المغربي جميل حمداوي يبحث «موقف الإسلام من التشكيل»

حجم الخط
0

الرباط ـ من لحسن ملواني: يبين الكاتب المغربي الموسوعي، جميل حمداوي، في كتابه «موقف الإسلام من التشكيل وفق رؤية معاصرة»، (الطبعة الأولى ـ 2016 ـ مؤسسة المثقف العربي) أن الإسلام قرآناً وسنة وفقهاً، لم يقف من الفن التشكيلي والتصويري موقفاً سلبيا مطلقاً، بل قيده بشروط رادعة، أما تحريم التصوير من قبل السنة، فهو مرتبط بسياقه التاريخي ارتباطا بالوثنية والشرك وعبادة الأصنام التي كان يصنعها الإنسان.
ترصد فصول الكتاب، الذي جاء بأسلوب سلس، وبتراتبية للأفكار، معززاً بالبراهين والمواقف المختلفة، مفهوم التشكيل والتصوير ـ عصر الصورة ـ موقف القرآن من فنون التشكيل ـ موقف السنة من فنون التشكيل والتصوير ـ موقف الفقهاء من فنون التشكيل ـ موقف الإسلام من الصور الفوتوغرافية ـ الحضارة الإسلامية والفنون التشكيلية ـ وبعدها خاتمة ملخصة ومشيرة إلى موقف الإسلام من هاته الفنون، استنادا إلى حيثيات وضرورات عصرية.
في البحث الأول، حاول الكاتب مقاربة موضوعه انطلاقاً من شرح مصطلحات متشابكة المعنى ومختلفة في الوقت ذاته. التصوير والصورة والتمثال والتشكيل. فالصورة حقيقة الشيء وهيئته، والتصوير خلق وإنشاء وتجسيم وصنع المخلوقات المختلفة، وتكوين الإنسان، وتصويره في هيئته وشكله، وقد يعني الإيجاد من عدم، وهو لا يعني التصوير والرسم أو الرقم في الثوب، أو تخطيط لوحة أو صحيفة، بل يدل على أن الله هو المصور الأول.
بمعنى الخالق الأول للوجود بهذه الصفة الخلقية المتميزة والخارقة، والله هو المصور مصداقا لقوله تعالى «هو الخالق البارئ المصور».
وكون التصوير هو الخلق والنفخ في الروح وتشكيل الإنسان والحياة والهيئة والوضع والكيف، هذا غير مرتبط بما يسمى بالرسم الفني أو الإبداع البشري وإنتاج اللوحات التشكيلية. فمفهوم الصورة مثلاً، لغة واصطلاحا، ويقصد بها التمثال أو تقليد الله في الإيجاد والخلق والتكوين.
والتماثيل بمعنى الصور والأشكال والمخلوقات، وهذا له علاقة بالخلق الرباني، وتقليد الذات السرمدية في الخلق والتكوين والإنشاء، ما جعل التصوير محرما لأنه يدل على التماثيل والأصنام وخلق الذوات المثيلة مضاهاة لله. لكن لا علاقة لذلك بالفن التشكيلي البشري المرتبط بنية الإبداع ومقصديات الفن والمنفعة والزينة والمصلحة.
كذلك، فإن التشكيل لغة واصطلاحا هو التصوير الحسي أو الوهمي، لكن من دون أن يبلغ مرتبة التصوير والتمثيل، وفي الدلالة الاصطلاحية يعني التشكيل الرسم بالألوان واستعمال الأشكال الهندسية وإبداع لوحات فنية وجمالية مثيرة وجذابة الغرض منها مقصدية حرفية أو مهنية أو وظيفية جمالية توثيقية.
ولم يعرف المسلمون اللوحة التشكيلية إلا عبر الاحتكاك الثقافي مع الغرب، وبالضبط مع حملة نابليون بونابرت على مصر، وتستند إلى أربعة مجالات للاشتغال، وهي مجال المحاكاة والتجاوز، ومجال التغيير والابتكار ومجال الصورة ومجال فن التصميم «الديزاين».
وحول الصورة، حدد الكاتب أنواعاً منها، الصورة التشكيلية، والأيقونية والفوتوغرافية، و الإشهارية، والإعلامية الإخبارية، و الكاريكاتيرية والمسرحية و السينمائية، والرقمية و البلاغية الأدبية، و التربوية والديداكتيكية، والتوجيهية. صور لا بأس باستخدامها وفق شروط محددة ولا تتعارض مع الأخلاق والتوجيهات التربوية والدينية.
وفي البحث الثاني، يرى حمداوي أن عصرنا عصر الصورة بامتياز، إذ تفرض نفسها على حياتنا اليومية، وفي الإدارة والوثائق الشخصية، حاضرة على الشاشات والحاسوب والفضائيات والأفلام السينمائية، وعليها تقوم التكنولوجيا المعاصرة. وعليه، تستحق أن يولى بها الاهتمام، وأن تستخدم وفق ضوابط معينة بدل تركها وتحريمها بلا مبرر.
وحول موقف القرآن من فنون التشكيل، وهو موضوع البحث الثالث، فأشار الكاتب إلى كون الله هو المصور الأول، ومن أسمائه الحسنى البارئ المصور، وانتهى إلى كون الفنان يسمح له أن يحاكي الطبيعة كما قال أفلاطون، وأن ينتقل من المحاكاة إلى التجاوز والخلق، كما قال كانط وهيغل، أي ما يقوم به المبدع انبهارا بالعظمة الربانية، وإعجابا بسحر الطبيعة التي خلقها الله، وافتتانا بعظمتها، وتأثرا بروعتها الساحرة. لذا فالفن التشكيلي هو فيض رباني ما لم يرتبط بشرك أو تبريك بالأشخاص أو تقديس للأولياء الصالحين، فالفن فضيلة وأخلاق وكمال من جهة، ويمكن أن يكون إسفافا ومنحطا من جهة أخرى.
وفي البحث الرابع، تناول حمداوي موقف السنة من التشكيل والتصوير، موضحاً أن تحريم التصوير من قبل السنة مرتبط بسياقه التاريخي ارتباطا بالوثنية والشرك وعبادة الأصنام التي كان يصنعها الإنسان. وقد أصبح التشكيل الآن ضرورة ملحة وحاجة من حاجات الإنسان.، مذكراً بالأحاديث التي تناولت الموضوع وفق سياقه التاريخي والديني.
بعد ذلك، قدم الكاتب موجزاً عن آراء الفقهاء من فنون التشكيل والتصوير، في البحث الخامس، وقد قسمهم إلى الرافضين للفنون التشكيلية جملة وتفصيلا، والمجتهدين المدافعين عن هذه الفنون، والذين يضعون الشروط المدافعين عنها بقيود وضوابط محددة..
وفي خاتمة الكتاب، أشار الكاتب المغربي، إلى كون الإسلام قرآنا وسنة وفقها لم يقف من الفن التشكيلي والتصويري موقفا سلبيا مطلقا، بل قيده بشروط رادعة كأن يكون أيقونا للشرك والكفر والوثنية والضلال والباطل، أو يراد منه مضاهاة خلق الله.
أما اللوحة حين تكون لغرض فني أو منفعي أو جمالي أو تربوي، فلا ضير ولا حرمة في ذلك، وقضية التحريم أو المنع أو الكراهة لهذه الفنون غير واردة اليوم مادامت الصورة بعيدة عن رابط الدين والعقيدة والكفر والوثنية والشرك، ومن ثم تقدم الصورة علاقة وثيقة بالمصلحة والمنفعة والحاجة والضرورة والفائدة الخاصة والعامة.

المغربي جميل حمداوي يبحث «موقف الإسلام من التشكيل»
قدم موجزاً عن آراء الفقهاء وميَّز بين أنواع الصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية