يبدو أن هناك صلة في هذه الايام بين الحظ والجغرافيا. قل لي أين تسكن. وسأقول لك إذا كان ذلك جيدا بالنسبة لك. عندما تقول حلب، فأنت تقول كل شيء. المدينة التي لها تاريخ قديم (حسب الوثائق والمكتشفات كانت مأهولة في القرن 11 قبل الميلاد). كانت جميلة وكبيرة ومفتوحة ولها موقع استراتيجي. وقد عرفت ايضا اياما من التعايش وتقبل الآخر. جالية يهودية محترمة عاشت فيها في نهاية عهد الهيكل الاول إلى أن قررت عصبة الأمم تقسيم ارض إسرائيل، وفي حينه حدثت صدامات مع اليهود.
يستطيعون في هذه الاثناء في حلب فقط في أن يحلموا بالعودة إلى ايام التعايش. سكانها يعرفون الآن بالضبط كيف تبدو جهنم، لأنهم يعيشون فيها. ولديهم خيار واحد فقط هو الموت. على خلفية الوضع الآن ليس هناك خيارات اخرى. حلب تحولت إلى مدينة خراب ودمار. إنها تطل وهي مصابة ونازفة ومهانة على يد قوات الرئيس بشار الأسد ـ اخصائي العيون الذي تحول إلى رئيس وفيما بعد إلى جزار ـ وهي تتقدم من مناطق مختلفة في شرق المدينة لهدف واحد هو احتلالها واعادة تعزيز سلطة الأسد.
في عالم طبيعي واخلاقي كان من المفروض أن ينضم الأسد منذ زمن إلى والده حافظ. وقد دُفن الاخير في الايام التي لم تكن فيها سوريا العلمانية تحلم بهذا المصير، حيث ترى الدولة كيف أن قوى مختلفة تأخذ أجزاء كبيرة منها وكأنها قطعة نقانق رخيصة.
في شمال حلب ما زال يسيطر المتمردون، لكن السؤال هو كم من الوقت؟ قوات الأسد في البر والجو مع طائرات روسية يقصفون بشكل أعمى من اجل تنظيف أحياء المتمردين. حقيقة أن 300 ألف مواطن يعيشون في تلك الاحياء، منهم 100 ألف طفل، لا تقلق ولو للحظة جنود الرئيس أو الطيارين الروس.
سفير فرنسا في الأمم المتحدة، فرانسوا دي لاتر، يلاحظ أن هناك تشابها بين الاعمال العسكرية الروسية ـ السورية في حلب وبين الهجوم البربري على غارنيكا اثناء الحرب الاهلية الاسبانية.
قصف غارنيكا كان عبارة عن هجوم جوي على المدينة الباسكية في 26 نيسان 1937. وقد تسبب ذلك بدمار كبير وبذبح المواطنين من قبل طائرات «بولت وافا»، سلاح الجو لالمانيا النازية، وطائرات ايطاليا الفاشية.
اثناء القصف هاجمت قوات فرانكو من البر. في حلب الامر مشابه. الطائرات الروسية تسيطر على المجال الجوي. بينما قوات الأسد، بمساعدة حزب الله وتأييد إيران، تقوم بتنظيف الميدان براً.
في غارنيكا تم الحديث عن 1.654 قتيل وفي حلب العدد أكبر كثيرا وهو لا نهائي. ولم ينته الكابوس بعد. قصف المدينة الباسكية الساحرة تحول إلى موضوع ابداعي مشهور للرسام المعروف بابلو بيكاسو. حلب لم تحظ بعد بتوثيق كهذا. ولكن من المؤكد أنها كانت ستتنازل عن هذا الاحترام. فمواطنوها لا يريدون الرسومات بل يريدون العيش فقط.
لامبالاة قاتلة
تحولت حلب رغم أنفها إلى مدينة فيها مصير العالم موضوع على كفة ميزان الولايات المتحدة، المتواجدة بفخر، وبحق، في معسكر العالم الحر، نسيت قليلا دورها التاريخي، وقد يكون ذلك بسبب مللها من الحروب في افغانستان والعراق، أو بسبب أن ادارة اوباما ما زالت تريد الايمان بالسلام.
في جميع الحالات لقد اختارت المفاوضات والتعاون. وعلى مدى سنة تقريبا أجرت الولايات المتحدة محادثات مع روسيا، وكانت النتيجة وقف لاطلاق النار الذي بدأ في 9 ايلول الحالي. جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي المتفائل، آمن بالاتفاق. وقد كان الوحيد في ذلك. ايضا زميله وزير الدفاع آشتون كارتر، شكك بالاتفاق وعرف لماذا.
لقد أراد سكان حلب التصديق مثل كيري، لكنهم لم يتمكنوا. وهم ايضا عرفوا لماذا ـ لقد أبقى اتفاق وقف اطلاق النار الأسد في الحكم والى جانبه روسيا. لقد اختارت روسيا الانحياز للرئيس السوري، الامر الذي جاء على حساب المواطنين البؤساء.
وهناك من قالوا إن حلب قد تحولت إلى ساحة لعرض سلاح روسيا، عرض فظيع يقوم بتجربة السلاح الذي تقوم بتصنيعه. وفجأة، سكان حلب الذين لم ينفعلوا من مغادرة داعش للمدينة المحاصرة في العام 2014، لا يعتبرون هذا التنظيم إرهابية يقوم بتنفيذ الجرائم والمذابح. بل هم يعتبرون أن الأسد هو الشيطان.
النتائج في حلب فظيعة، حيث إنه أمام ناظرينا ومباشرة وراء الحدود، يتم قتل شعب والعالم الذي قال إن ذلك لن يحدث بعد معسكرات الموت، بقي لامباليا. وشاهد منذئذ تطهيرا في كمبوديا والبوسنة ورواندة، شاهد ولم يفعل الكثير.
ماذا كان بالامكان فعله؟ مثلا الاعلان عن المنطقة كمنطقة أمنية، والمطالبة باغلاق المجال الجوي أمام الطائرات. الغرب يمكنه وقف الجريمة، لكن يبدو أنه لا يريد ذلك. اوباما فشل في سوريا، والتاريخ سيذكر له ذلك. حدث ذلك اثناء ولايته، وقد يتهمون جورج بوش بالحربين في افغانستان والعراق، لكن اوبام سيتهم بالحرب التي لم تكن. وبشكل أدق، بالحرب التي كانت بدون تدخل أمريكي حقيقي.
بعد القصف البربري للمستشفى الكبير في شرق حلب، لم تستطع الولايات المتحدة البقاء مكتوفة الايدي. كيري أعلن عن انهاء الحوار مع روسيا، لكن ليس انهاء التعاون. وقد تكون هنا المشكلة الكبيرة. صحيح أن واشنطن لا تريد حادثة تؤدي إلى الصدام بين القوات الأمريكية والروسية، لكن ذلك يحدث على حساب الشعب السوري. والامم المتحدة ليست بريئة من التراجيديا السورية. حق الفيتو لروسيا يتكشف من جديد كعقبة أمام أي حل.
مرة تلو الاخرى نشاهد صورة لولد سوري آخر وهو ميت، الامر الذي يزعزع العالم من اللامبالاة، لكن ليس لفترة طويلة، بل لبضع ساعات. وهذا لم يتغير لأنه في الولايات المتحدة وفرنسا توجد الآن انتخابات، والجمهور في الغرب لا يحب الدماء أو الحروب. مفهوم الحرب العادلة خرج من الموضة. صحيح أن وسائل الإعلام الدولية تقوم بالعمل، وكذلك المنظمات الإنسانية تقوم بعرض أفلام في الانترنت. ولكن للتوثيق نتائج محدودة جدا.
كان يجب العمل في سوريا منذ وقت. ولا أحد يميز اليوم بين من هو متمرد ومن هو جهادي. الجميع ضد الجميع. حرب أهلية تحولت إلى حرب دينية.
اتهامات متبادلة
الولايات المتحدة التي عودتنا على اشياء اخرى تعرف أننا نتوقع منها أكثر، لكنها اختارت التنازل للأسد والتركيز على الحرب ضد داعش. في هذا الاسبوع التقى رؤساء الاجهزة الأمنية الأمريكية مع الرئيس اوباما الذي سينهي ولايته في كانون الثاني، لنقاش خيارات العمل، هذا على الاقل ما صدر عن وزارة الخارجية.
هذا لا يضمن أي شيء. صحيح أن كيري هدد باستخدام القوة في حال استمر القصف الجوي لحلب. لكن روسيا تفهم أن قدرة واشنطن على الرد محدودة. وما أعطاه اوباما لبوتين في سوريا يصعب أخذه منه. وزارة الخارجية قالت إن من بين الخيارات المطروحة، الافضل هو الخيار الدبلوماسي. بالنسبة لهم هذا خيار عسكري. الامر مريح لبوتين والأسد. يمكنهما الاستمرار في تنظيف شمال حلب من معاقل المتمردين الاخيرة. بالنسبة للرئيس السوري الحديث يدور عن إرهابيين.
هدف قوات الأسد هو احتلال أكبر قدر من المناطق القريبة من خط الفصل بين الشرق والغرب. طموح الرئيس السوري هو رؤية المتمردين يختنقون في المناطق التي يسيطرون عليها في شمال شرق المدينة. إنه يعمل على ذلك منذ 22 ايلول/سبتمبر. مع بدء ذلك القصف الاعمى من قبل روسيا.
ولمن نسي، قبل ذلك باسبوعين، في جنيف، تم التوقيع على اتفاق وقف اطلاق النار الذي كان يهدف إلى المساعدة على اقامة ممرات انسانية. ولولا التراجيديا، كان يمكن الضحك من ذلك. ولكن في حلب لا أحد يضحك أو يذكر متى ضحك في المرة الاخيرة. حلب تعرف البكاء فقط، بعد انهيار وقف اطلاق النار منذ زمن. إن من يتحمل المسؤولية عن فشل وقف اطلاق النار، حسب روسيا على الاقل، هي الولايات المتحدة. يجب أن نفهم أنه في الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا لم يتم تحديد من هو الإرهابي. بالنسبة لواشنطن بعض المتمردين هم مقاتلون من اجل الحرية، ولكن بالنسبة لروسيا فإن جميع المتمردين هم إرهابيون. الجميع في سلة واحدة. كان واضحا أن هذه الثغرة ستؤدي إلى الانفجار. والوحيدون الذين ينفعلون من ذلك هم الأمريكيون.
هذا ايضا سبب عدم احداث أي انفعال في الكرملين من اعلان كيري. بوتين لن يغير الاتجاه. ويبدو أن وزارة الدفاع الروسية قررت الصعود درجة عندما وضعت في ميناء طرطوس صواريخ اس 300. هذا الاجراء يضمن حماية موقعين عسكريين لروسيا في طرطوس واللاذقية حيث توجد هناك عشرات الطائرات الحربية الروسية والمروحيات. من قال إذا إنه لا يوجد سلاح جو فاعل للأسد مع قدرة ليلية على القصف؟.
في منتصف الاسبوع حدثت مناظرة بين المرشحين لنائب الرئيس. تين كاين الديمقراطي في مواجهة مايك فنس الجمهوري. وقد ذكرت سوريا. وفنس قال إنه يريد منطقة أمنية من اجل عودة الاطفال إلى المدارس حتى لو احتاج الامر تدخل الولايات المتحدة. كلينتون ايضا تفهم أنه إذا فازت فلن يكون لها خيار آخر.
الولايات المتحدة سمحت للتراجيديا السورية بأن تتحول إلى مشهد شكسبيري. كان يمكن أن تكتفي بثلاثة، لكن الحديث هنا عن تراجيديا سورية، حولت فجأة التراجيديا اليونانية إلى شيء هامشي وبسيط.
هآرتس 7/10/2016