لندن ـ «القدس العربي»: مع زيادة التحضيرات لعملية استعادة مدينة الموصل من أيدي تنظيم «الدولة» (داعش) تزداد حرارة التصريحات في بغداد النابعة من أطراف العملية السياسية التي تسيدت مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي عام 2003 وأضيف إليها عامل جديد وهو التوتر الحاصل مع تركيا بسبب وجود قوات لها داخل الأراضي العراقية.
ووصل التوتر في تصريحات رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي قال إن بقاء القوات التركية في العراق سيؤدي إلى حرب إقليمية في وقت استدعى كل بلد سفيره. وتوترت العلاقات بين البلدين بسبب خلاف المواقف حول الحرب الأهلية السورية وصعود تنظيم «الدولة» الذي يسيطر على الموصل منذ عام 2014.
وكان البرلمان التركي قد صوت في الأسبوع الماضي لتمديد بقاء القوات التركية في العراق من أجل مواجهة التنظيمات الإرهابية، في إشارة لحزب العمال الكردستاني «بي كي كي» وتنظيم «الدولة». ورد البرلمان العراقي بشجب القرار التركي والمطالبة بسحب 2.000 جندي تركي من شمال العراق.
وفي تصريحات بدت حادة من العبادي قال إن حكومته طلبت من الأتراك أكثر من مرة عدم التدخل في الشؤون العراقية وحذر من تحول «المغامرة» التركية إلى حرب إقليمية. وتقول الحكومة التركية إن قواتها موجودة في كردستان العراق بناء على دعوة من حاكم الإقليم مسعود بارزاني الذي يقيم علاقات قوية مع تركيا. ويتمركز معظم الجنود الأكراد في قاعدة بعشيقة، شمال مدينة الموصل حيث يساهمون بتدريب قوات البيشمركه الكردية والمقاتلين العرب السنة.
وأكد نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قرطملس أن الوجود التركي بات مهما بعد سقوط الموصل عام 2014 وأنه لا يهدف للتدخل في الشؤون الداخلية للعراق أو سوريا حيث بدأ الجيش التركي حملة له في آب/أغسطس هناك.
وفي الوقت الذي تقول فيه الحكومة العراقية إن وجود القوات التركية غير شرعي يقول وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن معسكر بعشيقة تم بمعرفة من الإدارة العراقية. وقال إن مسؤولين عراقيين زاروا المعسكر وقدموا في الماضي دعما عسكريا. وقال إن 750 من عناصر تنظيم «الدولة» قتلوا في هجمات شنت من بعشيقة.
التحضير للمعركة
ولا بد ربط التبادل الكلامي بالتحضيرات مع تحرير الموصل حيث تخشى أنقرة من دخول الميليشيات الشيعية مدينة الموصل وتؤثر على وضع الغالبية السنية فيها مما سيزيد من التوتر الإثني في كل المنطقة التي يعيش فيها تركمان. ولا تشعر تركيا بالارتياح من ترتيب دخول القوات الكردية ومشاركتها في العملية. ففي شمال سوريا توغل جيشها لمنع الأكراد السوريين من ملء الفراغ الذي يتركه مقاتلو تنظيم «الدولة».
ومثل مدينة حلب التي سيحدد مصيرها مسار الحرب الأهلية في سوريا، فستحدد الموصل الوضع في العراق. والمشكلة نابعة من بغداد التي تعيش منذ أشهر اضطرابات سياسية في وقت خلت فيه عدد من الوزارات السيادية كانت آخرها وزارة المالية التي أعفي وزيرها الكردي من مسؤولياته.
حروب داخلية
وتبدو الصورة لمرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» قاتمة كما تقول إريكا سولومون في صحيفة «فايننشال تايمز»، فمنذ عام 2003 اعتاد العراقيون على خلافات الأطراف الرئيسية الثلاثة التي برزت في مرحلة ما بعد نظام صدام حسين، السنة والشيعة والأكراد.
ومن الفصائلية التي طبعت علاقة هذه الكتل انتقل الخلافات إلى الكتلة نفسها حيث دخل أطرافها في حرب داخلية فيما بينهم مما زاد من مخاطر تفككك القوى السياسية والاجتماعية والعشائرية التي حافظت على العراق كوحدة واحدة.
وتقول إن الاقتتال الداخلي يدور في وقت تكافح فيه بغداد من أجل استعادة المناطق من تنظيم «الدولة» وتحضر قواتها للهجوم على مدينة الموصل ومعالجة الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تراجع أسعار النفط.
ونقلت عن نائب شيعي معارض للعبادي قوله «واحد من التحديات التي تواجه هذا البلد هي الخلافات الشيعية- الشيعية والسنية ـ السنية والكردية ـ الكردية التي ستحدث». وأضاف «المعركة المقبلة ستأتي سريعا». وتضيف الكاتبة أن كل الكتل السياسية والطائفية قامت ببناء ميليشياتها الخاصة عندما بدأت التعبئة ضد تنظيم «الدولة».
وهناك مخاوف من أن تقود هذه إلى اقتتال داخلي بين الجماعات المختلفة مثل السنة والشيعة والأكراد حيث يحاول كل طرف بناء قاعدة قوة له في المجتمعات التي يعمل في داخلها.
ويؤثر الخلاف على جهود بناء تحالفات سياسية وعسكرية متماسكة، خاصة أن رعاة العراق الأمريكيين والإيرانيين لهم مصلحة في قيام حكومة قوية للحفاظ على مصالحهم.
ونقلت الكاتبة عن رمزي مارديني، المحلل في المجلس الأطلنطي قوله «بدلا من توحيد البلد وخلق جهاز تنفيذي قوي ضد تنظيم «الدولة»، فقد مزقت الحرب ضد تنظيم «الدولة» العراق على كل مستويات المجتمع والدولة».
وقال «سيتراجع نفوذ الولايات المتحدة بشكل أكبر عندما ستجد نفسها تتعامل مع لاعبين سياسيين كثر على الساحة السياسية».
وتقول سولومون إن الإضطرابات بدأت عندما حاول العبادي تطبيق عدد من الإصلاحات لتخفيف حدة الحنق الشعبي ضد الطبقة السياسية الفاسدة ليجد أن جهوده أفشلت لخوف الساسة من خسارة تأثيرهم السياسي. ويحمل العبادي سلفه نوري المالكي الذي يحاول العودة من جديد للساحة السياسية مسؤولية استشراء الفساد. وتولى العبادي السلطة في عام 2014 بعد الهزيمة المهينة للجيش العراقي أمام مقاتلي تنظيم «الدولة» الذي سيطر على الموصل والفلوجة.
وتحول البرلمان لمركز الخلافات السياسية. ففي نيسان/إبريل أقتحم مؤيدون لمقتدى الصدر البرلمان. وفي الشهر الماضي قام معارضو العبادي بتحقيقات ضد حلفائه وعزلوا خالد العبيدي وزير الدفاع. وجاء بعده هوشيار الزيباري وزير المالية وهما منصبان مهمان للحملة الجارية ضد تنظيم «الدولة» ولا يزالان شاغرين.
وتقول الكاتبة إن بعض النواب يرون في الخلافات فرصة للخروج من الدوامة الطائفية والبحث عن القواسم المشتركة، إلا أن البعض يرى في التحالفات بين الكتل وقتية وتكتيكات لتصفية الحسابات السياسية.
وتقول الصحيفة إن التمزق السياسي يمتد أبعد من بغداد بشكل يهدد النظام السياسي العراقي في المستقبل في مناطق عانت من الفوضى والاضطرابات السياسية.
ففي الأنبار تهدد العشائر بالانتقام من منافسيهم الذين يتهمونهم بالتحالف مع تنظيم «الدولة» مع أن هذه المزاعم لم يتم التحقق منها فيما يحاول لاعبون محليون استغلال الاضطرابات وتقوية موقعهم القيادي.
وحسب الشيخ عبد الوهاب البيلاوي، أحد مشائخ الأنبار «لدينا تسع قبائل في الأنبار قامت بالتبرؤ من مشائخها» و»لو سمحت الحكومة لهم بالدخول فسيقود هذا بالتأكيد إلى اقتتال قبلي».
وبدا الانقسام واضحا حتى بين الأقليات الصغيرة. ففي كردستان العراق، انقسم الإيزيديون بشأن التحالف مع الأكراد. وتأتي خلافاتهم بعدما واجهوا القتل والتشريد على يد تنظيم «الدولة».
وبحسب عامل إغاثة «لا يتوقف الأمر عند تشرذمنا أكثر من الماضي» و»لكن التشرذم لا يمكن السيطرة عليه». ورغم كل هذا يبدو الكثير من السياسيين العراقيين غير مهتمين بمخاطر الانقسام. ففي نقاش مع سياسي سني استعاد بنوع من الفرح الدور الذي لعبه هو وزملاؤه بالإطاحة بالعبيدي.
كارثة إنسانية
وبعيدا عن مماحكات السياسيين في بغداد حذرت منظمات الإغاثة الإنسانية من كارثة هجرة جماعية عندما تبدأ عملية تحرير الموصل. وحتى قبل بدء الهجوم تواجه المنظمات الإغاثية مشكلة في استيعاب النازحين الذين شردهم النزاع ضد تنظيم «الدولة». وقالت الأمم المتحدة إنها ليست مستعدة بعد لمواجهة آثار المعركة على الموصل والتي تأمل الولايات المتحدة أن تتم قبل نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما. ولا يستوعب مخيم الدباغ، الذي بني قبل عام ويبعد 40 ميلا عن مدينة الموصل، سوى 700 عائلة إلا أن عدد المقيمين فيه الآن هو 10 أضعاف قدرته الطبيعية، ومعظم هؤلاء فر بعدما مواجهات بين القوات العراقية وتنظيم «الدولة» الذي أجبر على الخروج من مناطق سيطرته.
ووصفت لافدي موريس من صحيفة «واشنطن بوست» الوضع في مخيم اللاجئين قائلة إن جماهير من اللاجئين تجمعوا حول الصحافيين وطلبوا منهم تسجيلهم واشتكوا نقص الفرش والأدوية وحليب الأطفال. وهناك أعداد كبيرة منهم بدون خيم حيث تنتظر 1.100 عائلة الخيم. وينامون في المدارس والقاعات العامة المتوفرة. وتقول إن المواد المساعدات الإنسانية ستقل بدرجة كبيرة مع بداية الحملة على الموصل. وشردت الحرب حوالي 3.3 مليون نسمة منذ عامين ونصف فيما شردت الحرب الأهلية في سوريا حوالي 8 ملايين نسمة.
ووضعت الأمم المتحدة ميزانية مساعدات طارئة بقيمة 285 مليون دولار إلا أنها تواجه نقصا بقيمة 165 مليون دولار. وتقول منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق ليزي غراند «كل انتصار ترافقه أزمة إنسانية». وقال «هي أزمة كبيرة وأحيانا أكثر من المحتمل».
وتحاول الأمم المتحدة بناء مخيمات ذات معايير جيدة مثل مخيم الدباغ. ويتوقع أن يتم الانتهاء من أربعة منها هذا الشهر. ويمكن لهذه المخيمات استيعاب 70.000 لاجئ.
وكان يعيش في الموصل مليونا نسمة قبل سيطرة تنظيم «الدولة» عليها قبل عامين، ولا يعرف عدد الباقين فيها. وتقدر الأمم المتحدة عدد من في الموصل حاليا بما بين 1.2 – 1.5 مليون نسمة. ويعتقد مسؤولون عراقيون أن العدد ربما زاد نظرا لهروب الكثيرين إليها بعد خسارة التنظيم مناطقه. ومن لا يجد مكانا في المخيمات يلجأ إلى المساعدة الطارئة من الأمم المتحدة حيث تقدم لها الحاجيات الأساسية. وهناك من يجد طريقه للصحراء صوب الحدود السورية.
وقالت غراند إن العملية العسكرية ستبدأ قريبا «ومن ناحية إنسانية فلسنا مستعدين».
وفي محاولة لتقليل المعاناة رمت الحكومة العراقية ملصقات تطالب السكان بالبقاء في بيوتهم عند بدء الهجوم في محاولة منها لتجنب سيناريو كل من الرمادي والفلوجة التي هجر سكانهما بشكل كامل تقريبا. وسيجد الجيش العراقي صعوبة نظرا لكبر مساحة الموصل.
أزمة تنظيم
وسيكون سقوط الموصل علامة على نهاية التنظيم في العراق بعد سلسلة من الخسائر التي تعرض لها منذ العام الماضي. ويواجه تشرذما مماثلا في سوريا وليبيا ومناطق آخرى. ففي تقرير أعده جيسون بيرك في صحيفة «الغارديان» حيث تحدث عن حرب داخل حرب تمتد على مساحات أميال في الصحراء والغابات ومن المحيط الأطلنطي إلى شواطئ المحيط الهندي.
وقال بيرك تنظيم «الدولة» توسع عميقا في أفريقيا منذ ظهوره على المسرح الدولي عام 2014 وبدأ ينافس تنظيم القاعدة الذي أوجد له حضورا في معظم القارة الأفريقية. ويواجه التنظيم طيفا من الأعداء من الجنود الفرنسيين إلى القوات الأمريكية الخاصة والمدربين البريطانيين وكذا الجيوش المحلية لعدد من دول المنطقة.
وكشف في الأسبوع الماضي عن الجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة لبناء قاعدة عسكرية في النيجر كلفتها 50 مليون دولار أمريكي.
وفي الوقت نفسه تخوض الجماعات المتطرفة حربا داخلية. ويعتقد الكاتب أن الاقتتال، وإن كان شأنا داخليا، إلا أنه سيترك أثره الكبير على مستقبل الدول الأفريقية وبشكل عام على التشدد الإسلامي.
ورغم تشارك التنظيمين في الأهداف العامة إلا أن تنظيم «الدولة» لديه مصالح متباينة ويفضل أساليب وحشية على خلاف «القاعدة» التي تجنبت ضرب الجماعات المسلمة مثل الشيعة وحاولت بناء تحالفات محلية.
ولـ «القاعدة» أهداف لضرب الغرب إلا أنه لا يمثل أولوية لها كما هو الحال مع تنظيم «الدولة». ويرى الكاتب أن خسارة التنظيم مناطقه في العراق وسوريا تعني أن نجاحه في مناطق أخرى من العالم الإسلامي يعتبر صمام آمان له ولنجاته.
وفي بداية هذا الشهر أعلنت مجموعة تطلق على نفسها «تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى» عن تنفيذ هجوم في بوركينا فاسو وهي المنطقة التي ينشط فيها تنظيم «القاعدة» في بلاد المغرب الإسلامي.
وقلل الخبراء من قيمة هجوم بوركينا فاسو الأخير، وحسب ريان كيومينغز من «سنغال ريسك»، وهي شركة استشارية في جنوب أفريقيا «من الصعب قيام تنظيم الدولة منافسة القاعدة على السيادة في أفريقيا. ولا أقترح أن هناك معركة كبيرة ستحصل. ولن تتم هزيمة تنظيم الدولة بشكل كامل إلا أنه يواجه تراجعا».
ففي الصومال لا يوجد إلا قيادي واحد في منطقة البونت لاند الذي فر من تطهير المناوئين في داخل حركة الشباب الإسلامي. كما أن حركة بوكو حرام التي أعلنت ولاءها الإسمي لتنظيم الدولة وشنت حربا في شمال نيجيريا إلا أن التغير الأخير في القيادة قد يجعلها تعود وتقسم الولاء من جديد لـ»القاعدة». وجاء التغيير بعد عزل زعيم الحركة منذ عام 2009 أبو بكر الشكوي واستبداله بأبو مصعب البرناوي. وجاء التغيير بناء على مطالب من أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم «الدولة».
ويقول المسؤولون الأمريكيون إن البغدادي لم يكن راضيا عن استخدام الشكوي للأطفال في العمليات الانتحارية، حيث شن 44 هجوما من هذا النوع العام الماضي. فيما أورد البعض طريقة تصرفات الشكوي وعصيانه للأوامر.
وتم تغيير اسم الحركة من بوكو حرام إلى تنظيم «الدولة» في غرب أفريقيا بعدما قدم الشكوي البيعة للبغدادي. وواجه في الفترة الأخيرة ضغوطا واسعة من الجيش النيجيري والدول الجارة . وتظهر الأرقام التي جمعتها جامعة جون هوبكنز أن التنظيم مسؤول عن مقتل 244 شخصا في الربع الأول من عام 2016.
وينقل الكاتب عن جبرين غوندا، أحد قادة الجماعات المسلحة التي شكلت لمواجهة بوكو حرام، «نرحب بالتطورات ونصلي لاستمرار الاقتتال الداخلي والتشرذم».
ويبدو أن الشكوي المسؤول عن اختطاف 300 تلميذة من بلدة شيبوك عام 2014 قد خسر النزاع الداخلي وهو عالق اليوم في غابات سامبيسا وقتل عدد من أفراد جماعته في سلسلة من الهجمات.
وأقسم البرناوي الولاء للبغدادي إلا أنه يأتي من جماعة مرتبطة تاريخيا بتنظيم «القاعدة». ويحبذ شن هجمات كبيرة ضد القوات النيجيرية المسلحة أو المسيحيين وليس المسلمين. ويقول مقربون إنه قاتل مع القاعدة في مالي عام 2012.
إبراهيم درويش