عندما أدلى وزير النقل العراقي الجديد كاظم فنجان الحمامي بتصريحه (القنبلة) في احتفال افتتاح مطار ذي قار الدولي، ظننت لأول وهلة أنها نكتة، فالرجل عرف عنه التنكيت، ففي حديثه التعريفي بنفسه في المؤتمر الصحافي بعد استيزاره مباشرة، قدم نفسه بتعريف فيه خفة دم حيث قال، أنا لست مهندسا كما تم تقديمي، أنا مرشد بحري أقدم في هيئة الموانئ العراقية، بل أنا المرشد الأقدم في الموانئ العراقية فسنوات خدمتي الفعلية (44) عاما، وقال ضاحكا هذا يعني أنني كنت مرشدا بحريا في سفينة سيدنا نوح (ع).
والمرشد البحري، هو كابتن بحري يقوم باستلام البواخر عند وصولها لحدود مياه المنطقة التي تقع تحت مسؤولية الميناء الذي يعمل فيه، ويقوم بتنظيم مرور البواخر في الموانئ ومناطق الإرشاد مثل، القنوات والممرات البحرية والمضائق، حيث يرشد كل أنواع البواخر في دخول الميناء والخروج منه ويدعم قباطنة البواخر الواصلة في قيادة بواخرهم، وكل هذه المواصفات متوفرة في كاظم فنجان الحمامي كما يشهد من زامله في العمل، فهو رجل تكنوقراط ذو كفاءة علمية، وهو ايضا كاتب مقال سياسي نشر العشرات من المقالات في الصحف ومواقع الانترنت، وهنا تكمن الاحجية.
بعد تفجير الوزير لـ(قنبلته) ضجت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الاعلام بالسخرية والاستهزاء من تصريحه، وطالب البعض بالحجر على الوزير المشكوك بقواه العقلية، من جانب اخر انبرى البعض للدفاع عن طروحاته، واستعانوا بمحرك البحث غوغل للنبش عن معلومة المطارات السومرية، وإشارات صموئيل نوح كريمر استاذ السومريات وتصريحاته التي اشار لها الوزير عندما تحدث عن أقدم مطار في تاريخ البشرية قبل سبعة آلاف سنة في مدينة الناصرية، الذي فرح عندما لاحت على وجوه الحضور الدهشة، فقد أتت (القنبلة) نتائجها من الابهار، وقال لهم ان الكثيرين يجهلون هذه المعلومة التاريخية، وابتدأ بسرد معلومات ارتبطت بشكل اساس بـ (الانونانكي) الكلمة التي اعتبر الوزير ان أستاذ السومريات كريمر اخطأ عندما ترجمها آلهة، لان معناها ملائكة تطير بأجنحة وصدع غير المعنيين او غير المختصين بتواريخ وارقام ونظريات (علمية) واساطير. كل ذلك كان (جعجعة بلا طحن) كما يقول المثل، ولمن يريد معرفة اصل الحكاية، نقول ببساطة؛ في منتصف السبعينيات طرح هذه النظرية كاتب اسمه زكريا ستشن، وهو يهودي اذربيجاني ولد في باكو عام 1920، وكبر وترعرع في فلسطين حيث هاجرت عائلته الى هناك إبان الانتداب البريطاني على فلسطين، درس الاقتصاد في مدرسة لندن للاقتصاد، وهاجر الى الولايات المتحدة، وعمل في شركة للنقل البحري في نيويورك، ونتيجة شغفه بالميثولوجيا والاساطير التوراتية قرأ في الحضارة الرافدينية والمصرية، وكانت اولى كتاباته في هذا المضمار في السبعينيات، أي في ذروة الحرب الباردة، وهي الحقبة التي شهدت فذلكات الصحون الطائرة والعوالم الخفية لمثلث برمودا وغيرها من الطروحات البعيدة عن روح البحث العلمي الحقيقي، فكانت كتبه خليطا من الخيال العلمي المستند الى بعض المصادر الاركيولوجية الخاصة بحضارة العراق ومصر بعد تحريفها ومسخها.
اطروحة ستشن الرئيسة كانت تتحدث عن قدوم كائنات فضائية هم (الانونانكي) وهي كلمة سومرية ترجمها ستشن بشكل اعتباطي وغير علمي وبدون اسانيد على انها (القادمون من السماء او الجنة)، واعتبرهم اقواما متطورة علميا تزاوجت مع البشر البدائي وانتجت الانسان المتحضر في ارض سومر، الانسان الذي علمه (الانونانكي) العجلة والزراعة ونظم الري وغيرها من العلوم التي اتقنها السومريون في وقت مبكر من عمر الحضارة البشرية، وكان هدف (الانونانكي) تسخير البشر لخدمتهم في البحث عن مناجم الذهب في الارض، لنقله الى كوكبهم (نيبيرو) الذي يقع بين زحل والمريخ! إلا أن ظهورالفيضان العظيم، أو الطوفان، أجبرهم على الرحيل عن الأرض. ويجب التأكيد على ان العلماء المختصين فندوا ورفضوا أفكار زكريا ستشن جملة وتفصيلا ووصفوها بالعلم الزائف، وانتقدوا عمله بسبب منهجيته المعيبة والترجمات الخاطئة لنصوص بلغات قديمة لا يجيدها اصلا، حيث أشار البروفيسور مايكل هيسر عالم اللغات القديمة أن كلمة (أنونانكي) تعني اصحاب الدماء الملكية، وهو لقب كان يطلق على الحكام بحسب المعتقد السائد انهم متحدرون من الاله (انو) ولا توجد اي اشارة الى انهم قادمون من السماء، فضلا عن الكثير من الاخطاء والاجتراحات الفلكية والعلمية غير الصحيحة التي ملأت كتابات زكريا ستيشن، ومع كل ذلك يشير سيادة الوزير له بـ»المؤرخ الكبير المتخصص بالدراسات السومرية زكريا ستشن».
إن الميثولوجيا الرافدينية مليئة بالكائنات الاسطورية والالهة التي تسكن السماء والتي تتصارع كرموز للخير والشر بحسب مفاهيم انسان العراق القديم، وقد انتقل الكثير من هذه الاساطير الى الديانة اليهودية في مرحلة السبي البابلي، كما انتقلت انماط من هذا التفكير الاسطوري الى ديانات اخرى مثل الديانة المندائية (الصابئة)، حيث نجد في الادب الديني المندائي سفنا فضائية وكائنات نورانية تسكن الكواكب السبعة التي كانت معروفة حينها، لكن كل ذلك يبقى ضمن الميثولوجيا ويتم تناوله بالدراسة على هذا الاساس، لكن ما فعله وزير النقل التكنوقراط، انه استخدم هذه المعلومات على انها حقائق علمية، وزاد الطين بلة في ادعائه ان «أجواء محافظة ذي قار خالية من المؤثرات الجوية، التي تثقل من تحرك الطائرات وتحدد من مناورتها أثناء الهبوط، لذا اختار السومريون ارضها لانشاء المطار قبل سبعة الاف عام عندما قاموا برحلاتهم الفضائية»! وهنا لا يسعني إلا ان اردد كلمة عبد الرحمن منيف «نصف المعرفة أشد خطراَ من الجهل». أليس الاجدر بوزير النقل ان يسخر وقته وجهده لتطوير عمل الوزارة وتجاوز محنتها، وزارة نقل في بلد يعوم على بحيرة بترول وتقدم اسوأ خدمات نقل في العالم، خطوطنا الجوية ممنوعة من النزول في نصف دول العالم، ولا تقارن خدماتها الا بأفقر دول افريقيا. وزارة نقل لم تقدم اي شيء في مجال النقل النهري في بلد فيه نهرين عملاقين يربطان العراق من اقصاه الى اقصاه، أما النقل البري ففي اسوأ حالاته، ومع هذه الحالة الكارثية، يفتتح سيادة الوزير مشروعا جديدا، لكن ما هو؟ تحويل قاعدة الناصرية العسكرية الى مطار مدني! أين الإنجاز في ذلك؟ وكم عدد المسافرين الذين سيخدمهم هذا المطار؟ اما كان الاجدى بالوزير تطوير الخدمات المقدمة في المطارات المنشأة اصلا، حيث اشار أحد الاصدقاء الى ان ساحة انتظار مطار البصرة، وهي ثالث اكبر مدن العراق، ما تزال ترابية تتحول الى بحر من الاوحال في الشتاء ومكان يغطيه الغبار الكثيف في الصيف، مع غياب تام للمرافق الصحية والخدمات الاخرى، حيث ينتظر المستقبلون او المغادرون تحت الشمس الحارقة في ارض جرداء، وكذلك الحال في مطار النجف الذي يستقبل كل السياحة الدينية المقبلة للعراق، هو الاخر في حال مزرية من غياب التنظيم وسوء الخدمات وغياب حتى ابسط مظهر من مظاهر التعامل الانساني مع المسافرين واحتياجاتهم، وهنا نسأل سيادة الوزير، من كان اجداده يسيرون الرحلات الى الفضاء اليس الاجدر به ان يعمل على تطوير نفسه بطريقة علمية حقيقية ؟ ام ان تجارة الكلام اكثر رواجا في عراق اليوم؟
لابد من ان يفهم المواطن العراقي ان المسؤول في العراق مهما بلغت درجته الوظيفية هو في النهاية موظف خدمة عامة، وان يحاسبه على مستوى ما يقدمه من خدمات، لا على اساس ما يتفلسف به من تصريحات، فقد اتخمتنا الطبقة السياسية بتصريحات وشعارات وتفاخر فارغ على مدى ثلاثة عشر عاما، والنتيجة شعب يعيش أسوأ ما مر به عبر تاريخه الطويل.
كاتب عراقي
صادق الطائي