر لزيارة إيران، غداة دخول الجماهير المنتفضة التي قادها التيار الصدري إلى المنطقة الخضراء، أو من خلال التدخل المباشر في المشاكل الناتجة عن تصاعد التوترات الشيعية ـ الشيعية بين التيار الصدري وحزب الدعوة من جهة وبين حزب الدعوة نفسه من جهة أخرى، نتيجة للاختلاف السياسي والعقائدي بين نوري المالكي وحيدر العبادي رئيس الوزراء الحالي التي كان ضحيتها أخيرا أهم وزارتين سياديتين، هما الدفاع والمالية.
من هنا يرى الكثيرون، أن إقالة البرلمان العراقي لوزير المالية هوشيار زيباري، بعد شهر من إقالة وزير الدفاع خالد العبيدي، تهدف إلى إكمال عملية تغيير موازين معادلة العملية السياسية في الحكومة، من خلال تحجيم دور ومشاركة بعض القوى لصالح أخرى استعدادا وتحسبا للتغيرات المقبلة التي ستفرضها معركة تحرير الموصل على المشهد السياسي والاجتماعي، إذا أخذنا بعين الاعتبار أهمية مدينة الموصل الجغرافية والتاريخية وعلاقتها بمستقبل المشهد السياسي العراقي وشكل الدولة العراقية وطبيعة نظام مؤسساتها العسكرية والسياسية المقبلة.
ورغم أن هذه الإقالات تم ترتيبها وتنفيذها من خلال أسس دستورية إصلاحية، بيد ان باطنها كان ذا طبيعة سياسية خادعة، ترجمت حقيقة ما آلت إليه الأمور في العراق، نتيجة للتدخل الخارجي والصراع على السلطة، حيث عزز اتهام وزير المالية المُقال هوشيار زيباري لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الحليف القوي لإيران وكتلته في البرلمان، بتدبير عملية إبعاده عن منصبه، بالتواطؤ مع رئيس البرلمان سليم الجبوري، في الوقت الذي تتجه الأنظار لتحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم «داعش». ورغم أن إقالة وزير المالية ووزير الدفاع تأتي في سياق الصراع بين المكونات الثلاثة الرئيسية لنظام المحاصصة، إلا ان أن الصراع الداخلي السني ـ السني والصراع الكردي ـ الكردي، كان لهما الدور المكمل في إنجاح مسلسل تصفية الحسابات الشخصية، حيث استطاعت من خلاله إيران التغلغل إلى داخل العملية السياسية عن طريق بعض النواب الذين يطلق عليهم (سنة المالكي) ومن خلال انحياز طهران مع «الاتحاد الوطني الكردستاني» التابع لجلال طالباني، على حساب الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي ينتمي اليه مسعود بارزاني وخاله هوشيار زيباري. وهنا وجب التأكيد على أن عملية إقالة وزيري الدفاع والمالية أتت في ذروة خلافات محتدمة بين «التحالف الوطني الشيعي» المؤيد لمشاركة الحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل من جهة، «وائتلاف متحدون» الذي ينتمي اليه وزير الدفاع «والحزب الديمقراطي الكردستاني» الذي ينتمي اليه وزير المالية هوشيار زيباري.
وهكذا وتحت شعار مكافحة الفساد، تم إبعاد القوى التي تقف عائقا أمام أجندات الجمهورية الإسلامية، سعيا لإدامة نفوذها في المشهد السياسي العراقي، في مجال بناء المليشيات وجمعها في إطار مشروع ما يسمى «بالحشد الشعبي» لتحرير مدينة الموصل، الذي أنيطت قيادته لهادي العامري نيابة عن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ليكون وعلى لسان هادي العامري نفسه «أقوى من الجيش العراقي»، وليصبح في النهاية المنافس للجيش النظامي الوطني. وبالتالي تثبيت قوة طائفية عازلة لعراق ما بعد «داعش» تحول دون أي عودة لمؤسسات الدولة الوطنية المستقلة العابرة للطوائف، القادرة على وقف النفوذ الإيراني المتنامي وإنهاء قدرة الجمهورية الإسلامية في رسم اتجاه حدودها الاستراتيجية في العراق.
لا شك أن تزامن الحملة العسكرية لاستعادة السيطرة على الموصل، وغياب الاستقرار السياسي في الحكومة العراقية، والدور المباشر الذي يلعبه حلفاء إيران في «صراع الإقالات» ساعد في تسليط الضوء وكشف سياسة طهران تجاه العراق، حيث يبذل «الحرس الثوري الإيراني» وبوجود قاسم سليماني في الأراضي العراقية المستحيل لفرض إشراك المليشيات الإيرانية وفصائل الحشد الشعبي في عملية تحرير مدينة الموصل، على الرغم من رفض الكرد والموصليين أنفسهم، الذين يرون في أن تحرير مدينة الموصل المتفق عليه مع الأسرة الدولية يحمل في طياته مخطط منع الحشد الشعبي من المشاركة تجنبا للتجاوزات الطائفية التي قد تحصل، وانسجاما مع فكرة البدء بالعمل على تفكيك «الحشد الشعبي» بعد الانتهاء من تصفية «داعش» الإجرامي وطرده من كامل التراب العراقي. لأنه على العكس، وبمجرد القبول بمشاركة «الحشد الشعبي» في استعادة مدينة الموصل ستعمل إيران على تثبيت مكانة هذه الميليشيات وربطها في مؤسسات الدولة للفترة المقبلة، إذ من المتوقع أن يتم زجها في قوائم انتخابات مجالس المحافظات المقبلة، ليكون لقادة هذه الميليشيات في نهاية المطاف، الأدوار الرئيسية المهمة داخل الكتل السياسية في بغداد وباقي المحافظات، وجعلهم قوة حكومية دائمة، ليصبحوا بالتالي دعامة لأمن النظام السياسي الذي تشرف عليه بعد جعله نسخة «للحرس الثوري الإيراني» على الطريقة العراقية أو حزب الله اللبناني، على الرغم من إدراك زعماء إيران إشكالية وجود تنوع سياسي وعشائري للمليشيات العراقية وصعوبة الوصول إلى تنظيم متناسق رئيسي واحد.
وأخيرا لا بد من التأكيد على طبيعة عملية التغير الأخيرة التي طرأت على قمة هرم التحالف الشيعي بعد تدخل المرشد علي خامنئي مؤخرا في عملية تنصيب السيد عمار الحكيم زعيما للتحالف الوطني الشيعي للدورة الانتخابية المقبلة، التي ستبدأ عقب انتهاء عملية تحرير مدينة الموصل وعلاقتها وارتباطها بالتطورات الحالية للمشهد السياسي العراقي، التي شهدها البرلمان وعمليات سحب الثقة من بعض الوزراء السنة والكرد. إذا أخدنا بعين الاعتبار الأهمية والخصوصية التي يتمتع بها المجلس الأعلى ومليشيات بدر التابعة له ودورهما السياسي والعسكري الإيراني في العراق في إدامة الأجندة الإيرانية في المستقبل.
كاتب عراقي
أمير المفرجي