«المشتركة» لا تشارك

حجم الخط
0

هل الانتقاد على «الآخر» هو بالضرورة محاولة متعالية ومغرورة لفرض الفكر القمعي عليه؟ لا شك أن الانتقاد على جماعات دحرت إلى الهوامش يبدو غير مرة كمحاولة من اصحاب القوة لجعل طريقهم هو الطريق السائد، ليس فقط من ناحية سياسية (الأغلبية تحكم) بل وايضا أخلاقية (الاغلبية محقة ـ عقلانية).
لقد طرحت هذه المسألة في الآونة الاخيرة على البحث العام في أعقاب قرار اعضاء القائمة المشتركة مقاطعة جنازة شمعون بيريز. فقد قال المدافعون عن القرار ان بيريز ليس بطل الفلسطينيين. احترموا القرار. انتقادكم ينبع من الاحساس بانكم تعرفون اكثر منهم كيف يكونوا «فلسطينيين طيبين».
قبل أن نتناول قرار أعضاء القائمة المشتركة، تعالوا نفكر للحظة في خط الدفاع هذا. فتفسيره ليس شرفا «للآخر» بل اعتباره غريبا. فلمن ليس جزءا من الجماعة لا توجد قدرة، حسب هذا الفكر، ان يفهم اعضاء الجماعات الاخرى. عليه أن يقبل كل أفعال المقموع باسم آلامه الكثيرة (والمبررة غير مرة).
أعتقد ان هذا الطريق يؤدي إلى التفكك الاجتماعي وليس إلى التكافل. ففي صورته المتطرفة يمنع البحث الاجتماعي. فأنا اعتقد ان العلماني مثلا من حقه ان ينتقد الاصوليين وإن كان لن «يفهم» العالم الأصولي كمن يعيش فيه. يحتمل أنه في نظر الاصولي يعد التمييز ضد النساء أمرا طبيعيا (أو فوق طبيعي)، ويحتمل أن يشعر الاصولي بأنه هو وطريقه يواجهان السخرية وانغلاق الحس. يحتمل، وعلى الرغم من ذلك، فلا مجال للادعاء بان العلماني ممنوع من انتقاد اقصاء النساء لأن ما يحركه، بقوة التعريف، هو التعالي.
سلطة الاغلبية هي الساحة التي تبحث فيها قواعد اللعب المشتركة والقيم المشتركة. فهذه القيم نسبية دوما ومنوطة بالعلاقة. فضلا عن ذلك فإن البحث العام لا يستهدف القول للناس بماذا يفكرون: فهو يستهدف القول ما هو طريق العمل الشرعي. فليس لاحد الحق لان يقول لي بأي إله أؤمن. ولكن من حق وواجب المجتمع أن يقول ما هو (في نظره) السلوك الشرعي.
واضح أن على أولئك الذين ينتمون لجماعة الاغلبية أن يسألوا انفسهم إذا لم يكن انتقادهم تحركه المصالح. من السهل التشويش بين الحقيقة الذاتية التي تخصك والحقيقة الموضوعية. ولكن إذا لم نفكر بأن الانتقاد يمكنه أن يكون شرعيا، فكل منا سيغلق نفسه في الغيتو الخاص به وكل يرفع عنه العتب. إذ أن الجانب المظلم من اسكات النقد على «الآخر» باسم مبدأ عدم الفهم (ابدا لن نتمكن من فهمه حقا) هو ان القوي سيدعي بأن لا معنى للاقناع، وان من ليس مثله لا يمكنه على أي حال ان يفهمه. عندما يجري حوار الطرشان، لا توجد حجج. فالقوة هي التي تقرر.
من ناحية موضوعية، لا يعتقد أحد بأن الرد على بيريز ومشروع حياته يجب أن يكون موحدا. فأنا مثلا لم أكن من المعجبين به، وليس بالضرورة للاسباب التي عددها أيمن عودة، بل لاسباب لم تطرح على الاطلاق في النقاش العام. مشكلتي المركزية مع بيريز لم تكن في أنه كان يمينيا أو يساريا (فقد كان مثل كثيرين وطيبين هذا وذاك)، ولا على ميله العملي أو ميله إلى الخيال (فقد كان هذا وذاك معا) بل سلوكه السياسي.
لقد كانت لبيريز مساهمة كبرى في هدم حزب العمل. وبقدر كبير جعل اللعبة السياسية في إسرائيل كراسي موسيقية تهكمية. ولكن بيريز لم يكن شخصا خاصا. كان رئيس وزراء إسرائيل. ورئيس الدولة. وجنازته هي حدث رسمي، والمشاركة فيها لا تعبر عن التأييد للشخص بل للمنصب. لو كنت نائبا، لحضرت الجنازة بلا صلة بآرائي.
هذه المشاركة لا تختلف جوهريا عن أداء قسم الولاء من جانب أعضاء الكنيست لدولة إسرائيل وقوانينها، حتى وان لم تكن كل القوانين جيدة. النواب يقسمون بانهم يعبرون عن ولائهم للمملكة كمبدأ لا لكل جانب وجانب فيها. ومن المملكة يستمدون قوتهم. في نظر الكثيرين فإن نقاء أعضاء القائمة المشتركة لا يفهم كرفض لشمعون بيريز الانسان بل كرفض للجماعة. هذا خطأ سياسي جسيم. ها أنا، قلت هذا.

يديعوت 5/10/2016

«المشتركة» لا تشارك
عندما يجري حوار الطرشان ولا توجد حجج فإن القوة هي التي تقرر
أفيعاد كلاينبرغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية