الفهم الخاطئ للنص الديني

في نقاش ودي عبرت لزميل مسيحي (ممارس) من أرقى من عرفت وأكثرهم سلما ودماثة خلق وتقبلاً للآخر عن استغرابي الشديد: كيف تطلق الكثير من الأسر الغربية اسم «جوشوا « أو «يهوشع» على أطفالها؟ وهو القاتل الذي لم يسلم البشر والحجر والحيوانات والزرع من بطشه ووحشية جيوشه، جاءني رده صدماً: ولكن يا عزيزي يجب أن تضع في الحسبان أن «جوشوا» كان ينفذ أوامر الرب.
ويتفنن متطرفو الديانة اليهودية في ابتداع أساليب اقتلاع الفلسطينيين من ارضهم وبيوتهم بالقوة، من دون اكتراث بالمعاناة الفظيعة التي يسببونها لأن الرب، حسب معتقدهم، وعدهم بهذه الأرض وأن تعيش بقية شعوب المنطقة «الجوييم»، خدما تحت أمرهم، وتتكلم التوراة عن الملاك الذي أرسله الرب لحماية موسى واتباعه والنزول كالصاعقة على كل من يواجههم خلال رحلتهم من مصر الفرعونية إلى فلسطين الكنعانية، بل إن الرب وعد موسى بسحق كل من يسكن تلك الأرض من الكنعانيين وغيرهم، بالتالي فإن القتل والتشريد والسرقة التي تمارسها إسرائيل كلها مباحة دينياً وبدون أي شعور بالذنب ما دامت هذه إرادة الرب.
كذلك الأمر في الحملات الصليبية التي اتجهت غرباً في القرن الثاني عشر وتركزت في جنوب فرنسا، ولا يذكرها التاريخ كثيراً، فقد قامت جيوش البابا الكاثوليكي»انوسنت الثالث» بقتل عشرات الآلاف من المسيحيين المؤمنين من طائفة «الكاثار» الذين اختلفوا معهم على مفاهيم دينية معينة منها كينونة المسيح، وتحول الخبز والنبيذ خلال الصلاة الكاثوليكية إلى جسد ودم المسيح، وفي هذا عصيان لأوامر الرب، كما فهمها معسكر البابا واتباعه، بينما يحمل الخلاف أيضاً رفض «الكاثار» الانصياع للكنيسة الكاثوليكية وانتقادهم لطبيعتها الدنيوية الباذخة التي تتناقض مع طبيعة المسيح كما يعتقدون، وبكل ثقة تصدر تسعة مجالس كنسية كاثوليكية قراراً بتأييد البابا في حربه مع «الكاثار» و- تباد مجموعات بشرية بحد السيف لاختلافها رغم ايمانها، مع المفهوم العام الذي يفسره البابا كأمر من أوامر الرب.
وتبقى مذبحة مدينة «بيزيرس» جنوب فرنسا التي ذبح فيها 20000 إنسان شاهداً على الوحشية التي ارتكبها البشر خلال هذه الحملات باسم الرب، ومنها خرجت مقولة مندوب البابا الشهيرة عندما أخبره قائد الجيش: سيدي لا أعرف من هو كاثوليكي أو كاثاري من اقتل؟ قال له»اقتلهم جميعاً وسيعرف الرب اتباعه»، كان هذا رد المندوب البابوي، إضافة للحملات الصليبية التي اتجهت شرقاً لتخليص بيت المقدس وارتكبت الفظائع في المسلمين في الشام وبيت المقدس، كذلك المسيحييين الأرثوذكسيين في منطقة القسطنطينية الحالية الذين رفضوا سلطة الكنيسة الكاثوليكية، دمرت كنائسهم وذبح الآلاف منهم ولم يسلم الأطفال ولا النساء أو القساوسة من الذبح وكله باسم الرب.
وحديثاً جداً أفتى مفتي «داعش» الشرعي بحلال قتل من لا يتحول للإسلام من الإيزيديين وسبي واغتصاب البريئات الإيزيديات اعتماداً على تفسيره الخاص لنصوص وفتاوى واعتقاداً أن هذا ما يأمر به الرب.
هناك خلل واضح لا نريد الاعتراف به في تفهم أو تفسير الأديان، سموه ما شئتم ، عندما تتناقض أوامر الرب، الذي من المفروض أنه العادل الحكيم الرحيم، مع مفهوم الصح والخطأ، فيصبح قتل البريء أو اغتصاب النساء أو سرقة قوت البشر أو التمييز ضد الأبرياء على خلفيتهم الدينية أمراً عادياً، بل ويكافأ عليه بجنة الرب، لا يمكن للعقل أن يقبل بربانية أوامر قتل الأبرياء، الاغتصاب أو السرقة، إنها ممارسات سياسية بامتياز، وما أسهل أن يستخدم الدين لهذا الغرض.
التاريخ يخبرنا أن الفهم الخاطئ للنص الديني هو ما سبب كل هذه الدماء وأن هذا السيناريو يتكرر عبر العصور وبلا شك في عصرنا هذا. وربما يكون أكبر مثل على هذا عند المسلمين ما أوصى به الصحابي علي بن ابي طالب ابن عمه عبدالله بن العباس عندما ارسله ليحاور الخوارج، قال علي لابن العباس، بحسب «نهج البلاغة»: «لا تجادلهم بالقرآن فإنه حمال أوجه، ذو وجوه، تقول ويقولون»، وفي هذا إقرار من علي، مدينة العلم، أفقه الصحابة وأكثرهم علماً، أن تفسير عموم الناس ومنهم الخوارج يعتمد على مظهر القرآن وليس فكر القرآن، لا تمثل هذه المقولة انتقاصاً من القرآن بل فلسفة كبيرة تميز بين المظهر والجوهر.
الأديان كلها بحاجة لمراجعة الكثير من القصص التي تتناقض مع الرحمة والعدل اللتًين هما من المفروض أن يكونا من أعظم صفات الرب، لمعرفة إن كان الكهنوت عبر الزمن، وهذا هو الأرجح، قد اضافوا هذه القصص وشرعنوها خدمة لمصالح حكام الزمان وقهر أي محاولة للتمرد على الظلم.
علينا اتخاذ وقفة جادة لإبعاد الدولة والإنسان عن سلطة الكهنوت «رجال الدين» وإنهاء تاريخهم الواضح في خدمة السلاطين باسم تفسيرهم للنص الديني المبني على مصالحهم وهوى سلاطينهم، في هذا تخليص لاسم الرب المقدس من الدنس الذي سببه هؤلاء وإنقاذ لمنطقتنا الجريحة من هذا الانحدار والتطرف الذي تغلغل حتى نخاع العظم.
كاتب من فلسطين

الفهم الخاطئ للنص الديني

د. مشير الفرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية