رسالة إلى الفريق السيسي.. مشروع تطوير وميثاق الشرف الإعلامي المصري
5 - July - 2013
حجم الخط
0
ملخص المشروع ليس للعالم الحديث فضل في اكتشاف تداعيات الكلمة وخطورتها وقيمتها في تشكيل وجدان الأمم، فمن سقراط إلى جوزيف جوبلز مرورا بالنصوص الدينية، كانت آلاف الأفكار الخاصة بمعيارية العمل الإعلامي، فقد اشترط سقراط ضرورة صدق الرسائل الموجهة للجمهور، بقوله الأثير، ‘ليس ضروريا أن يكون كلامي مقبولا، لكن ضروريا أن يكون كلامي صادقا’. فصدق الرسالة اشتراط بديهي للنهضة البنيوية، والعكس صحيح تماما، فما قاله جوبلز: إعطني إعلاما بلا ضمير أعطيك شعبا بلا وعي’، دليل سلبي على ضرورة المصداقية، وإيجابي من زاوية خطورة الكذب على الجمهور وإمكانية تشكيل الوجدان حسب أيديولوجيا ملاك قنوات الاتصال من وجهة نظر المرسل. فالمؤمن بمعيارية العقل، يرى اتفاق المفكرين والمهنيين على المصداقية أمرا بديهيا، والمؤمن بقيمة النصوص الدينية، عليه الرجوع إلى، ‘مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة’، و’كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون’ و’ويا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا’ و’ورب كلمة تهوي بصاحبها سبعين خريفا في النار’. وعلى الرغم من اتفاق العلمانيين والدينيين على قيم المصداقية، إلا أن الإعلام العربي، خصوصا الإعلام المصري وقع في براثن الأضداد لما هو عقلي ونقلي، فأصبحت الشائعات تروج على أنها أخبار، وأصبح التحريض على الآخر وسيلة انتفاعية لملاك قنوات الاتصال، من دون تفرقة ما بين محطات متأسلمة تعتمد العاطفة طريقا لكسب جمهور مؤيد لجماعات بعينها، فأنتجت تلك القنوات رسائل ‘القردة الزانية.. وتحريم مشروب البيبسي كولا.. وزواج المسيار.. والتحريض على المسيحيين وتكفير المعارضين واستحلال دماء العلمانيين، من دون تقديم أي رسائل خاصة بالنهضة والتنمية وإعمال العقل كبديل للنقل، على الرغم من أن أول الرسائل الدينية التي وجهها الله لهم كانت بعنوان إقرأ، فكانت رسائلهم مبتذلة سطحية، كتلك الرسائل التي قدمها الإعلام المتعلمن، الذي جاء أكثر حمقا في رسائله التي كرست الجهل بالجهل، فراحت تنجرف خلف الخطاب التأسلمي المتخلف، وروجت لمثل هذه الرسائل بالهجوم عليها، مما أكسب تلك المحطات جمهورا متعاطفا مع رسائلها في حالة إلغاء كامل للعقل واعتماد العاطفة طريقا للتلقي، ثم جاء الخطاب المتعلمن مستقويا متعاليا على الجمهور الطبيعي، الذي فقد المصداقية في ما تقدمه تلك المحطات التى تتملكها الرأسمالية المتوحشة أو الرأسمالية السياسية، ولم يكن الإعلامي الحكومي أحسن حالا من تلك النماذج الرديئة، فراح يروج للمنتصرين بمقعد الرئاسة والحكومة بغض النظر عما إذا كانوا مصيبين أو مخطئين، في حالة من الإعياء الفكري وبطريقة تكرس لخيبات مستقبلية على طريق النهضة. وإن كنا نستعرض المشهد الإعلامي المصري للولوج إلى أفكار جديدة للحد من هذا العبث المدمر، فلن نخوض في تفاصيل توصيف المشهد، فلنا في هذا الشأن دراسة مستفيضة تحت عنوان ‘الفضائيات العربية الطريق إلى الجهل’ يمكن للقارئ الرجوع إليها لمعرفة تفاصيل المشهد الإعلامي العربي عموما والمشهد المصري على وجه الخصوص، لكن دعونا ننتقل إلى رؤيتنا المستقبلية لحل أزمات ذلك الإعلام الذي اعتمد أسلوب الركل في مواجهة العقل، مما دعى ضعاف العقول من الحكومة والجماهير، إلى وضع رقاب المحطات الفضائية والجرائد والمطبوعات تحت حد المقصلة، تحت مسميات الدين والأخلاق.. وغيرهما من المصطلحات الحقة التي يراد بها باطلا، لذا كان لزاما علينا أن نكرر ما قرره الصحافيون والإعلاميون منذ عقود مضت، ألا وهو معايير العمل الإعلامي التي منها: 1/ عدم التعرض للحريات الشخصية للأفراد 2/ عدم القذف والسب لأي كان 3/ عدم التحريض والحث على العنف ضد جماعة أو فصيل بعينه 4/ عدم إزدراء الأديان 5/ عدم الترويج للشائعات على أساس كونها أخبارا صحيحة 6/ عدم استخدام ألفاظ نابية تضر بالذوق العام 7/ أحقية المواطنين في الحصول على الأخبار والمعلومات بشفافية 8/ عدم إدلاء مقدم البرامج بوجهة نظره الخاصة، على اعتبار أنه خبير في المادة المقدمة والتزاما بمبدأ الموضوعية الحيادية هناك العديد والعديد من المعايير المهنية، التي لابد أن تتزامن معها قوانين فعالة، تحاسب أصحاب التجاوز، من دون التعرض لحرية الإعلام. ربما يندهش البعض من وجود قوانين ملزمة ووجود حرية حقيقية، لكن هذا الأسلوب متبع في كل الدول المتقدمة بلا استثناء، وهذا أيضا لا يعني وجود رقابة مؤسسية أيا كان نوعها، فالرقابة الشعبية على الإعلام هي الحل المثالي والناجح في معظم الدول المحترمة، وهذه الرقابة تعني: أن كل قناة اتصال حرة تماما فيما تقدمه، من دون أن يراقبها أي كان، وبعدما تخرج رسائلها للرأي العام، يكون للمتلقي الذي وقع عليه الضرر من رسالة ما، أن يتقدم ببلاغ للقضاء الطبيعي ضد قناة الاتصال، فتصل العقوبات أحيانا للغرامة المالية وأحيانا للحبس وأحيانا للحبس والتغريم، وإذا ما تكررت الأحكام القضائية ضد محطة بعينها، نظرا لتجاوزات مهنية، قد تصل العقوبة إلى إلغاء القناة لمدة زمنية معينة أو الإلغاء إلى الأبد. ومنها تأتي الحرية في النقد والبناء، من دون اللجوء للتكميم والبلطجة، كما حدث في مصر من تعد على الإعلاميين، من شباب موجه بحرفية شديدة، وقد أشار الكثير من الإعلاميين في ضلوع جماعة الإخوان المسلمين في أعمال الحمق هذه، فمن يملك معايير وقانونا، لن يلجأ إلى العنف والبلطجة، لكن أن تظل الأمور مهمشة بهذا الشكل من دون دراسات علمية للوضع الراهن، فستظل المشادة بين الحاكم والإعلام والجماهير بمثابة عمليات ركل لا عقل فيها ولا ضمير، ناهيك عن ضرورة وجود نقابة مهنية للإعلاميين العاملين في المجال الفضائي، للدراسة والاتفاق على شكل الممارسة المهنية والوقوف إلى جانب الإعلاميين في مواجهة طلاب الحسبة، وأيضا لمحاسبة المخطئ حسابا قانونيا مناسبا للجرم الذي ارتكبه الإعلامي، قد يصل إلى قمته بالفصل من النقابة، لكن ربما يطرح سؤال مهم، ولا سيما أننا لم نستنشق بعد قيم الحريات والديمقراطية الحقيقية: من المسؤول عن وضع المعايير المهنية وبالتحديد الخاصة بالعمل الفضائي؟ ومن يقوم بسن القوانين المتفاعلة معها؟ – أولا: لابد أن تسن تلك المعايير من جانب خبراء إعلاميين مستقلين ومشهود لهم بالكفاءة المهنية، وعمل جلسات عرض واستماع لكل العاملين في المجال، ومن ثم الاتفاق على المعايير المنظمة للعمل الإعلامي الفضائي من دون تدخل حكومي. – ثانيا: أن يشارك خبراء قانونيون بنفس المنطق السابق، في سن القوانين المتماهية مع المعايير الإعلامية وبمشاركة الإعلاميين وموافقتهم على تلك القوانين. ثالثا: إنشاء نقابة عامة تنظم العمل الإعلامي الفضائي ‘مثل نقابة الصحافيين’. تظل مشكلة الإعلام الحكومي قائمة على الرغم من وجود هذه المعايير والقوانين، وتكمن هذه المشكلة في كون الإعلام الحكومي سيظل بوق استعراض للحكومة التي تعتبر ضمنيا مالكة لقناة الاتصال، ويمكن للقائمين على الأمر محاباة الحكومة في عدم تفعيل القانون على تلك المحطات، التي لا تمثل ولن تمثل المواطن في شيء، لذا فهناك ضرورة حتمية لإلغاء وزارة الإعلام الحكومية وتحويلها إلى هيئة مستقلة، أو على أقل تقدير تحويل اتحاد الإذاعة والتلفزيون إلى هيئة وطنية تمول مباشرة من دافعي الضرائب تلقائيا، ومن دون تدخل خزينة الدولة، ضمانا للشفافية والمصداقية، على أن يقف جميع المواطنين والمؤسسات بدءا من رئيس الجمهورية وإلى أصغر طفل في الدولة على مسافة متساوية في الوسيلة الإعلامية الوطنية تحت مسمى ‘الهيئة الوطنية للإعلام المرئي والمسموع’. ربما يتساءل البعض أيضا ما هي الضمانة لحسن اختيار رؤساء هذه الهيئة من شخوص محايدين؟ وقد استعرضت ذلك من قبل في دراسة بعنوان أزمة اتحاد الاذاعة والتلفزيون بين عشوائية الارتجال ومنهجية البحث العلمي، وقد جاء في بعض منها رؤيتنا لإدارة هذه المؤسسة المرئية وضمان نزاهتها. ولحل مشكلة الادارة واختيار امانة تتحمل مسؤولية تجاوز الأزمة يمكننا اتباع الآتي، أولا: فصل العمل التنظيمي والمالي للهيئة عن العمل الفني، بمعنى أن تكون القرارات التنظيمية والمالية الخاصة بتسيير الأعمال من قبل خبير ادارة مصري، يتم اختياره أمينا عاما، ويأتي بطريقة الترشيح، حيث تتقدم كل مؤسسة علمية معنية بالإدارة في مصر بطرح اسم من أسماء الخبراء لديها، وفي النهاية يتم اختيار الأمين العام من قبل لجنة من خبراء الادارة المستقلين، بناء على السيرة الذاتية للمرشح وبحث علمي يتقدم به كرؤية مستقبلية لإدارة أمانة الهيئة، هذا بالإضافة الى اختيار خبير اقتصادي لإدارة موارد الامانة وعمل سناريو مستقبلي لتدبير موارد مالية، الى جانب خبير في التسويق، وتتم الاختيارات جميعها بذات الطريقة، على أن يعمد كل خبير باختيار أفضل العناصر الادارية والاقتصادية والتسويقية من أبناء الهيئة كمساعدين لتأهيلهم للقيادة المستقبلية، على ان يقوم هؤلاء بتدريب أبناء الاتحاد في ذات التخصصات لخلق صفوف ثالثة ورابعة مؤهلة بشكل علمي. أما بالنسبة للجانب الفني، المعني بمضمون الرسالة وشكلها والمنافسة الاعلامية ‘العمل البرامجي’ فيتم اختيار مجموعة من الخبراء في مجال الاعلام المرئي والمسموع وبنفس الطريقة المسبقة، وليس مجموعة من الصحافيين، فثمة فارق كبير بين الرسالة المقروءة والرسالة المرئية، والاختلاف جوهري ما بين رسالة تعتمد على الكلمة ورسالة تعتمد على الصورة بمكوناتها من ‘الديكور. الاكسسوار. الأشياء. الإضاءة. العنصر البشري’، والصوت بمفرداته من ‘التعليق. الحوار. الضوضاء. الموسيقى. المؤثرات. الأصوات الحية. الصوت الواحد’، ثم ان لكل برنامج اسما يعبر عن المضمون وفكرة وهدفا وجمهورا ومدة زمنية، وكلها أمور أبعد ما تكون عن العمل الصحافي من مقالات وحوارات وتحقيقات مكتوبة، ويفضل أن يتم اختيار هذه المجموعة من ابناء ماسبيرو، ويكون الاختيار بنفس طريقة الاختيار الأول، على أن يكون رئيس الهيئة من الخبراء الفنيين، وتكون أمانة الهيئة الإدارية والمالية تحت رئاسته. ثانيا: وقف التعيينات تماما في هذا الجهاز المثقل بعمالة زائدة تقدر بأربعين ألف موظف، على أن تتم مراعاة البعد التجتماعي والتنموي بتعيين أوائل الخريجين في مجال الإعلام المرئي والمسموع وأوائل كليات الفنون التطبيقية ومعهد السينما.. وغيرهم حسب حاجة الهيئة، وهذا العمل سيؤدي إلى التخلص من الدرجات المالية غير الضرورية، وفي نفس التوقيت لن تثقل التعيينات الجديدة كاهل الهيئة إذا ما تمت المقارنة بين الدرجات المحالة للمعاش قانونيا والمعينة حديثا. ثالثا: إعادة هيكلة التلفزيون على مدار خمس عشرة سنة مراعاة للبعد الإجتماعي وعدم التخلص من العمالة الزائدة بشكل مجحف. رابعا: اتباع نظرية إعلام المسؤولية الاجتماعية بمنطق جديد، لا يحقق خسائر مالية للوطن ويمكننا الاستفادة من تجربة ‘هيئة الإذاعة البريطانية’. هناك العديد من الأفكار للتعامل مع الإعلامي المصري بشقيه المرئي والمسموع والمقروء، وربما تكون أفكارنا تحمل بعض النقص، لكن إذا ما قدم الإعلاميون أفكارهم الخاصة للنهضة بالإعلام العربي والمصري، فحتما سيكتمل العجز ونخرج من دائرة الركل وحد المقصلة إلى دائرة العقل والنهضة.