مفهوم « التعاون المتوازن» بين النظرية والتطبيق في علاقات الصين الخارجية منذ عهد الزعيم «دينغ سياو بينغ» والدبلوماسية الصينية تشهد تطورات في مفاهيمها الأساسية في إطار تصورها للنظام الدولي. حيث انتقلت من نقد ومعارضة النظام الدولي القديم، ثم مرحلة المطالبة بإقامة النظام السياسي والاقتصادي الجديد يتسم بالعدالة والصواب، لتصل في الأخير إلى السعي للحفاظ على النظام الدولي. وفي سياق تفعيل هذه المفاهيم في علاقات الصين الخارجية، قام الرئيس الصيني الحالي «شي جين بينغ» بالدعوة إلى تشجيع تنمية النظام الدولي نحو مزيد من العدالة والمصداقية، وتحصين هذا النظام بمزيد من السلام والاستقرار.
إن مركزية مفهوم التعاون المتكافئ في العلاقات الدولية يتجلى من خلال إقامة نظام سياسي واقتصادي دولي جديد. والذي يتضمن كذلك دعم التنمية الثقافية والاجتماعية لبلدان العالم. وحسب هذا المفهوم الجديد لنظرة الصين للعلاقات الدولية، فإن هذه الأخيرة تقوم على قواسم مشتركة. حيث تعتبر كرامة الشعوب ومعها الدول على رأس القواسم المشتركة التي يجب أن يتمتع بها الجميع. والذي يحيلنا مباشرة على مبدأ المساواة بين الجميع، سواء كانت الدولة كبيرة أو صغيرة، غنية أو صغيرة. وترتبط الكرامة كذلك بحق الدولة في اختيار نظامها الاجتماعي والسياسي الذي تريده، دون تدخل من أي طرف وبأية وسيلة. حيث يملك الشعب وحده الصلاحية في الحكم على النظام الذي اختاره وملاءمته.
لذلك تسعى جميع الدول إلى النهوض بأوضاعها وتحقيق تنمية شاملة لشعوبها وأجيالها المقبلة من خلال تحسين معيشتها وتنمية الاقتصاد وحماية الثروات الطبيعية، والتمتع بانجازات التنمية التي تم تحقيقها، لكونها مكسبا يستحق الحفاظ عليه وتطويره. غير أن من واجب الدول التي استطاعت تحقيق درجة مهمة من التنمية أن تسعى إلى مساعدة باقي الدول وتدفع بها لتحقيق تنميتها. وتتجلى هذه المساعدة من خلال إصلاح النظام المالي والنقدي الدولي، وزيادة تحرير التجارة وتشجيع الاستثمار في إطار من التنسيق المشترك بين الجميع لتحقيق تنمية مشتركة تستهدف جميع الشعوب، ويعد ضمان الأمن الجماعي هدف هذه الأخيرة. حيث يستدعي ذلك التنسيق المشترك في مواجهة التحديات والمشاكل التي تعرفها البيئة الدولية. هذه التحديات التي تصعب مواجهتها بشكل انفرادي من طرف الدولة الواحدة، بل لابد من التعاون الجماعي لتحقيق الأمن المشترك.
ويعد المصير المشترك للشعوب، هو أحد القواسم المشتركة التي تحتوي عليها العلاقات الدولية الجديدة حسب المنظور الصيني. هذا المصير قوامه السلام والتنمية في إطار عالم متعدد الأقطاب، وانتشار العولمة الاقتصادية والتعدد الثقافي، والتطور المعلوماتي. إذن فلابد من التزام الجميع بالقواعد، في إطار المفهوم الجديد للعلاقات بين الدول، من خلال التمسك بمبادئ المساواة والديمقراطية والتسامح. كما يجب احترام حقوق الدول في اختياراتها السياسية وطرق تنميتها، إلى جانب احترام الثقافات والحضارات بشتى أنواعها.
منذ تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح، والصين تسعى إلى إيجاد مفهوم جديد يهدف إلى خلق الأمن والاستقرار، أي بلورة تصور صيني لمفهوم الأمن. وقد شكل مؤتمر وزراء الخارجية للمنتدى الإقليمي للأسيان الذي انعقد خلال عام 2002، محطة بارزة شهدت ميلاد «المفهوم الجديد للأمن الصيني»، وذلك من خلال الملف الذي قدمته الصين للمؤتمر تحت عنوان « ملف بشأن الموقف الصيني لمفهوم الأمن الجديد». وقد اشتمل هذا المفهوم على العناصر التالية: الثقة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والمساواة والتعاون. هذه المحتويات الرئيسية للمفهوم الجديد للأمن لدى الصينيين، تنبني على «تجاوز النطاق الأمني الأحادي والسعي للأمن المشترك عن طريق التعاون ذي المنفعة المتبادلة».
ومنذ ذلك الحين أخذ مفهوم الأمن يتبلور لتكتمل صورته بشكل واضح. ليقوم بعد ذلك مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني بإصدار الورقة البيضاء حول « التنمية السلمية الصينية» خلال عام 2014، التي أشار فيها إلى كون الصين» تستدعي مفهوم الأمن الجديد الذي يتمثل في الثقة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والمساواة والتعاون، وتسعى لتحقيق الأمن الشامل والمشترك والتعاوني».
إذن عند إجراء مقارنة بين مفهوم الأمن الصيني الجديد والمفهوم الذي تنادي به البلدان الأوربية والأمم المتحدة، يظهر أن هناك العديد من النقاط المشتركة بين المفهومين. لكن بوضع مقارنة بين المفهوم الصيني والمفهوم الأمريكي، يمكن تسجيل مجموعة من الاختلافات الرئيسية. ففيما يخص مسألة تجنب الحرب الباردة، يتسم المفهوم الأمريكي بالاتجاه نحو استخدام القوة لحل المشاكل والقضايا الأمنية. في حين يتجه المفهوم الصيني إلى الدعوة لتجاوز فكرة الحرب الباردة واللجوء إلى المفاوضات السلمية وتوسيع التعاون، عند مواجهة القضايا الأمنية والسعي لإيجاد الحلول. وفي هذا الصدد، تدعو الصين إلى « الأمن التعاوني»، والذي يرتكز على الحوار الأمني المتعدد الأطراف والتشاور الأمني الثنائي وكذا الحوار الأمني غير الرسمي.
تهيمن مفاهيم الأمن الأحادي، والأمن المطلق، والأمن القومي، وأمن الحلفاء، على التصور الغربي لمفهوم الأمن بشكل عام، بالرغم من دعوة البلدان الغربية إلى الأمن العالمي، حيث برزت هذه المفاهيم للأمن إبان أحداث العراق وليبيا والسودان. لكن رغم ذلك لا تغيب مسألة التعاون في المفهوم الأمريكي للأمن، لكن في العديد من الأحيان يكون ذلك بإجراءات دون موافقة الأمم المتحدة. مما يضفي على هذا المفهوم النزوع نحو الهيمنة واستباحة القوة. في حين أن الصين تؤكد على ضرورة اللجوء إلى الأمم المتحدة وتفعيل دور مجلس الأمن. كما يقوم التعاون الأمني الصيني على المساواة بين الجميع خلال مرحلة المفاوضات والمشاورات.
الدور الدبلوماسي لمفهوم «الحل السلمي» للخلافات الدولية
تتميز الصين بتعدد جيرانها، حيث يحيط بها أكثر من 20 دولة تشترك معها الحدود البرية والبحرية. وقد شكل هذا المعطى إشكالية كبرى للدبلوماسية الصينية في كيفية حل نزاعاتها الحدودية مع جيرانها. وإذا نجحت الصين سابقا في حل مشاكل الحدود البرية مع كل من منغوليا ونيبال وباكستان ومينانمار ولاوس وفيتنام وروسيا وطاجيكستان وقيرغستان، فإنها لا زالت تواجه صعوبات حل باقي المشاكل الحدودية مع الهند وبوتان، فيما يخص الحدود البرية، ومع فيتنام والفلبين وماليزيا واندونيسيا واليابان فيما يخص مشاكل الحدود البحرية.
وفي إطار إيجاد الحلول الناجعة لإشكالية تعدد الحدود البرية والبحرية للصين، وانعكاس ذلك على علاقاتها مع جيرانها، قام القادة الصينيون بالارتكاز على المبادئ التقليدية الصينية لحل النزاعات الحدودية. وفي هذا الصدد، تبنى الرئيس الصيني « شي جين بينغ»، الوسائل الودية لعلاج الخلافات الحدودية على أساس هذه المبادئ. فالصين تعي بانعكاسات هذه الخلافات على العلاقات الدولية، وبالتالي ضرورة العمل بشكل جدي على حلها عن طريق الحوار والتشاور والمفاوضات السلمية، والذي سيعود بالإيجاب على المنطقة والعالم بالسلام والاستقرار والازدهار. ولعل المعاناة التي شهدها الشعب الصيني إبان « قرن الإذلال»، جعلت الصين تتطلع إلى السلام والتنمية من خلال الدعوة إلى تحقيق نظام عالمي يقوم على السلام والتنمية السلمية.
تشكل الخلافات الحدودية بين الصين والهند، إحدى أكبر التحديات أمام العلاقات بين الطرفين. غير أن ذلك لم يمنع الرئيس الصيني «شي» من التفاؤل والتطلع إلى مستقبل مشرق للعلاقات بين البلدين. حيث يقول الرئيس الصيني في هذا الصدد: « ليس من السهل أن نعالجها، ولكن ما دمنا نثابر على التشاورات الودية، نستطيع أن نجد اسلوب الحل العادل الذي يقبله كلا الجانبين أخيرا. وقبل حل المشاكل الحدودية الحتمية، يجب على الطرفين أن يحافظا على سلام واستقرار المنطقة الحدودية، وتمنعاها عن التأثير في التنمية العامة لعلاقات الدولتين». ولكي يتم التحكم في اشتعال النزاعات الحدودية بين الهند والصين، فإنهما يرجحان الحكمة والمفاوضات للبحث عن حلول لهذه المشاكل. كما يسعى الطرفان إلى تعزيز آليات التشاور والتفاهم بينهما، إضافة إلى العمل على الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة الحدودية.
كما تشكل الأنهار العابرة للحدود إشكالية أخرى أمام الطرفين. غير أن الصين وفي سبيل عدم تفاقم هذه الإشكالية، تقوم بتقديم مساعدات للهند في مجالات البيانات الهيدرولوجية خلال موسم الفيضانات، كما ترحب الصين بالتعاون مع الهند في مجال استغلال هذه الأنظار وكذا الحرص على حماية البيئة. ومما سيعزز العلاقات بين الطرفين، هو زيادة الثقة المتبادلة بينهما والسعي لحل الخلافات العالقة عن طريق التعاون والتشاور.
إن كلا من الصين وفيتنام تجمعهما شراكة استراتيجية. وخلال المفاوضات اتفق الطرفان على تشكيل ثلاث فرق للعمل على تعزيز التشاور بينهما على الحدود البحرية، وفريق للعمل على تقوية البنية التحتية، وفريق ثالث لتعزيز التعاون المالي بين الطرفين. ويصب هذا التنسيق في اتجاه حل المشاكل العالقة والناجمة عن الحدود البحرية. وبالموازاة مع ذلك يسعى الطرفان إلى استغلال الموارد البحرية خارج خليج «بيبو» وكذا الاستغلال المشترك للنطاق البحري الواسع، في إطار الحفاظ على سلام بحر الصين الجنوبي وتعزيز الشراكة بين الجانبين.
باحث في العلاقات الدولية ( جامعة ابن زهر / المغرب)
محمد إعلون