«سيرة بحجم الكف» حياة حافلة وخصبة خارج المتن الروائي

حجم الخط
0

■ صدرت رواية العراقي الراحل محمود عبد الوهاب «سيرة بحجم الكف» إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة -2015 بعد أربع سنوات على رحيله، وكان الراحل قد دفعها للطبع، إلا أن ظروفا خاصة لم تتح لها الظهور في حياته.
وفي هذه الرواية وكل كتابات الراحل يتوفر عنصر التكثيف والعناية الشديدة بالعبارة القصصية، ودقة عالية في اختيار مفرداتها، فاهتمامه يرتكز على الكتابة النوعية، مفضلا العدد القليل النوعي على الكثير المألوف والمكرر، وقد اتضح ذلك من العدد القليل من القصص التي أصدرها: مجموعة قصصية واحدة، كتاب نقدي واحد، ورواية واحدة، ثم هذه الرواية التي صدرت بعد وفاته إضافة إلى قصص قصيرة غير مكتملة.
عاش الراحل محمود عبد الوهاب حياة طويلة (1929-2011) عاصر فيها كل الحكومات التي توالت على الحكم الوطني في العراق، ابتداء من الحكم الملكي، كما عاش زمنا طويلا في بغداد وأسهم في الريادة القصصية مع رواد جيل الخمسينيات: عبد الملك نوري، فؤاد التكرلي، مهدي عيسى الصقر، محمد روزنامجي، غائب طعمة فرمان وغيرهم، وانتمى إلى اليسار العراقي، فعاصر حياة خصبة بالأحداث والمنعطفات الخطيرة في الحياة السياسية العراقية وكذلك منعطفاتها الاجتماعية، وكان شاهدا واعيا ومثقفا على أحداث العصر الذي عاشه، ابتداء من ثلاثينيات القرن العشرين حتى بدايات الألفية الثالثة (توفي عام 2011). لكن كل هذه الأحداث والمصائر والتغيرات والمنعطفات الخطيرة في الحياة العراقية لم تجد لها صدى في قصصه، أو في الروايتين القصيرتين اللتين كتبهما «رغوة السحاب» و»سيرة بحجم الكف».

حياة بحجم صورة بوست كارد

تسرد هذه الرواية سيرة حياة صورة فوتوغرافية تضم أربعة شخوص، وقد التقطت في أربعينيات القرن العشرين، بينهم شقيق السارد الذي كان وقتها في العشرينيات من عمره، والرواية تعتمد قصة قصيرة كان قد نشرها القاص في مجموعته «رائحة الشتاء» عنوانها (سيرة) تسرد أيضا سيرة أربعة شخوص في الصورة التي التقطت عام 1942 أيضا بينهم أخو السارد الذي يظهر في الصورة (الواقفون في الصورة من اليمين إلى اليسار كمال وخليل وعبد الواحد وأخي أحمد الذي كان متنحيا عنهم قليلا متكأ بمرفقه على حاجز الجسر الخشبي المؤدي إلى السوق (ص41 من القصة القصيرة ) وهي العبارة نفسها في هذه الرواية (29 ـ 30) باستثناء تسمية اسم أخيه بـ (احمد) في القصة القصيرة، كما يرد في هذه الرواية العديد من العبارات الواردة في قصة سيرة وقصص أخرى من مجموعة «رائحة الشتاء» وكأن مجموعة «رائحة الشتاء» هي سيرة حياة السارد التي تطابق سيرة المؤلف في العديد من تفاصيل حياته الحقيقية.
وما يثير الاستغراب حقا أن القاص الراحل أهمل حياة حافلة بالأحداث والمصائر الدرامية والإشكالات المعقدة التي عاشها عن قرب وأسهم فيها عبر رحلة حياته الطويلة، من دون أن تجد لها فضاء أو حتى إضاءة بسيطة في قصصه أو روايتيه، من تلك الأحداث فصله من وظيفته، وتعرضه للسجن، واضطراره للعمل كقاطع تذاكر في سينما في البصرة، وهي حياة حافلة فعلا وتصلح لسرد عدد كبير من الروايات، لكنه اكتفى بسيرة بحجم صورة (بوست كارد) لم يوظف فيها ما رآه وما عاصره، من تلك الأحداث ولم يسجل وجهة نظره فيها، على الرغم من أسهامه في النضال السياسي والثقافي في فترة مهمة من حياته.
في هذه الرواية القصيرة نفتقد روح الأمل والتفاؤل التي دشنتها عبارته الطويلة التي وضعها في نهاية قصة «طقس العاشق» آخر القصص التي كتبها عام 1997 ونشرها في مجموعته الوحيدة، حيث يبدو الأمل بحياة جديدة واضحا وجليا «الشارع يتحرك في عينيه: يبرق، يضيق، يرتعش، يشحب، يزحف في حركة لا تنقطع، يطوي هذا العدد الضخم المتزاحم من الناس والأشياء ليستعدّ لنهار جديد في رحلة لا نهائية..» لكن هذه العبارة تأتي في هذه الرواية مقطوعة عن نهايتها بل أنها تأتي في الرواية لتكرس الصمت وتوقف الحركة «الشارع يتحرك، يبرق، يضيق، يرتعش، يشحب، يزحف في حركة صامتة، مستبدلا جملة «ليستعد لنهار جديد في رحلة لا نهائية..» بعبارة «يزحف في حركة صامتة» وهي إشارة قصدها القاص المتمعن في عباراته وجمله السردية المحسوبة بدقة متناهية، ليعبر عن عالمه الكئيب الذي عاشه في بدايات التغيير في العراق عام 2003 وإلى نهاية حياته.
ووفق ذلك نرى أن رواية «سيرة بحجم الكف»، تنتمي إلى عالم ما بعد التغيير (2003) على الرغم من أنها كتبت عام 2002 وأنها تسرد حدثا ماضيا لا علاقة له بعالم ما بعد التغيير، فوجهــة نظر الروائي مشحونة بتلك الشحنة الكئيــــبة التي غلفت حياته وحركته بين المقهى وبيته وبيوت أصدقائه في السنوات الأخيرة قبل رحيله، وازدياد وحدته وحزنه وهو يرى الخراب يحل في كل مكان من بلده الذي عاش فيه وهو يحمل أحلاما بحياة لائقة لشعبه ومثقفيه، وهي ثيمة تكرسها معظم الروايات الصادرة بعد التغيير 2003.
تنحسر الحياة في هذه الرواية بين حركة بحث عن كتاب في مكتبة منزوية في شارع من شوارع المدينة مع تعليقات عامة عن الكتب وعالم الكتب مستثمرا ضمير المتكلم عبر وصف دقيق بعين الكاميرا، كان الروائي قد دأب على استثماره في معظم قصصه، مجسدا فضاء المكتبة ومحتوياتها. ونلاحظ أن تقنية مصاحبة الكاميرا لضمير الأنا، هي تقنيته الأثيرة في معظم ما كتب، وهي تقنية قارة في هذه الرواية أيضا يستعين بها الروائي في تجسيد الأحداث وقت حدوثها بدمج ذكرياته عنها بضمير المتكلم، وكأنها تحدث أمام عينه مباشرة، ملتقطا أدق التفاصيل عبر عين الكاميرا التي تنتقل من مشهد عام يصور ضوء الشمس والتماعات الإعلانات الضوئية، إلى مشهد مقرب لرجال ونساء يصطحبون أطفالهم «وهم يحتضنون في زهو حقائبهم المدرسية المصنوعة من الكتان، تضطجع في أسفل حاشيتها صور دببة صغار ترمش بعيونها أمام حركة المارة» .

رائحة الشيخوخة تنتشر في المكان

تكشف هذه النزعة في تصوير المشاهد رغبة ملحة من السارد في الالتقاء بالآخر، خوفا من الوحدة والفراغ، ولذا فهو يؤثث الرواية بمشاهد وحركة وأصداء كلام، من دون أن تكون لها علاقة قريبة بالصورة الفوتوغرافية التي تمثل مركز الرواية، كما أنه يوظف قصصا قصيرة، تسرد حياة بعض شخصيات الصورة الأحياء ـ عبد الواحد مثلا ـ وهم يتشبثون بحياة تبدو بعيدة عنهم، وليس في الرواية سوى الكهول باستثناء (إبراهيم) الشاب قريب عبد الواحد الذي يشتغل صحافيا ومصورا، وهو يظهر ويختفي من خلال السارد، الذي لا يعطيه سوى دور ثانوي هو الاستدلال على استوديو المصور كراكين الذي التقط الصورة مركز الرواية. ونلاحظ أن زمن الأحداث ينتمي إلى فترة بعيدة، وليست هناك إشارة إلى الحياة العراقية المعاصرة، التي تتزامن مع كتابة هذه الرواية (كتبت عام 2002 كما صرح لي القاص محمد خضير بذلك وهي فترة كانت تحمل أحداثا وتوقعات بتغيرات عاصفة حدثت فعلا بعد سنة من كتابة الرواية).
وعلى الرغم من انحسار الأحداث ووجهة النظر عن حياتنا المعاصرة، نلاحظ أن رواية «سيرة بحجم الكف» أخلصت لعالم الصمت وجسدته عبر شخوصها الكهول علامة على احتجاج مبطن، ووجهة نظر تهجو كل التغيرات التي حدثت بعد عام 2002 زمن كتابة الرواية، وكان بإمكان القاص أن يقول ما يريد قوله، لكنه اكتفى بالصمت، متمثلا بحياة مجسدة في صورة فوتوغرافية، بحث عنها عبر الشوارع والأزقة والأسواق، مجسدا حياة عامرة بالحياة والحركة والشخوص والحوارات كانت تنتمي إلى زمن بعيد – زمن الشباب- وصولا إلى نهاية الرواية التي تجسد الصمت والوحدة والظلمة، ورثاء الحياة الآفلة بصوت منكسر وحزين «الزمن يمضي يمحو المباهج والأحلام وسكون موحش وغامض. المارة يتناقصون كما لو أن الأرض أخذت تمتصهم واحدا بعد الآخر. كنت واجما أنظر بحزن شفيف إلى المشهد الذي كان صاخبا وكيف بدأ يتوارى في ظلال الأزقة وفي عتمة الدكاكين المغلقة …». ليصل بعد ذلك إلى «لم أعد أرى سوى ذلك الظلام الذي تراه حينما تغلق عينيك هاربا من مصير مقبل تجهل أوانه».
٭ ناقد عراقي

«سيرة بحجم الكف» حياة حافلة وخصبة خارج المتن الروائي

جميل الشبيبي٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية