صباح الخير أيها الشعب

حجم الخط
0

مع الفجر تموت آخر بعوضة في غرفة النوم، وتنهي شاحنات القمامة جولتها الاخيرة، وتبشر نشرات الاخبار بيوم حار ورطب، مع حوادث طرق الصباح وعن الرضيعة التي نسيت في السيارة. تل أبيب تستيقظ ليوم عادي آخر والناس ينزلون الى البقالة او الى السوبر ماركت القريب للتزود بالخبز والجبن المخثر (الكوتج) ـ الرمز الوطني للاحتجاج الاجتماعي. وفي الباص يدور الحديث عن ارتفاع أسعار العرق، وفي شارع لفنسكي يملأ التجار أوعيتهم بالسمك المملح المستورد من تركيا. شعب اسرائيل هو حلم حلو لنظام سياسي يسيطر على شعب خانع، مع قدرة لمرة واحدة على مظاهرة لمرة واحدة ضد اجراءات الحكم ـ حيث في الطريق الى هناك أو في طريق العودة من هناك يتوقف الناس في المطعم القريب لتناول ‘شيء ما في رغيف’. وحين نرى ما يحصل في مصر وفي سورية، فان احتجاجنا على هذا وذاك يصل الى طرف حذاء الحكم.
الاسرائيليون يرفعون العتب المدني في تصويت واحد للكنيست، بعدها يغرقون في سبات ويتبجحون في أن دولتهم هي جزيرة استقرار وديمقراطية. وفي العام 1973 تفاخرنا حتى بان وضعنا لم يسبق له أن كان أفضل. وبعد نحو شهرين سنحيي 40 سنة على يوم الغفران اياه، وفي حينه سنخرج على اي حال من بواطن الارشيف وثائق ترينا كم كنا قريبين من مظاهرة تحريرية. كم كنا على شفا خراب البيت الثالث على حد قول موشيه دايان. قد اعتقد زعماؤنا الاسطوريون في حينه بان مصر تريد أن تهاجمنا، ولكنها لا تستطيع عمل ذلك من دون مشاركة سورية. ولم تكن لدينا فكرة بان تحت أنف رؤساء الاستخبارات المجيدين عندنا نسجت الدولتان مؤامرة هجوم. ومثلما في حينه، الان ايضا واثقة المملكة بان ما يحصل في مصر وفي سورية، هو في واقع الامر في صالحنا، وبينما تشتعل هناك الارض بثورة باطنية، نحن نزعم باننا جزيرة استقرار ونفكر بتروٍ.
الدول في محيطنا تعتمل، والعالم كله بات يعرف ميدان تقسيم وميدان التحرير، ولكنه لا يعرف ميدان رابين. فهل هذا الاستقرار المزعوم الذي نستمتع به يعكس حقا وضعنا الحقيقي؟ تماما لا. في اقصى الاحوال اسرائيل تستمتع بالعلاقة مع الولايات المتحدة، وهو الوضع الذي لن يستمر الى الابد، ما لا نفعله من أجل أنفسنا، أحد لن يفعله من أجلنا، ولا حتى الادارة الامريكية. مع قدرتنا على اثارة الاعصاب، فانه حتى اكبر اصدقائنا كفيل بان ينكسر.
ما يحصل في الرحاب الاسلامي المتطرف من شأنه ان يحتدم وان يتسع الى اراضينا ايضا. صحافية مصرية تتكلم العبرية، اجرت معها مقابلة صحافية اسرائيلية في ذروة احداث التحرير، لم تكتف بتفسير وضع مرسي، بل اوصتنا بما نفعله حسب مبدأ التحرير: ‘نتنياهو ولبيد لا يفيان بما وعدا به، إنزلوهما من الحكم. لا تسكتوا’. ليس واضحا كيف يطبق هذا المبدأ في مصر، ولكن مشاكلهم لا تشبه مشاكلنا. في ايام شهل العسل بين بيغن والسادات، لاحظ بيغن ان نظيره يكثر من النظر الى ساعته، فسأله: أأنت على عجل؟ جواب السادات يثبت ان مرسي لا يفهم ما فهمه اسلافه: ‘كل دقيقة يولد كذا وكذا طفل ينبغي توفير الخبز لهم’.
مشكلة اسرائيل المركزية ليست نقص الخبز او الفقر المدقع، بل نكث الوعد الاساس لزعامتها في جلب السلام. حقيقة ان الدول العربية تنشغل بنفسها ليست دليلا على صحة ادعاء الحكومة بانه في هذه الظروف ليس هناك تهديد امني على اسرائيل. العكس هو الصحيح بالذات احداث على نمط التحرير وسورية، زائدا دور ايران وحزب الله، قد تؤدي الى حرب وارهاب فتاك ضد اسرائيل. ولكن قادة الحكم يقولون انه لا توجد اغلبية في الشعب لتنازلات اقليمية من أجل السلام، ويفعلون كل ما في رؤوسهم.
هيي أنت هناك، أيها الشعب، صباح الخير. لا يكفي ان تضع بطاقة في صندوق الاقتراع وتخرج في رحلة بحرية الى اليونان. لن يتحقق هنا السلام الى أن تخرج الى الشوارع وتحرر اسرائيل.

هآرتس 5/7/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية