الانتخابات التشريعية في المغرب 2016: 29 حزباً تخوض غمار الانتخابات بألوان الطيف اليسارية والمحافظة والليبرالية والإسلامي

الرباط ـ «القدس العربي»: تُعيد الانتخابات التشريعية المغربية المقرر إجراؤها في المغرب في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الحالي إلى الواجهة إشكالية الخريطة السياسية في المغرب ومدى قدرتها على تجسيد الحساسيات الإيديولوجية الموجودة، فضلاً عن مدى تمكّنها من جعل التدافع السياسي يتم في إطار ديمقراطي سليم، بعيدًا عن التأثيرات الخارجة عن نطاق التنظيمات الحزبية وأدبياتها المختلفة.
ومع كل استحقاق انتخابي جديد، يُطرح مجدداً سؤال الكثرة العددية للأحزاب المغربية، فكل انتخابات تشريعية تحمل معها رقماً جديداً لعدد الأحزاب، حيث تجاوز العدد 36 حزباً، 29 منها تخوض الانتخابات المقبلة (بحسب ما أعلنت عنه وزارة الداخلية)؛ وهي أحزاب تبدو هوياتها متقاربة ومتشابهة أو متداخلة أحياناً كثيرة، إضافة إلى غلبة الطابع الشخصي على ظهور بعضها، بفعل حركة الانشقاق الحزبية.
كما أن للسلطة دوراً في بروز الأحزاب الموصوفة بـ«الإدارية» والتي تولد وفي فمها ملعقة من ذهب ـ بالتعبير المتداول ـ وذلك بهدف لجم أحزاب أخرى منفلتة من سياق التحكم، والوصول إلى سند قوي لتمرير سياسات معينة عبر المؤسستين التشريعية والتنفيذية وفرض توازنات مقصودة، وأيضاً لتوجيه الرأي العام المحلي.
علاوة على ذلك، فإن بعض الأحزاب أشبه ما تكون بـ«دكاكين انتخابية»، لا تفتح مقارّها المحلية (التي لا تتوفر فيها الشروط المطلوبة) ولا تنشط إلا خلال الانتخابات، وهي فرصة لإطلاق «الوعود العرقوبية» للمواطنين الذين جرّبوا تجارب حكم مختلفة، من ليبرالية ومحافظة واشتراكية وإسلامية طيلة أكثر من خمسة عقود، ووصل الأمر أخيرًا إلى تجربة وُصفت بـ«الهجينة» إذ امتزج فيها الاشتراكي مع الإسلامي ومع المحافظ. ولم يكن بمقدور الانتخابات المغربية أن تفرز تداولاً حقيقياً على الحكم، ولن يتأتى لها ذلك ما دام النظام الانتخابي المعتمد لا يسمح ببروز حزب ذي أغلبية مريحة أو قطب حزبي بحساسية سياسية منسجمة، مثلما هو موجود في الديمقراطيات العريقة، وذلك لأن السلطة تريد مشهدا سياسيا موجّها ومتحكما فيه، كما يردد كثيرون.
وعبارة «التحكم» التي صارت أكثر شيوعًا في القاموس السياسي المغربي، خلال الآونة الأخيرة، استمدت جذورها من التلميح المستمر لـ«حزب العدالة والتنمية» الذي يقود الحكومة الحالية إلى وجود «دولة عميقة» في المغرب، تتولى توجيه دفة السياسة والاقتصاد والإعلام، وتسعى إلى كبح جماح المشاريع الحكومية، فلا غرابة إنْ تحدّث رئيس الحكومة نفسه عن وجود دولتين في المغرب، وهو ما اعتُبِر زلّة لسان وتجرّؤا على الدوائر العليا التي تدرك تأويلات استعماله المتكرر لتعبير «التماسيح والعفاريت» خلال حديثه عن خصومه.
يستحضر عدد من المحللين السياق الذي صعد فيه نجم حزب «العدالة والتنمية» ذو المرجعية الإسلامية، إنه سياق الربيع العربي الذي أفرز حراكا اجتماعيا قويا وصل إلى المغرب، وبرزت معه حركة «20 فبراير» الاحتجاجية التي حددت سقفا عاليا لمطالبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبما أن تلك الظروف أتاحت للإسلاميين تبوّأ صدارة المشهد السياسي العربي، فقد حصل الشيء نفسه في المغرب، إذ سنحت الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 لحزب «العدالة والتنمية» باكتساح مجلس النواب بالحصول على 107 مقاعد، وبالتالي آلت إليه رئاسة الحكومة (انسجاماً مع مقتضيات الدستور المغربي) وظفر بحصته من الحقائب الوزارية.
والواقع أن صعود نجم «العدالة والتنمية» بدأ قبل تلك الفترة بسنوات، فقد خلق المفاجأة خلال انتخابات 2002، حيث احتل المركز الثالث بجانب «التجمع الوطني للأحرار» وتقدم بذلك بثلاثة أضعاف تقريباً عما كان عليه في الانتخابات السابقة عليها، رغم أنه لم يغطّ كل الدوائر الانتخابية، وإنما اكتفى بتقديم 194 مرشحاً في 56 دائرة محلية من أصل 92 دائرة، وتجاوز بذلك أحزاباً قدمت مرشحين أكثر عدداً منه، بينما سجل تراجع أحزاب كانت تحتل مراتب مهمة في الدورات الانتخابية السابقة على ذلك الاستحقاق كـ»الاتحاد الدستوري» و«الحركة الوطنية الشعبية» و«الحركة الديمقراطية الاجتماعية».
أما في انتخابات 2007، فاحتل «العدالة والتنمية» المركز الثاني مباشرة بعد حزب «الاستقلال» بـ 46 مقعداً في مجلس النواب، رغم مزاعم بمحاولة تحجيمه والحد من اكتساحه الساحة السياسية، لاسيما وأنه كان قد اجتاز بسلام «المحنة» التي كادت تعصف به، والمتمثلة في تداعيات تفجيرات 16 أيار/ مايو الإرهابية في الدار البيضاء. ورغم الموقع المتقدم الذي أحرزه في انتخابات 2007 فإنه كان مدفوعاً إلى المعارضة، حيث أفضى التنسيق الذي باشره رئيس الحكومة المعين آنذاك، «الاستقلالي» عباس الفاسي، مع الأحزاب الفائزة في الانتخابات، إلى ترجيح كفّة حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، ومن ثم اختار الإسلاميون التموقع في إطار ما سموه «المساندة النقدية» للحكومة، قبل الانتقال إلى «المعارضة البناءة والإيجابية والناصحة».
ثاني الأحزاب الكبرى في المغرب حاليا، وبحسب نتائج آخر استحقاق انتخابي، هو حزب «الاستقلال» الذي حصل على 61 مقعداً في انتخابات 2011، وهو حزب محافظ، وأحد أقدم الهيئات السياسية، إذ يعود تأسيسه إلى عام 1944، وكان له دور فعال في حركة النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي للبلاد، وتولّى الحزب في شخص قياديه أحمد بلافريج رئاسة ثالث حكومة بعد الاستقلال في 12 أيار/ مايو 1958. كما شارك «الاستقلال» في حكومات عدة خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، ودخل حكومة التناوب بجانب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في شباط/ فبراير 1998، واحتفظ بحقائب وزارية في انتخابات 2002، كما أسندت له رئاسة الحكومة في شخص عباس الفاسي إثر انتخابات 2007. وحيث إن نتائج انتخابات 2011 المبكرة بوأته المركز الثاني بحصوله على 61 مقعداً في مجلس النواب، فقد شارك في حكومة عبد الإله بن كيران، لكنه سرعان ما انسحب منها بسبب خلاف حول تعديل حكومي مقترح، بينما أرجع «الاستقلال» قرار الانسحاب إلى حدوث أزمة اقتصادية في البلاد وانعدام الحوار الاجتماعي وغياب التشاور ـ لدى رئيس الحكومة ـ مع الأحزاب المشاركة في التحالف الوزاري آنذاك.
وحين يُذكَر حزب «الاستقلال»، يُستحضَر معه «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» لأنه خرج من رحمه سنة 1959 تحت مسمّى «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية»، وعُرف هذا الحزب بكونه أداة معارضة للنظام، قبل أن يتبنّى الاختيار الديمقراطي وسيلة للنضال السياسي خلال مؤتمره الاستثنائي الذي عقد عام 1975. ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية في المغرب، وما رافقها من شد وجذب مع السلطة خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات، ساهم هذا الحزب في تأسيس «الكتلة الديمقراطية» بجانب «الاستقلال» و«التقدم والاشتراكية» و«منظمة العمل الديمقراطي الشعبي» حيث جرى تقديم مذكرة إصلاحات إلى القصر، وكان من نتائج ذلك حدوث انفراج في العلاقة بين موازين القوى في البلاد، والتصويت بالإيجاب على دستور 1996، وحصول «الاتحاد الاشتراكي» على أعلى الأصوات في الانتخابات التشريعية لعام 1997، وإسناد رئاسة الحكومة إلى رئيس الحزب عبد الرحمن اليوسفي. غير أن الاستحقاقين الانتخابيين المواليين (في 2007 و2011) كشفا عن تراجع ملحوظ لمكانة هذا الحزب الذي يوجد حاليا في المعارضة، مقابل تقدم أحزاب أخرى فتية: «العدالة والتنمية» و«الأصالة والمعاصرة».
أما حزب «الأصالة والمعاصرة» (معارضة) فيرجع الفضل في تأسيسه إلى فؤاد علي الهمة (الرجل القوي المقرّب من العاهل المغربي) الذي سبق له أن كان وزيراً منتدباً في الداخلية وبرلمانيا عن منطقة «الرحامنة»، قبل أن يلتحق بالديوان الملكي مستشاراً. وقد أسس الحزب في 20 شباط/ فبراير 2009، حيث استقطب مجموعة من الأعيان واليساريين ومن قياديي أحزاب أخرى. وتمكن الحزب من اكتساح الانتخابات البلدية التي جرت عام 2009، كما أحرز على 48 مقعداً في مجلس النواب خلال الانتخابات التشريعية لعام 2011.
ويعدّ حزب «التقدم والاشتراكية» (الذي تأسس عام 1943 تحت اسم «الحزب الشيوعي المغربي) عنصراً أساسياً في التوازن السياسي، فهذا الحليف الرئيسي لحزب «العدالة والتنمية» كان خلال التسعينيات من مؤسسي «الكتلة الديمقراطية» المطالبة بإصلاحات مؤسسية. وتعهّد هذا الحزب الذي حصل على 20 مقعداً في مجلس النواب خلال انتخابات 2011، على استمرار تحالفه مع حزب عبد الإله بن كيران، بعد الانتخابات المقرر إجراؤها بعد أيام قلائل، سواء في إطار الحكومة أو في إطار المعارضة.
وفي خانة الأحزاب الكبرى بالمقياس العددي للمقاعد البرلمانية، بقي حزبا «الحركة الشعبية» و«التجمع الوطني للأحرار»، اللذان يلعب كل منهما دور «الجوكير» في المعادلة السياسية.
أما في خانة الأحزاب الصغرى، فتزخر الساحة السياسية المغربية بالعديد منها، وتختلف مرجعياتها ـ هي الأخرى ـ ما بين محافظة وليبرالية ويسارية وإسلامية، من بينها على سبيل المثال لا الحصر: الوحدة والديمقراطية، الإصلاح والتنمية، المجتمع الديمقراطي، التجديد والإنصاف، الشورى والاستقلال، الوسط الاجتماعي، الحرية والعدالة الاجتماعية، النهضة والفضيلة، الديمقراطي الوطني، العمل، العهد الديمقراطي، الديمقراطيون الجدد، المغربي الليبرالي، الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، القوات المواطنة، البيئة والتنمية، العهد الديمقراطي، الاتحاد المغربي للديمقراطية، المؤتمر الوطني الاتحادي.
وتطالب الأحزاب الصغرى بتكافؤ الفرص، على مستوى الدعم المادي الممنوح من لدن الدولة، والولوج العادل لوسائل الإعلام العمومية، كما تطالب بإلغاء نظام «العتبة» الانتخابية (أو نسبة الحسم) المحددة في 03 في المائة، وهو نظام يعتمد احتساب عدد الأصوات التي يحصل عليها كل حزب من أجل قبول أي قائمة مرشحين أو رفضها.
ومن ضمن هذه الأحزاب الصغرى، كان لافتاً خلال الحملة الانتخابية الحالية حضور تحالف «فدرالية اليسار الديمقراطي» الذي حظي بنداء من لدن 100 شخصية أكاديمية وحقوقية مغربية تؤازر المرشحة أمينة منيب (الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد)، وتقترح تبني «خيار ثالث» مناهض للأصوليتين: المخزنية والدينية، في إشارة إلى استبعاد التحالف مع أي حزب موال للسلطة أو آخر ذي مرجعية دينية. بينما يرى أحد الباحثين المغاربة أن الموقع الأنسب لـ«فدرالية اليسار» هو المعارضة الجادة، في أفق مشاركة أقوى وناجعة خلال إحدى الانتخابات المقبلة.

الانتخابات التشريعية في المغرب 2016: 29 حزباً تخوض غمار الانتخابات بألوان الطيف اليسارية والمحافظة والليبرالية والإسلامي

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية