سوريا: زجُّ الثقافة في عمق النزاع الدّائر

حجم الخط
0

منذ ما يقارب الخمس سنوات، وتحديداً منذ بدء الحراك الثوري في سوريا تشكّلت ذاكرة ثقافية جديدة لعموم السوريين، مزجت بين صور القتل اليومية والقرارات السياسية المتناقضة للمجتمع الدولي إزاء الأزمات المتشعّبة. أُضيفت إليها في الآونة الأخيرة مسألة الهويَّة الثقافيَّة بالنسبة لكل السوريين على مختلف طوائفهم وقوميَّاتهم، وباتت مسألة الانتماء هي المسألة الأشدّ تداولاً، بعد فقدان ثقة الشريحة الكبرى من المجتمع السوري وتأكّدها بأنّ النظام باقٍ وأن الثورة حرّفت مسارها نحو المجهول الغامض.
وكأنّ الانتماء لم يكُن موجوداً قبل تاريخ 15 مارس 2011 تلك حقيقة يجب الوقوف عندها بكل جديَّة، فنظام الأسد الأب والابن على حدّ سواء لعبا على وتر السوري وتركيزه على أن كل سوري هو سوري فحسب ولا شيء آخر (تشديداً على مقولة وحدة البلاد) التي فهمتها أجهزة الأمن السوريَّة أن من يكتب بغير اللغة العربية أو يتكلّم بسواها هو صهيوني ودخيل على الأرض السوريَّة، في حين أنّ الغارات الاسرائيلية لا تعتدي على – وحدة البلاد- المزعومة من وجهة نظر الأمن السوري، وسيأتي الردّ في الوقت المناسب، إلّا أن الانتماء في الحالة السوريَّة وإبّان اندلاع الاحتجاجات السلميَّة في درعا سرعانَ ما أخذت منحىً آخر، منحى يتبين واضحاً من خلال بعض المعارضين السوريين الذين ارتفعت أصواتهم بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السوريَّة، العبارة ذاتها التي تمّ تداولها سابقاً وفي الرّاهن على لسان حكومة النظام السوريّ.
الاختلاف الثقافي:
لا شكّ أن الاختلاف الثقافي ضرورة لرسم الخريطة لأي بلد، ولكن مع الحالة السورية لعبت التجاذبات السياسيّة دورها الأبرز في التشديد على الإبقاء على ثقافة واحدة موحّدة من دون الالتفات إلى الثقافة/الثقافات الأخرى الموجودة على الرقعة الجغرافيَّة التي هي سوريا، ففي عهد ما قبل اندلاع الثورة كانت الثقافة الموّحدة هي ثقافة البعث، وكانت الأولوية في وسائل إعلامها وثقافتها بكل الأجناس لمن يتكلّم عن أهميَّة فكر البعث بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، ولم يكُ يخلو الأمر بعض الأحيان مما يمكن أن يُطلَق عليه «تنفيس سياسيّ» خلال تكرار بعض الأسماء المعروفة بالعِداء للفكر القومي البعثي، هؤلاء أيضاً انقلبوا على الفكرة وباتوا ينشطون الآن في التوجّه المباشر والهجوم الأكثر مباشرةً على الفكر الشموليّ لأي جهة تشارك النزاع في سوريا، والحال هذه شارك النزاع العسكري في رسم أُطر ثقافيَّة يعمل عليها نخبة من المثقفين المنزوين على أنفسهم، ربمّا ليأسٍ ما أو ربمّا أيضاً لعدم اقتناع بتقريب وجهات النظر من خلال الثقافة وبدأوا الكتابة خارج السرب ليخطّوا لأنفسهم درباً مغايراً تماماً لما هو دارج، درب أن تكون وحيداً ومنعزلاً وتتابع ما يجري بصمت وهذه النخبة تعاني الأمرّين من كره قذارة السياسة ولعبها اللاإنسانيَّة.
الألم السوري فاق آلام كلّ الشعوب على الإطلاق، والدليل على ذلك حجم الألم والدم المراقَين في كل شوارع سوريا، حجم النزوح المروع الذي بدأ يخيف حتّى الدول الأوروبية ذاتها والشريكة في ادّعاء أن الأمور خرجت عن سيطرتها، لا يمكن اختزال الألم السوري بنشرة أخبار أو تقرير صحافيّ، فالألم يتعالى على التقاريرالصحافيَّة أو الكتابات الأدبيَّة وعلى مرّ الأزمان الغابرة والمقبلة على حدٍّ سواء، لكن المثير للتساؤل الآن هو حجم الكتابات الكثيرة التي تمّ رصفها وتنظيمها في الكتب وعلى صفحات المجلات ومواقع الإنترنت، كل تلك الكتابات تذهب أدراج الرياح لمجرّد تحرّك الطيران وانتشار رائحة البارود، ثمّة ثقافة تتجّه نحو الامّحاء وكتابات تؤصِّل وتؤسِّس لهذا الامّحاء من خلال خطاب الكراهية وتحريض ثقافة سورية على أخرى وأمام أعين الملأ.
الإعلام السوريّ البديل كثقافة
خلال عمر الحرب السوريَّة نشطت وسائل إعلام كثيرة تعمل من الخارج أو الداخل السوريّ، لكن ما انتقص من قيمة التجربة وغناها أنّ الأمر اقتصر على اليوميَّات المعاشة للمواطنين السوريين ومعاناتهم تحت الحصار المفروض في كل المناطق تقريباً، سواء من جهة النظام السوري وقواته أو من جهة التنظيمات المتشدَّدة وغضّ الطرف عن أمور تلعب الدور الحاسم في إيجاد أرضيَّة تبعث على التفاؤل لإيجاد مخرَجٍ ما وبالتالي القضاء على الأزمات المتكرِّرة، هذا الأمر انعكس سلباً على الترويج لفكرة الثقافة الحقّة التي تقرّب فعلاً بين وجهات النظر المتضادّة، هذا التقارب الذي يشكّل عقبةً أمام لغة السلاح السائدة، لا شكّ أنّ الإعلام اليومي مهمّ لإظهار حجم الكوارث الإنسانية التي يعاني منها السوري في الداخل والخارج إلّا أنّ المغالاة في نقل الصورة والأخبار العاجلة قوَّض كلّ أمل بالنسبة للمثقّف السوريّ الذي اختار رغماً عنه طريق السكوت وهو يرى الخراب الذي حوله فلمجرّد نقل صورة طفل تحت الأنقاض بطريقةٍ أو أُخرى يسهو السوريّ عن النقاط الاساسيَّة للحلّ ويبقى الذهن شارداً في تخيّل أن من في الصورة سيكون هو نفسه بعد ساعاتٍ قليلة، الخوف، سيّد كل شيء سوريَّاً.
لا شيء يفسد الثقافة كالسياسيين وطغيان السياسة على كل ما يتمّ انتاجه ثقافيَّاً، والتجارب في سوريا أثبتت ذلك، وهذا هو المطبّ الرئيس الذي وقعت فيه التشكيلات السياسيَّة إبّان اندلاع الثورة بأن تركت الثقافة خلف ظهرها ومضت تتكلّم باللغة اليوميَّة التي تنطوي على التجييش لا أكثر ولا أقلّ، الأمر الذي انعكس سلباً على إمكانية التفكّر بحلّ ثقافي والوقوف في وجه آلة العسكر التي تهدم يوميَّاً ومنذ أكثر من سنواتٍ خمس أجزاء كبيرة من البنى التحتيَّة السوريَّة، ثقافياً، اقتصاديَّاً وسياسيَّاً على حدٍّ سواء، هنا لا بدّ الإشارة إلى أنّ أغلب الساسة الذين عملوا في مجال النزاع السوري أغلبهم يفتقرون إلى الثقافة الحقيقيَّة في مواجهة الخراب والدمار والطغيان، الثقافة التي من شأنها أن تهذِّب النفوس في حالات الحرب وتكون العون في إيجاد المخرَج.
كان من الممكن جدّاً إخراج الثقافة من عمق النزاع الدّائر، ولكن نبصر الآن ضمن أوجاع السوري الكثيرة وجعاً لا يضاهيه أي وجع، أغلب الحركات الثقافيَّة في طريقها للانقراض، المعالم الأثريَّة التي تبين مدى الاختلاف الثقافي في سوريا أصبحت خارج حدود البلاد وتُعرَض كلقى أثريَّة في المتاحف الأوروبيَّة، نقل تلك الثقافات إلى الخارج كانت بمباركةٍ عالميَّة على الرغم من الأصوات التي نادت بخطورة ما يحصل ولكن ما من آذان صاغية إلى خطورة الموقف، الأهمّ من كل ذلك أن الجيل السوري الجديد باتَ الآن جيل الأنقاض بفضل السياسة في المقام الأوَّل وليس الحرب!.
كاتب سوري

سوريا: زجُّ الثقافة في عمق النزاع الدّائر

جوان تتر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية