كلّنا في الهمّ شرق… وغرب

حجم الخط
12

يصوّت المغاربة غدا الجمعة لمرشحيهم في الانتخابات النيابية ضمن أجواء استقطاب واسعة بين حزبي «العدالة والتنمية»، الذي فاز بالانتخابات عام 2011 وكلّف رئيسه عبد الإله بن كيران برئاسة الحكومة، و»الأصالة والمعاصرة» الذي أسسه فؤاد عالي الهمة صديق دراسة الملك المغربي محمد السادس ومستشاره حاليّاً.
الانتخابات لا تقتصر بالطبع على الحزبين المذكورين، بل تضمّ قرابة ثلاثين حزباً آخر، بينها حزب «الاستقلال»، وهو حزب تاريخيّ ارتبط بفترة مقاومة الاستعمار الفرنسي، والذي شارك في عدة حكومات لكنه لم يترأس وزارة سوى لفترة بسيطة، وحزب «الاتحاد الوطني للقوات الشعبيّة»، الذي كان انشقاقاً يساريّاً عام 1959 عن «الاستقلال»، وأسسه المهدي بن بركة وعبد الرحيم بو عبيد ومحمد بصري والذي اغتيل زعيمه الشهير بن بركة في باريس عام 1965، والذي تعرّض بدوره لانشقاق يساريّ آخر عام 1974 نتج عنه حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» الذي كلّف زعيمه عبد الرحمن اليوسفي بتشكيل الحكومة عام 1998.
دشّنت عملية تكليف اليوسفي مرحلة جديدة من تاريخ المغرب أساسها طيّ صفحة الماضي القريب المؤلم، وكانت نقلة توافقية مهمة بين المؤسسة الملكية والأحزاب، بحيث تم الالتزام منذ ذلك الحين بتكليف الحزب الفائز في الانتخابات بتشكيل الحكومة، كما اعتبرت مصالحة بين المؤسسة الملكية والمعارضة المغربية في صيغتها اليسارية التي كان لها وزن تاريخي مهم في الشارع.
وإذا كان تكليف بن كيران عام 2011 استمراراً لهذا المبدأ السياسي فإن الجدّة فيه كانت في اعتباره المرة الأولى التي يتولى فيها حزب إسلامي تشكيل الحكومة المغربية، وتتشابه وظيفة تكليف اليوسفي وبن كيران في كونها، من ناحية، تظهر تقبلاً للمؤسسة الملكيّة للإرادة السياسية للشعب المغربي، وفي أنها، من ناحية ثانية، تستوعب التحوّلات التاريخية، التي تمظهرت في حراكات سياسية كبيرة.
لا يعني هذا أن مسار الانتقال الديمقراطي في المغرب يسير في خطّ مستقيم، فعام 2002، وبدلاً من تكليف الحزب الفائز (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) كلّف الملك ادريس جطو، وهو تكنوقراطي من خارج ذلك الحزب، بتشكيل الحكومة، كما أن المؤسسة الملكية، ورغم إقرار دستور جديد عام 2011 الذي قوّى صلاحيات رئيس الحكومة والبرلمان فإنها ما تزال عمليّاً مركز ثقل القرار السياسي.
المؤسسة الملكية هي التي تعيّن وحدها وزارات السيادة وأهمها بالطبع وزارة الداخلية التي تعتبر خارج صلاحيات رئيس الحكومة، وهو أمر فتح الباب للتوتّر والمنازعات والاتهامات بخروج هذه الوزارة عن الحياد المطلوب في شأن الانتخابات الجارية، بل واتهم وزيرها محمد حصاد بمحاربة «الإسلاميين» وبأنه كان مسؤولاً عن مظاهرة لم تقم بتبنيها أي جهة سياسية تندد بـ«أسلمة المجتمع» و«أخونة الدولة» الخ…
وجّه حزبا «التقدم والاشتراكية» و«العدالة والتنمية» أيضاً اتهامات غير مباشرة لمستشار الملك فؤاد عالي الهمّة ردّ عليها الديوان الملكيّ بشدّة وهو ما يعكس توتّراً سياسيا وقلقاً من إمكانيّة محاباة المؤسسة الملكية لطرف سياسيّ على طرف آخر، أو من إمكانية استغلال حزب «الأصالة والمعاصرة» وجود زعيمه السابق داخل المؤسسة الملكية للتأثير في مجرى الانتخابات.
لكنّ هذا التوتّر المفهوم في جوّ الانتخابات لا يمكن أن يلغي حقيقة أن المغرب خطا خطوات ديمقراطية هائلة بالمقاييس العربية، وهو أمر يكاد يشبه الحلم لأقطار عربية أخرى تعاني من الاستبداد المهول والسلطات المطلقة وخنق الأحزاب السياسية.

كلّنا في الهمّ شرق… وغرب

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية