اعضاء الكنيست العرب الذين قاطعوا جنازة شمعون بيريز ـ هذا حقهم الكامل، بالطبع ـ قاموا بانتخابه رئيسا للدولة. يمكن تصديق أن اعضاء الكنيست العرب توجد لهم مشكلة مع بيريز رجل الأمن، كما قال أيمن عودة (في الوقت الذي ليست لهم مشكلة مع بشار الاسد، رجل الأمن). ولكن ألم يكن رجل الأمن معروفا لهم عندما انتخبوه رئيسا؟ هل هناك منطق في هذا الامر.
المشاركة في الجنازة الرسمية لشخص كان جزءاً من صورة إسرائيل، هي فعل رمزي يعكس التسليم بالدولة وقبول شرعيتها والرغبة في الاندماج الحقيقي. وليس التسليم بسياسة معينة ـ بل التسليم بالدولة. مشاركة محمود عباس كانت خطوة حسن نية دبلوماسية تستحق التقدير تجاه دولة اجنبية، تجاه عدو يفترض التوصل معه إلى سلام. وفي المقابل، اعضاء الكنيست من القائمة المشتركة شعروا وبحق، أن مشاركتهم ستنقل رسالة أنهم يعتبرون أنفسهم اعضاء برلمان إسرائيلي. لذلك هم ليسوا مستعدين، لأن الرواية القومية الفلسطينية التي يتمسكون بها تناقض هذه الامكانية.
لحظة ـ لكنهم بالفعل اعضاء في الكنيست الإسرائيلية ويعملون فيها بشكل فعال. فهم يشاركون في انتخاب رئيس الدولة. وفي فترة رابين كانوا جزءاً من الجسم المانع الذي حافظ على بيريز الأمني في السلطة. في المجال السياسي الفعلي هو جزء من الطريقة ـ وفي نفس الوقت يتمسكون بالرواية التي تقول إنه ليس شرعيا أن يكونوا جزءا من الطريقة. لذلك فإن اعضاء «حداش» وليس فقط «بلد» يشعرون بين الفينة والاخرى بضرورة تأكيد الرواية. وهذا ما فعلوه الآن ايضا. الجمهور الإسرائيلي اليهودي يلتقط جيدا هذه الرسالة. والنتيجة هي أن القائمة المشتركة تعد باندماج السياسيين العرب في مؤسسات الحكم الإسرائيلية وتعيق اندماج الجمهور العربي الواسع في الدولة والمجتمع الإسرائيليين.
الكثيرون سيقولون إن هذه هي الرواية الوحيدة للجمهور العربي وليس هناك سواها. ولكن الحقيقة أنه كانت ذات مرة لحداش رواية مختلفة، مختلفة جدا. يقول ايمن عودة أنه غير مستعد لنسيان (حتى لبيريز شخصيا) العام 1948. من الجدير أن يتذكر موقف حزبه في العام 1948. فهذا الحزب أيد خطة التقسيم. ولا أحد يتذكر كيف تم التعبير عن هذا التأييد ومن الذي تم اتهامه من قبل الشيوعيين، العرب واليهود، بالحرب وكارثة عرب البلاد التي نتجت عنها.
في خطابه الأول في الكنيست في 9 آذار 1949، تحدث الشيوعي العربي توفيق طوبي عن «مقاومة الشعب في إسرائيل والحرب من اجل الاستقلال والحرية» ضد «الهجوم الامبريالي عن طريق العرب… واذا نجحت الامبريالية بشكل مؤقت بأن تأخذ من العرب في البلاد استقلالهم. وايضا إذا نجحت في التسبب بكارثة للشعب العربي، فإن الامبريالية لم تنجح في تدمير دولة إسرائيل. وهذا هو انتصار قوى الحرية والديمقراطية في الشرق الاوسط».
هذه الاقوال توضح من الذي يجب أن يحاسبه عودة على العام 1948، إذا كان يرى نفسه ينتمي إلى الارث السياسي الذي مثله طوبي.
الكثير من المياه تدفقت منذ ذلك الحين في أنهار كثيرة. الجمهور اليهودي على يقين من أنه لم يبق في الحزب الشيوعي وحداش أي ذكر لهذه الرواية. ولكن القوميين العرب «الطاهرين» ما زال لديهم مأخذ على موقف الحزب في العام 1948 وهم يشككون في قوميته. وفي العام 1996 كتب عزمي بشارة في مقال له بعنوان «عرب إسرائيل ـ مراجعة للحوار السياسي المنقسم» أن «العربي الإسرائيلي» ـ هو لقب استنكاري للعربي الذي يريد الاندماج في إسرائيل ـ «ويتبين من كتابات اميل حبيبي أن هذا تعبير ثقافي أكثر بروزا للعربي الإسرائيلي. الرواية التاريخية له هي أن عرب إسرائيل عرفوا الحقيقة دائما وصمدوا وبقوا. بقاءهم هو قرار واعي وحكيم مقابل غباء اللاجئين الذين صدقوا وعود العرب وتركوا منازلهم، ومقابل الحركة الوطنية الفلسطينية التي رفضت تصديق الواقع إلى أن هُزمت. وعندما هُزمت قال العربي الإسرائيلي: لقد قلنا لكم».
إن الهزيمة حسب موقف بشارة هي اتفاقات اوسلو، والخطأ الكبير لاميل حبيبي هو أنه صدق بالفعل، كما اشتبه بشارة، بفكرة دولتين لشعبين ـ هذا هو موقف الحزب الشيوعي المعلن.
إن اميل حبيبي لم يتنازل أبدا عن مطلب المساواة الكاملة واستقلال الشعب الفلسطيني. هل يوجد من يقود الجمهور العربي في إسرائيل الذي في اغلبيته مستعد لذلك، على ضوء ارثه وطريقه في كل مراحله؟ لقد حصل اميل حبيبي في عام 1992 (قبل اوسلو) على جائزة إسرائيل من قبل رئيس الحكومة اسحق شمير. وكان هذا قرارا صعب بالنسبة له. فماذا كان سيقول عن جرأة الذين قرروا مقاطعة جنازة شمعون بيريز؟.
هآرتس 5/10/2016
الكسندر يعقوبسون