لقد كذبتُ حين قلتُ إنني لم أقطف ورودا من حدائق الجيران لأهديها لأولى عابرة طريق، رغم أنّكِ لم تكوني عابرة طريق بل كنت الطريقَ الذي أسلكه كل صباح، المعلّم والدرس، الطاولة والكرسيّ والحديقة والصباحاتِ الطريّةَ وسط الشتاءات القاسية. كانت المدرسة بعيدة عن بيتنا، في قرية تسمّى «الداموس»، لم يكن أهالي تلك القرية من سكان الأنفاق ولا الكهوف، وليسوا حشرات ولا ثعابين. فقط كان اسمها «الداموس». هذا ما عرفته على الأقلّ. نعم وشيء آخر أيضا كان سخيّا حدّ القرف هي تلك الأمطار التي لم تكن تتوقف. ثمانية كيلومترات من المشي كل يوم نحوك وإليك. ستّ سنوات في اتجاه داموسك المضيء، في اتجاه عينيك الخجولتين. عيناك هما الشيء الوحيد الذي لم يكن يسمح لي بالتكاسل. أذكر الآن جيّدا ذلك اليوم، تلك المرة الأولى والأخيرة التي قفزت فيها فوق سور حديقة بيت شرطي. كنا في طريق العودة من المدرسة، يومها كدت انتهي فريسة لكلبه «البرجي» الضخم. «برجي… برجي…» هكذا صرخ صديقي الذي كان يرفعني على ظهره كي أصل إلى حافة السور. ردد تلك الكلمات المتقطعة وانطلق هاربا مع أول نبحة. فهمت بعد ذلك أن البَرْجِي هو نوع من أنواع كلاب الحراسة الخطيرة. لكن ما كان يعنيني في تلك اللحظة هو أن أقطف لك وردة. وقطفت لكِ وردة حمراء. خدشني ذلك الكلب في يدي، وخلَّف لي جروحا، ظلت تلك الجروح تتسع إلى الآن وتزداد عمقا. كنت كمن يقطف قبلة من شفاه أميرة في حفلة مَلَكية لم يكن مدعوّا اليها، ثم يطير بحصانه فيما تنهال عليه السهام ويلاحقه فرسان القصر. لاحقني الشرطي بعد أن تعثرت مرارا وانزلقت من فوق السور. رحت أركض… أركض… أركض… الوردة تتعرق، تمتزج بالدم الذي يتسرب من يدي والقُبلة أخيرا بين شفتيّ.
خبأت الوردة في حقيبتي كمن يخبئ جوهرة عن لصوص، حرستها ليلة كاملة لأسلمها في الصباح إلى أناملك. صباحا، كان عليّ ككل اللصوص والمجرمين أن أغيّر الطريق إلى المدرسة، بعيدا عن رجل الشرطة وكلبه الضخم. وصلت أخيرا، لاهثا، بين يدي الوردة الممزوجة بدمي وفي فمي اسمك.
وصلت، وحين نادى المعلم باسمك، ردد التلاميذ: لقد انقطعت عن الدراسة سيدي.
٭ تونس
محمد العربي