«كازابلانكا»… فيلم نصف القرن الأمريكي

حجم الخط
0

أبوظبي ـ من محمد جميل يعقوب: البحر الأبيض المتوسط وعاء الهروب الكبير، الكتلة المائية الضخمة المحبوسة في تجويفٍ هائل يقع وسط قارات العالم القديم المشهورة، يعتمد الإفلات من قبضته على متانة القارب المطاطي وجرأة الملاح والتصاقٍ شديدٍ بالسترة المنفوخة، لا تُلام الأمواج العالية فليس ذنبها إن كان حجم الرئة محدوداً ولا تتسع تجاويفها الضيقة لكل مياه البحر الأبيض المتوسط، وعلى الهارب أن يتحلى بقصبةٍ هوائيةٍ مرنة وفتحة أنف واسعة أوغلاصم سمكة وثقة غير محدودة بالماء.
في الحرب العالمية الثانية كان الهروب معاكساً، يبدأ من الشمال إلى الجنوب، ازدادت موجات الهاربين بعد أن التفت المدرعات الألمانية حول خط ماجينو الحصين ووصلت إلى باريس، خط سير المهاجرين أو الهاربين كان ينطلق من باريس إلى مرسيليا ثم الخوض عبر اللجة المالحة للبحر الأبيض المتوسط إلى وهران الجزائرية، تليها رحلة صحراوية مضنية إلى الدار البيضاء، وهناك تبدأ المناورة بالحصول على إذن خروج بالطائرة إلى لشبونه «المحايدة». المحظوظون والمدعومون الذين يحصلون على الإذن «الكنز» يحطّون في لشبونه ليتابعوا طيراناً مضموناً إلى أمريكا حيث الأرض الجديدة؛ أما الأغلبية ممن ينتظرون فقد شكلوا «طبقة» بالمفهوم الماركسي مهنتها الانتظار والتسكع.
بهذه الخلفية اللوجستية بدأ فيلم «كازابلانكا»، صوت المذيع الأجش يلاحق السهم الذي يرسم خطاً يقطع به البحر المتوسط حيث وجهة سفر المهاجرين ليقف في كازابلانكا عند مقهى «ريك» الأمريكي، الملاذ المسلي لطبقة «من ينتظر».
لصوص ونصابون ومغامرون ومرعوبون سحنهم أوروبية تواقة إلى النمط الأمريكي ككل شيء في مقهى ريك، ريك النموذج يظهر في الدقيقة السابعة من الفيلم «كهدف مرسوم بعناية» وقد استهلكت في التمهيد لظهوره، يبدو ريك جالسا وهو يوقع شيكاً بقليلٍ من الاكتراث ويحملق في رقعة شطرنج يلاعب بها نفسه وسيجارة مشتعلة العنوان الدرامي للثقة المفرطة، يمسك ريك بمَشاهد الفيلم من هذه اللحظة ولا يتركه إلا وهو يسير مبتعدًا عن الشاشة برفقة مفوّض الشرطة الفرنسي والضباب يلفهما في آخر مشاهد الفيلم، لن يترك المشاهد كرسيه بعد مشهد النهاية فيلزمه بعض الوقت ليسترجع فيه مكونات هذا الرجل الذي يفرقع أصابعه فيصنع المعجزات.
يتواجد ريك في المكان الذي يرغب الجميع بمغادرته، إنه ساخرٌ من دون أن يضحك، حاسمٌ من دون تردد، مغامرٌ لدرجة المقامرة، تهابه أوراق اللعب، وقد تنقلب الشخصيات في الفيلم على الطريقة الهندية ليبقى ريك في القمة، لا يعرف إلا النجاح، يحب النساء من دون أن يبدو على محياه أثر للعشق، ونشاطه المبهر مبرمج ضمن جيناته وليست مجرد تعليمات من مخرج الفيلم. أما نظرته البراغماتية فهي تدل على استيعابه لكل ما كتبه وليم جيمس، يتحرك بحرية في التوكسيدو الأبيض ليتواجد في كل ركن من أركان مقهاه، يغطي على أخبار بؤس اللجوء وعلى خطورة شوارع كازابلانكا ويختصر الجمال الطبيعي لشريكته في الفيلم أنغريد بيرغمان الخالي من أي أثر للنفخ أو الشد إلى مجرد حضور ترفيهي يساعد على إبراز الشخصية الأمريكية. وفوق كل ذلك يستثمر بنجاح في أوساط خائبي الرجاء من دون أن يبدو مستغِلاً لأوضاعهم، فكل شيء في السيناريو مكرّس لخدمته.
لا يسع الأمريكي أن يقدم نفسه إلا بهذه الطريقة في بيئة الحرب العالمية الثانية، حيث صوت القومية الألمانية يصم الآذان والدعاية السوفييتية المجلجلة وتضحيات الكاميكاز اليابانيين، وجدت أمريكا مجالاً إعلانياً سهلاً على شاشات السينما فقدمت ريك البطل النموذج ووضعت على طرف فمه سيجارة مشتعلة تزيد من إرهابه الدرامي، ونسجت على قياسه قصة عشق سريعة وغير مقنعة رغم مفرداتها البليغة، لتتفرغ بعد ذلك إلى «الإعلان» عن أدق تفصيلات هذه الشخصية المتفوقة المعادل «الواقعي» للسوبرمان ولكن بتوكسيدو حضاري ذي لون أبيض وليس ببذلة فضائية ملونة.
أنتج الفيلم في الأربعينيات المبكرة ضمن آليه درامية موجهة، مستوعبة للحاجات الثقافية لمواطن ذلك الزمان المتعطش لمشاهدة الانتصار عشية الهجوم على بيرل هاربر ووسط أخبار الجبهات الأوروبية المتهاوية فقدمت انتصاراً عاطفياً ذكياً بلكنة أمريكية وبأدوات درامية بسيطة ذات عائد اقتصادي وفني مجزٍ، من دون أن تظهر طوابير اللاجئين ومن دون أن نسمع كلمة عربية ولا حتى أمازيغية واحدة، رغم أن كل أحداث الفيلم تدور في مدينة مغربية، ظهر أعضاء الجستابو النازي ككومة من الأغبياء والمفوض الفرنسي كفاسدٍ ومرتشٍ، مما جعل الشخصية الأمريكية واضحة النقاء متعالية من دون جهد إضافي.
كازابلانكا الفيلم «العقائدي» المتحيز لم يلتفت إلى الهاربين من الحرب، ولكنه استفاد من «طريق الأوكسجين» الذي سلكوه في صناعة فيلم مازال وسيبقى ضمن أفضل عشرة أفلام عرفتها البشرية.

«كازابلانكا»… فيلم نصف القرن الأمريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية