أضحى الخطاب إشكالية بارزة في الثقافة النقدية المعاصرة، فالجهود التي يبذلها الباحثون في سبيل الإحاطة بجوانبه وكيفيات تشكله لا تتوقف عن التطور أولا، والتعمق في تناول التفاصيل الدقيقة ثانيا. وفي تقديري الشخصي تنقسم الدراسات التي تهتم بالخطاب إلى قسمين: الأول يهتم بنوع خِطابي واحد، وهذا ما تقوم به الدراسات الأدبية على سبيل التمثيل؛ إذ تدرس الخطاب الأدبي بوصفه قائمة من الخصائص والمقومات. أما القسم الثاني فقد وسع دائرته وجعلها تشمل الخطاب بوصفه ظاهرة كلية، ثم حدد وظيفته في مساءلة خصائص الخطاب العامة، مثل خاصية «الانطواء على السلطة» التي نبه عليها دارسون كثيرون وأكدوا أهميتها في كل ممارسة خِطابية.
وقد سعى علي صدّيقي في كتابه «إشكالية التحيز في النقد العربي المعاصر، دراسة تحليلية نقدية» إلى مناقشة خاصية التحيز في الخطاب النقدي المعاصر. ومعنى التحيز لديه ينصرف إلى ما يقوم عليه المنهج النقدي من خلفيات ذات طبيعة إيديولوجية أو دينية أو حضارية ينعكس أثرها على أدوات الممارسة التحليلية. وبكلمات أخرى، المنهج النقدي عند الباحث ليس أدوات إجرائية تؤدي وظائف قيادة خطوات التحليل فقط، بل إنه ممارسة ثقافية تحمل معها مرجعيتها، ولا تنفع دعوى الموضوعية في إنكار هذه المرجعية ونفي أثرها على الأدوات.
يحيلنا هذا التصور على السلطة التي يتضمنها الخطاب، فهل تكون المرجعيات غير سلط فكرية تتمركز حول نفسها وتُخضع لها الآخر الذي يعتنق مرجعيات مختلفة لم تجد لها أسباب الانتشار؟ ولأن النقد ينشغل بالأفكار والرؤى والتصورات فمن الطبيعي أن يكون محلا لصياغة خطاب التدافع الحضاري. يقول ميشيل فوكو: «الخطاب هو ما نصارع من أجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها» (نظام الخطاب).
ومن بين السلط التي يمكن أن ينطوي عليها الخطاب النقدي تمرير القيم والعقائد والفلسفات بطريقة ضمنية، فمن بين استراتيجيات الخطاب، التضمين وعدم التصريح، ولهذا السبب نستعمل مصطلحات السلطة والعنف والإخضاع. فالقارئ العادي يتعامل مع ظاهر الخطاب ويغفل عن باطنه بما يحمله من ثقل إيديولوجي، وبذلك يكون مستعدا لتقبل عنف التوجيه والتأثير والحشو بطريقة غير واعية. ويوضح صدّيقي أن بعض الباحثين، وأكثرهم عرب، يضفون على المناهج النقدية الغربية صفات «العالمية» و»العِلمية» و»المطلقة». وحقيقة هذه الصفات لا تخلو من الإيهام والتلفيق، لأن المنهج النقدي إنتاج إنساني يسري عليه قانون التأثر مثله مثل باقي الإنتاجات الفكرية، ويخضع أثناء تكوُّنه لمؤثرات الأصول الفكرية السائدة في بيئته الثقافية. وفي الكتاب قيد المناقشة عزم صدّيقي على إصابة هدفين:
1ـ نفي الأطروحة التي تقول إن المناهج النقدية تتميز بطابعها العالمي، ولا تعدو كونها أدوات توجه الممارسة النقدية.
2 ـ إثبات التحيزات الدينية والفلسفية في متون المناهج الغربية، والكشف عن تحيز عدد واسع من الإنجازات النقدية العربية للنقد الغربي رغم ادعائها للموضوعية والاستقلالية.
وفي سبيل إنجاز هاتين المهمتين العلميتين، اعتمد الباحث مداخل منهجية يحكمها مبدأ التدرج في التفصيل. فقد بين أولا يقظة الفلاسفة المسلمين في تعاملهم مع المنطق الأرسطي من خلال أحاديثهم الطويلة عن الصلة بين هذا المنطق والميتافزيقيا اليونانية، وبعض هؤلاء الفلاسفة حاولوا صياغة نموذج منطقي بديل يخلو من الأثر الديني اليوناني، وهذا ما يثبت أنهم كانوا على دراية تامة بتحيز الإنتاج الفلسفي لبيئته الدينية. بعد ذلك انتقل بنا الباحث إلى استعراض جهود باحثين عرب (عبد الوهاب المسيري ـ سعد البازعي ـ ميجان الرويلي) في دراسة التحيز والتأصيل له والوقوف عليه في تطبيقات تحليلية أجروها على أنساق فكرية متعددة. وصلب الكتاب خصصه صدّيقي لمناقشة تحيزات النقد الغربي لأصوله الفلسفية واللاهوتية. وفيما يخص التحيز الفلسفي ربط الباحث المنهجين التفكيكي والبنيوي بعدد من الأفكار التي طبعت الثقافة الغربية في فترات متأخرة، مثل: تعرية ميتافزيقيا الحضور، موت المؤلف. وفي نظري لا يصعب على أي باحث إثبات حضور هذه الفلسفات في المنهج التفكيكي خاصة، لأن وضعه يشي بأنه مذهب فلسفي لا يوفر أدوات تصلح لقراءات النصوص الأدبية بقدر ما يمنحنا بسخاء معطيات عميقة توضح طبيعة النص الخفية. وعن الأصول الدينية للمناهج الغربية، تحدث صدّيقي عن تأثير المذهب الصوفي اليهودي المسمى «القبالاه» في المنهج التفكيكي، كما بين أن النقد الشكلاني، ويعني به كل تلك الروافد النقدية التي أعرضت عن دراسة النص من خلال المؤثرات الخارجية ووجهت اهتمامها إلى بنيته الداخلية، تأثرا بمنهج تفسير الكتاب المقدس الذي دعا إليه الفيلسوف باروخ اسبينوزا، وقوامه طرح ما يوصي به رجال الدين من مداخل جاهزة تقرأ النص قراءة نمطية، والاعتماد على التأمل الداخلي في النص، عبر دراسة لغته وأساليبه، وتجميع آيات كل سِفر وتصنيفها حسب موضوعات أساسية محدودة. والحق أن ما أورده الباحث حول التحيز الديني يمكن معاودة النظر فيه، لأن مقترحات اسبينوزا في الأصل جاءت لتتجاوز أدوات التفكير الديني التقليدية التي سيطرت طويلا على تفسير النص الديني، وهي في الغالب مجموعة تأويلات مغرضة تخدم مصالح رجال الدين المادية، فإن يقول اسبينوزا بأن الكتاب المقدس ينبغي أن نحرره من أحكام اللاهوتيين، معناه أن الرجل ينادي إلى الحداثة، ينادي إلى رد الاعتبار لعقل الإنسان وتجربته في التحليل وحريته في النظر واستنتاج التأويلات من النص وحده. من هنا يجوز أن نعيد تصنيف هذا التحيز عبر إدراجه في الأصل الفلسفي الحداثي.
وعقب انتهائه من الحديث عن التحيز في الثقافة الغربية، ينقل علي صدّيقي اهتمامه إلى النقد العربي المعاصر لينظر في تحيزاته. ولا شك أن أهم تحيز يميز تجربة هذا النقد يتلخص في تأثره الواعي أو غير الواعي بالنقد الغربي، لكن المشكلة العويصة تكمن في وجود من ينكر إمكانية قيام آثار سلبية يفرزها هذا التأثر، بدعوى أن المناهج الغربية «تتجاوز سياقاتها التاريخية، وتتعالى على خصوصياتها وتحيزاتها الحضارية، وتتصف بالإطلاق» والحياد والموضوعية، ولا تحتاج إلى أكثر من تمثلها تمثلا صحيحا، واستيعابها استيعابا دقيقا يمكننا من توظيفها، في سياقنا الثقافي الراهن، توظيفا سليما». يعقب صدّيقي على هذا الرأي بتمحيص عناصره تمحيصا دقيقا. فالعلم، كما ينقل الباحث عن المهدي المنجرة، نسق ثقافي لا يمكن فهمه خارج سياقه الثقافي الذي نشأ فيه. والمناهج لها وضع خاص يجعلها ترفع من منسوب إيمانها بالنسبية، فهي تنتمي إلى مجال العلوم الإنسانية حيث تتفاعل الآراء ويتجاوز بعضها البعض الآخر، وتحضر الذاتية حضورا مكثفا، بل إن العلوم التجريبية ذاتها لا تقوى على ادعاء الموضوعية التامة، لأن تاريخها حافل بالأخطاء والاستدراكات التي يقوم بها العلماء على إنجازات أسلافهم.
ويسائل علي صدّيقي دعوى التأصيل بوصفها حلا بإمكانه أن يحُد من تحيز النقد العربي لنظيره الغربي عبر توطين المفاهيم والمناهج المستوردة في البيئة الثقافية العربية، فيخلص إلى أن أكثر الباحثين الذين انخرطوا في هذا المشروع (محمد مفتاح ـ محمد مندور) لم يتجاوزوا مأزق التحيز، ذلك أن الانطلاق من المبادئ النقدية الغربية ظل مبدأ ثابتا لديهم، وانفتاحهم على التراث العربي القديم كان من أجل توفير الشاهد الذي يقبله القارئ العربي، في نظرهم، ليقتنع بأهمية الأطروحات النقدية الغربية، ويكفي هنا أن نستحضر موقف الذين يقولون إن ما جاء به اللساني فردناند دوسوسير سبق إليه عبد القاهر الجرجاني في كتابيه البلاغيين «الأسرار» و»دلائل الإعجاز» لنفهم كيف يُقرأ التراث من أجل دعم الاكتشافات الغربية ومنحها الشرعية المطلوبة. ولأن الانفتاح على الآخر أمر مطلوب، ولا تُبنى المعرفة الحقة إلا به، ختم صدّيقي كتابه بمقترحات من شأنها أن تضبط علاقتنا بثقافة الآخر وتقيها من زلل الانحراف الكلي عن ثقافتنا وقيمنا، فبيّن أن المعرفة ليست مطلقة، إذ يمكن الاجتهاد فيها بالإضافة والمساءلة والنقد، وأكد أن المعرفة يجب أن تنفتح على جميع ما تجود به عقول الشعوب وقرائحها؛ إذ لا يستقيم أن نمارس الإقصاء باسم العلوم عبر الزعم بأن الحضارة الغربية لها صفة المركز.
إن المجهود الكبير الذي بذله علي صديقي في هذا الكتاب (440 صفحة من الحجم الكبير) كانت الثقافة العربية المعاصرة في حاجـــــة ماسة إليه، فالرجــــل تعب كثيرا في توفير الحجــــة التي تثبت أهم خــــلل يعاني منه النقد العربي المعاصر، ومن يقرأ الكتاب سيندهـــش من فرط ما سيقف عليه من سلط ثقيلة تمارس وصاية قاسية على الناقد العربي المعاصر؛ فتحجب إبداعه الخاص وتحوله إلى فضاء يستقبل الأصوات ويكتفي بإرجاع الصدى.
٭ كاتب مغربي
حسن الطويل