رجل واحد كان كافيا للقيام بتلك الثورة

حجم الخط
1

شاشة الكومبيوتر الصغيرة، المحمولة على آلة تدار من بُعد، بدا ظهورها، بل حضورها، مؤثّرا في نهاية الفيلم. فقد ارتفع لها تصفيق الجمهور المحتشد الذي غصّت به القاعة بأجنحتها الكثيرة، وكذلك جمهور السينما الذي استجاب لما شاءه المخرج من التركيز على حركة تلك الآلة في ما هي تتقدّم مثل روبوت قادر على أن يوجّه نفسه بنفسه.
كان يمكن مشاهدة تلك الآلة ذاتها، في ظهورها ذاك إياه، مؤدّية ذلك المشهد ذاته، على واحدة من وسائل التواصل الاجتماعي، لكن من دون الاحتفالية التي حُمِّلتها هنا في الفيلم. ربما كانت الموسيقى هي التي أضفت تلك الحماسة الاحتفالية على المشهد، أو ربما كان ذلك الجمهور الكثير المتصايح محتفلا هو أيضا ومعظّما ظهور الآلة وتقدّمها إلى حيث يقف من سيجري مقابلة على السكايب مع إدوارد سنودن التي تشاهد صورته على تلك الشاشة. هذا المشهد، الأخير في الفيلم، أريد له أن يرفع ذروة التأييد للشاب سنودن، معلنا عن تكريسه بطلا تاريخيا وأيقونة أمريكية.
في المشاهد التي سبقت لم يتوقّف تأييد المخرج أوليفر ستون لبطله، سواء في ما يتعلّق بولاء سنودن لبلده أمريكا، أو بأهليته المهنية والعقلية، أو بنزاهته في علاقته الغرامية، أو بضعف جسمه ومرضه. كان ذلك الشاب بلا شائبة. كأنه يروي حكايته بلسانه، كتب الناقد السينمائي في «الإيكونومست» البريطانية. ولنضف إلى تأييد المخرج لبطله هو إظهاره له، في أكثر المواقف، بمظهر الضحية التي ليست الهشاشة الجسمانية والنزعة شبه الانطوائية إلا عنصرين منها. ذلك التأييد، في ظلّ اللانقسام المستمر في الآراء حول ما قام به سنودن الذي اتهمه الكثيرون بخيانة وطنه، يأخذ الفيلم إلى السياسة ويجيّر لها كلّ ما تحمله تلك الشخصية من صفات حسنة. وهذا يُستدل عليه بداية من اسم مخرج الفيلم، أوليفر ستون الذي، في أفلامه السابقة، لم يتردّد في وسم أمريكا بالكذب والقتل والنزوع إلى التدمير (كما في أفلامه عن نيكسون وجون كينيدي و»دبليو»)، وبكونها متعفّنة وفاسدة أخلاقيا كما في «وول ستريت» و «Natural born Killers».
لم يرتكب سنودن، ودائما بحسب الفيلم، خطأ أخلاقيا واحدا طوال المرحلة التي صوّرها الفيلم من حياته. حين انضم إلى الجيش كانت هشاشة قدميه هي التي حالت بينه وبين خدمته لوطنه. كان في انضمامه إلى تدريبات تلك الوحدة المقاتلة في الجيش التزاما تاما بما تعنيه الوطنية حتى أنه، في واحد من مشاهد الفيلم الأولى، أدار ظهره للمتظاهرين ضد التمييز، ذاك لأن الدولة بحسبه هي من يضع القوانين وهي التي تعرف إن كان هذا تمييزا. وهو، في الوقت نفسه، لم يُظهر عن كراهية لأولئك المتظاهرين الذين تعاطفت حبيبته لينساي ميللز معهم (أدّت دورها شايلين وودلاي). كانا مختلفين في السياسة وذلك لم يعكّر علاقتهما التي لم تزدها صعوبات الحياة إلا وثوقا. لكنه، مع ذلك، وبعامل نزاهته إياها، كان يخفي عنها كل ما يتعّلق بعمله في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ليعدل هكذا بين غرامه والتزامه بعمله.
هذه ميزة يمنحها الفيلم لبطله الذي بعد سنتين من ذلك سيعمد إلى أكبر عملية إفشاء لسرّ حكومي في تاريخ الولايات المتحدة، ودائما بحسب التعليقات التي أعقبت فراره والتجاءه من ثمّ إلى روسيا، الدولة التي ما زال بعض من ندّيتها للولايات المتحدة قائما، رغم تلاشي مواجهات الحرب الباردة وانتهاء زمنها. وقد اختلفت الآراء بين أن يكون ما قام به سنودن خيانة وجاسوسية، وبين أن يكون ثورة ضدّ أصحاب القرار (وفي طليعتهم جورج بوش وباراك أوباما) يقوم بها رجل واحد.
هذه الثورة بات يمكن أن يبدأ التحضير لها رجل يجلس منفردا في مكتب ضيق المساحة لا يحتوي أثاثه على أكثر من كرسي وطاولة صغيرة نصب عليها جهاز كومبيوتر. ذاك أن البرنامج الذي سيخضع مواطني أمريكا جميعهم لإرادة الدولة ورقابتها، ومواطني العالم ودوله تاليا، لا يحتاج إلى جهاز بشري ضخم، بل إلى شبان نابغين شاهدنا بعضهم في الفيلم، لكن، من أعطي القدرة على بناء ذلك البرنامج لا بد أن يكون قادرا على إفشاله عبر الوشاية به.
كان سنودن ينتظر اكتمال البرنامج ليقوم بفضحه قائلا إنه يجعل البشر إزاء أخ أكبر (Big brother )، وهي الشخصية الرمزية التي صنعها جورج أورويل في روايته «1984» التي تحول البشر إلى آلات طائعة. لكن سنودن، الثائر، كان قد غضّ الطرف عن تطبيقات المراحل الأولى من البرنامج، بل أطلق ابتسامة حين رأى أنه يمكن التسلّل إلى منزل صاحب مصرف باكستاني والتلصّص على امرأته وهي تخلع ملابسها بدءا من الحجاب وصولا إلى القطعة ما قبل الأخيرة، أو قصف سيارة جيب صغيرة إلكترونيا من دون الاكتراث لمدنيين كانوا حولها.
سيرة إدوارد سنودن مرويّة كلها في الكتابات والتصريحات والمقابلات التي أجريت معه. حتى الآلة المتحرّكة الموصوفة أعلاه يمكن مشاهدتها، بظهورها الأصلي، على وسائل التواصل الاجتماعي. كلّ ما فعله أوليفر ستون هو تجميع العناصر المتفرقة من سيرة سنودن (التي يمكن تبين مدى سعتها وانتشارها على مواقع التواصل) وتمثيلها في مشاهد سينمائية، وجعل صاحبها نجما بمساعدة التقنيات التي تتيحها السينما. ذلك يتطلّب التزاما كاملا بصدقية سنودن وروايته لسيرته. ربما كان الأحرى أن لا يُكتفى بذلك الوجه الواحد من حياة كانت، لا بدّ، أكثر تعدّدا وقلقا مما ظهرت لمن سمّاهم مقال «الإيكونومست» دافعي ثمن بطاقات الدخول إلى السينما.
فيلم «سنودن» لأوليفر ستون قام ببطولته جوزيف جوردون ليفيت (في دور إدوارد سنودن) وشايلين وودلاي ونيكولاس كايج… وهو يعرض الآن في صالات بيروت.

٭ روائي لبناني

رجل واحد كان كافيا للقيام بتلك الثورة

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية