طنجة ـ «القدس العربي» محمد العناز: شهدت فعاليات ملتقى مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية في دورته الثانية عشرة الذي عقد ندوة لمناقشة كتاب الألمانية إيريكا فيشر ليشته «من المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة» الذي قام بترجمته وتقديمه خالد أمين، وصدر عن منشورات «المركز الدولي لدراسات الفرجة».
استهلت المفكرة الألمانية إيريكا فيشر ليشته الندوة بالتعبير عن سعادتها بأن تنتقل رؤاها وأفكارها إلى اللغة العربية من خلال هذه المقالات التي تم تجميعها في الكتاب.
وتحدثت عن المسرح المتعدد أو الثقافات المتعددة، مسترجعة التبادلات الرمزية بين الثقافات؛ حيث تتفاعل عناصر فنية تنتمي إلى ممارسات مسرحية مغايرة لم يتوقف يوما. مع بداية القرن العشرين أضحى التفاعل يتسم بمذاق مغاير ونكهة خاصة، إذ غدا يتم بين ثقافات تنمي الى أفضية نائية وعوالم بعيدة (تفاعل المسافات الطويلة).
وبوعي نقدي متفجر ولا مهادن، تعتبر إريكا أن هذا التفاعل يضمر الاستعلاء الهوياتي الغربي وتفوقه المزعوم عبر دعم جنون العظمة الغربية.
وانطلق الباحث هشام بن الهاشمي في تقديمه للكتاب من مصطلح المثاقفة بوصفه تفاعلا بين الثقافات، وسعيا نحو الانفتاح من دون انصهار، وإبراز الذات من دون انغلاق، مستحضرا في هذا السياق ما أكد عليه خالد أمين في مقدمة الكتاب بأن الفن المسرحي لا يعيش إلا في اطار الحوار الفني والتلاقح الثقافي بين الشعوب، وأي تصور انطوائي سيحكم عليه بالموت والانتحار البطيء.
يتضمن الكتاب ثلاثة فصول تتدرج في إطار أطروحة تسعى إلى تحديد دواعي الانتقال من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة؛
ركزت إيريكا فيشر في الفصل الأول «مسرح المثاقفة»، على النصف الأول من القرن العشرين التي تعدها فترة مؤسسة في تطور المسرح، فقد نهل العديد من رواد المسرح الغربي من المسرح الشرقي. وكان من ثمار هذا الانفتاح، «دحض كل ما هو أدبي وواقعي نفسي في مسرح الوهم، وتقديم تصور جديد للفضاء المسرحي وسيرورة العرض المسرحي.. وفي المقابل آمن دعاة المسرح الجديد في الشرق بأن الأشكال المسرحية التقليدية أضحت بائدة وتقليدية وعاجزة عن مواكبة هموم وقضايا المجتمع الحديث.
وتخلص إيريكا إلى أن المثاقفة المسرحية تروم تحقيق أهداف محددة بدقة حسب متطلبات السياق والثقافة. وهي إما أهداف جمالية أو مرام اجتماعية أو هما معا. لكن حين يسعى مسرح المثاقفة إلى ترسيخ مسرح كوني كما هو الحال بالنسبة إلى بروك، فإنه في هذه الحالة لا يهتم بالهويات الثقافية؛ لأنه يولي اهتماما بالغا بـ»التجانس الإنساني؛ لأن المثاقفة المسرحية أيضا لها جانب سياسي لا ينبغي تجاهله، وهو مرتبط بالعلاقات السلطوية بين الثقافات».