جمعية «كتائب الأمهات» تتصدى للفكر المتطرف: فرنسيات الضواحي يتحدن من أجل إنقاذ أبنائهن من براثن الإجرام والتطرف

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: يعيش شباب الضواحي منذ عقود التهميش والعزلة والعنصرية ومشاكل اجتماعية ساهمت في عرقلة اندماجهم في المجتمع الفرنسي، مما دفع بهم الى الانكفاء على أنفسهم وارتمى البعض منهم في أحضان الانحراف والإجرام والتطرف.
وأمام تجاهل الحكومات المتعاقبة لهذه الآفة التي تعصف بشريحة مهمة من المواطنين الفرنسيين ومحاولتها ايجاد حلول ترقيعية لا تمس جوهر المشكل انبرت جمعيات ومنظمات من أجل مساعدة هؤلاء الشباب على الاندماج في المجتمع ومحاولة دق ناقوس الخطر لكي تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة قبل فوات الأوان.
وحسب الأرقام الرسمية فإن السجون الفرنسية تكتظ بالشباب من أصول إفريقية وعربية وأغلبهم من الضواحي لتورطهم في أعمال إجرامية وتجارة المخدرات كما أن الاعتداءات الإرهابية التي ضربت فرنسا في الفترة الماضية كشفت وبشكل جلي أن أغلب منفذيها من شباب الضواحي.
كل هذه العوامل دفعت أمهات أغلبهن من أصول عربية وإفريقية الى الأخذ بزمام الأمور وانتفضن من أجل وقف هذا النزيف في صفوف أبنائهن خصوصاً أولئك الذين سقطوا في براثن الإجرام والتطرف وأسسن في 2014 جمعية «كتائب الأمهات» في مدينة سوفران شمالي باريس، وتعتبر هذه المدينة من أفقر المدن الفرنسية كما عرفت ذهاب العشرات من الشباب الفرنسيين للقتال في العراق وسوريا.
وفي حوار خاص مع «القدس العربي» قالت مؤسسة ورئيسة الجمعية نادية رماضنة «كمربية اجتماعية وكأم لأربعة أبناء سئمت من انتظار الحكومة وأنا أرى أبناءنا وشبابنا يضيعون ويهيمون في الشوارع من دون مستقبل، والكثير منهم سلكوا طريق الاجرام والتطرف فقلت في نفسي : كفى، يجب أن نفعل شيئاً لاستدراك ما يمكن استدراكه». وتضيف السيدة رماضنة بنبرة حزينة أن «كل يوم أزداد يقيناً أن الأمر جلل ويجب تكاتف كل الجهود من أجل إنقاذ أبنائنا».
كما أن فكرة الجمعية جاءت أيضا للرد على الذين «يحملون المسؤولية فقط لأولياء الأمور خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأبناء الذين يتحدرون من أصول عربية وهذا فيه انتقائية لأسباب عنصرية».
وعرفت الجمعية منذ تأسيسها قبل عامين نجاحاً وإقبالاً كبيرين وأصبح لها صدى في كل المناطق الفرنسية وخصوصاً في الأحياء الشعبية وأصبحت تضم أكثر من الفين وخمسمئة عضو في مدينة سوفران لوحدها.
كما صدر للسيدة رماضنة كتاب أوائل العام الجاري تحت عنوان «كيف أنقذت أبنائي» تشرح فيه رؤيتها وتصورها للمشاكل التي يعاني منها أبناء وشباب الضواحي. كما أصبحت تدعى السيدة رماضنة لمقارعة السياسيين في مختلف البرامج التلفزيونية، من أجل رد الاعتبار «لنا كأمهات بعدما صادروا حقنا في التعبير عن مشاكلنا لعقود وكذلك إيصال رسالة واضحة للسياسيين مفادها أننا نقوم بواجبنا تجاه أبنائنا».
وتلفت السيدة رماضنة الى أن الجمعية تعالج يومياً مشاكل عدة وملفات بعضها عاجلة مثل مشكل العنف الزوجي وكيفية مساعدة المرأة المعنفة على إيجاد مركز لإيوائها بشكل مستعجل أو مساعدة التلاميذ الذين يعانون من مشاكل مع مؤسساتهم التعليمية بحيث نتدخل كوسيط لإيجاد حل» وبعضها الآخر يتطلب جهوداً على المدى المتوسط والبعيد مثل «مساعدة المدمنين وتقديم الاستشارات الطبية والنفسية لهم من طرف طبيب مختص أو مساعدة الشباب على ايجاد فرصة عمل». كما أصبح العمل الذي تقوم به جمعية «كتائب الأمهات» أكثر أهمية من ذي قبل بعد أن أصبحت تستقبل أمهات مكلومات بعد أن غادر أبناؤهن فرنسا نحو سوريا وأخريات يشتكين من تبني أبنائهن أفكاراً متطرفة.
وتضيف السيدة رماضنة «أصبحن يخشين الملاحقات القضائية لأبنائهن. فمثلاً اتصلت بي أم قبل يومين لأنها لا تعرف كيف تتصرف مع ابنتها المراهقة في غياب الأب بعدما لاحظت انعزالها في غرفتها وكثرة حديثها عن الدين والجهاد وعدم رغبتها في الدراسة».
ولاقت فكرة الجمعية ترحيباً من طرف السلطات بعد النتائج الايجابية التي حققتها، كما قام الرئيس الفرنسي باستقبال السيدة نادية رماضنة في شهر آذار/مارس من العام الماضي وعبر لها عن «تقديره لجهودها ومعركتها التي تخوضها لفك العزلة عن أمهات وشباب الضواحي». لكن مؤسسة الجمعية بدت حذرة من مديح الرئيس الفرنسي لها مؤكدة أنها ليست «ساذجة» بحيث لا تريد أن يتم استغلالها في المعارك الانتخابية.
وتضيف السيدة رماضنة أن خطابها الصريح جلب لها الكثير من المتاعب لأنها حسب تعبيرها «لا أداري أحداً في ما يخص معركتي حتى الحكومة الحالية رغم أنني يسارية. كما أن عملنا على الأرض عرى عدداً من السياسيين بسبب غيابهم التام وعجزهم عن ايجاد حلول ناجعة».
وكانت رئيسة « كتائب الأمهات» اتهمت بمعاداة السامية من طرف أحد المسؤولين المحليين بعدما واجهته في برنامج تلفزيوي واتهمته بالفساد. غير أن هذه الاتهامات ترفضها السيدة رماضنة وتؤكد أنها شاركت في قضية عادلة وهي مظاهرة داعمة للقضية الفلسطينية وان الهدف من الاتهامات «النيل مني ومن عزيمتي من أجل إسكاتي».
وتضيف صاحبة كتاب «كيف أنقذت أبنائي » أن الدولة الفرنسية تخلت عن الضواحي وحولتها إلى «غيتوهات» وبالتالي تركت المجال خاليا ً«أمام الفكر الأصولي المتطرف الذي استشرى بين شباب ضائع وحولهم إلى إرهابيين ومجرمين بعدما تعرضوا لعملية غسيل دماغ أمام مرأى ومسمع السلطات». كما اتهمت الأحزاب السياسية بمختلف أطيافها باللعب على وتر الإسلاموفوبيا والزج بالدين الاسلامي في «معاركهم السياسية من أجل أغراض انتخابية محضة» مما يدفع عدداً من الشباب «على كره بلدهم وتبني أفكار متطرفة لأن الجماعات الإرهابية كـ»داعش» تتغذى على هذا النوع من الخطاب لاستقطاب أبنائنا». وتؤكد السيدة رمضانة أن موقفها لا يعني رفضا للديانة الإسلامية لأنها ترعرعت أيضاً في كنف أسرة مسلمة من أصول جزائرية وأم لأربعة أبناء كلهم حصلوا على مستوى تعليمي عالٍ مما مكنهم من الحصول على وظائف محترمة في المجتمع الفرنسي.
وتضيف أنها ربت أبناءها «على حب الآخر والتسامح وعلى الكد والاجتهاد وهذه كلها قيم الجمهورية الفرنسية كما أنها قيم ديننا الإسلامي».
وختمت السيدة رمضانة حديثها مع «القدس العربي» معربة عن خوفها من المستقبل إذا استمرت الأمور على هذا الحال من دون إرادة سياسة حكومية قوية تعتني بالشباب في هذه الأحياء المهمشة والمنسية منذ عقود.
وأقرت السيدة رماضنة أنها تعمل حالياً على مشروع تحت اسم «مدرسة للأمهات من أجل الجمهورية» يهدف إلى تكوين الأمهات وإعاطائهن كل الوسائل التربوية والعلمية اللازمة لتربية أبنائهن ومن أجل فك العزلة عنهن لخوض تجارب في الحياة المهنية والجمعوية والسياسية وذلك عبر تخصيص دروس في مجال القانون والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس.

جمعية «كتائب الأمهات» تتصدى للفكر المتطرف: فرنسيات الضواحي يتحدن من أجل إنقاذ أبنائهن من براثن الإجرام والتطرف

هشام حصحاص

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية