القاهرة ـ يارا اليماني: نال مؤخَّراً الشاعر المصري حمزة قناوي درجة الماجستير في الأدب الحديث برسالةٍ موضوعها «ثنائية الحاكم والمحكوم.. دراسة في أعمال الروائي صنع الله إبراهيم»، التي قام فيها بتفكيك السُّلطة ومساءلتها في أعمال الروائي صنع الله، واستقصاء وتحليل ظاهرة الحاكم والمحكوم في الأدب العربي، التي رفضت أكثر من جهةٍ نشرها إلى الآن لتناولها فكرة السلطة والحاكم في الوطن العربي!
قناوي الذي أنتج ثمانية دواوين شعرية وروايتين، تسببت أولاهما «المثقفون» في إقالته من عمله في وزارة الثقافة المصرية منذ عِقدٍ سابق، ويُصرُّ على أن المثقف يجب أن يكون على يسار كل سلطة، وأن المبدع الحقيقي قادرٌ على خلخلة مركز ومتن المشهد الثقافي من خلال تبئير الهامش والإسهام «الغرامشي» الفاعل في إفادة الطبقات المسحوقة مما يُقدَّم من أدبٍ وفنٍّ عماده الوعي والحاجة لا الاحتفاليات الكرنفالية المُكرِّسة لأسماءٍ لم تعُد سوى أسماء!
في هذا الحوار التقينا الشاعر المصري حمزة قناوي، لندلف إلى عالمه وأفكاره ونقترب من وعيه وقضايا إبداعه.
• ديوانك الشعري الثامن «لا شيء يوجعني» وقبله مجموعتك القصصية «باتجاه الطريق»، إضافة إلى روايتين سابقتين.. ألا ترى أن التحديد النوعي لتوجُّه الكاتب يعمِّق إجادته للنص؟
■ لا أطمح إلى الإجادة الفنية قدر ما أحاول تجاوز ذاتي للتعبير عن الآخرين في أنماط إبداعية مختلفة، أتصور أن هذا هو هدف كل كاتب، أن يتمثَّل رؤيته للحياة عبر الكتابة وما يود أن يتغير في العالم بالكلمات، وأعتقد أن المضمون يوجد الإطار الأقدر على احتوائه بنفسه، فالشعر باعتباره لغةً عليا تنتهج التجريد أكثر من الالتصاق بتفاصيل اليومي والمعيش كما هي إمكانات السرد، ويقوم على الترميز ومعاودة إنتاج الدلالات والإزاحة والرمز، بينما السرد في النهاية يستغل إمكانات تعدد مستويات اللغة وأطر التلقِّي والتحرك في الزمن، وإجمالاً فأجناس الكتابة الأدبية تتراسل وتتكامل، ونقرأ اليوم عن شعرية الرواية كما نطالع البناء السردي في مستويات القصيدة باعتمادها تقنياتٍ روائية أحياناً (وفي أحيان أخرى تقنيات السينما وبطبيعة الحال الإيقاع الموسيقي). ما يعنيني أنني أحاول أن أعبِّر عن نفسي وعن الآخر في الإطار الأنسب للرسالة الأدبية، أما التصنيف فلاحق على الكتابة.
• منذ صدور روايتيك، اللتين تناولت فيهما علاقتك بالعالِم الراحل أنور عبد الملك، تركت مساحات كبيرة خالية وغير مطروقة في حياة هذا العالِم الكبير، ربما تنتظر التأريخ أو رأب هذه المساحات بعمل ثالث؟
■ روايتي الأولى «المثقفون» التي تناولت فيها هرولة المثقفين تجاه مصالحهم الخاصة في مصر ما قبل الثورة، وسط مجتمعٍ ينهار بالكامل، ذكرت فيه تجربتي الشخصية التي «صدمتني» مع شخصيات تعاملت معها وجهاً لوجه كجابر عصفور، وعماد أبو غازي، وحلمي النمنم (الذي كان موظفاً بلا مناصب منتدباً من دار الهلال إلى المجلس الأعلى للثقافة وفجأةً صار وزيراً) من قلب عملي ومعايشتي لأنور عبد الملك، رحمه الله، أتبعتها بالرواية الثانية «من أوراق شاب مصري» التي أرَّخت فيها لجيلي وما عاشه قبل الثورة وحتى اندلاعها، ودفعت ثمن العملين إقصاءً من مصر وإبعاداً من المشهد الثقافي الرسمي لمصر. وبالفعل هناك مساحات كبيرة من حياة الراحل أنور عبد الملك، الذي كان بمثابة أبي الروحي، لا يعرفها غيري، حتى أننا كنا نعد معاً في عام 2004 لكتابة مذكراته، وما عاشه في باريس والمهجر الأوروبي أستاذاً في السوربون، وعلاقته المباشرة بجان بول سارتر، عمله السياسي بعد خروجه من المعتقل، نشاطه في الحزب الشيوعي ومنظمة اليد السوداء، وتواصله مع جمال عبد الناصر، في الرسالة التي أرسلها إليه، حياته في فرنسا (حيث عشت معه في باريس 2006)، المكالمة التي أجراها معه هيكل وغيرت علاقته به إلى الأبد، هناك الكثير من أوراقه التي كتبها والتي لا يعرفها غيري، ولكن مسألة تدوين مذكراته مهمة صعبة للغاية لأنني لا أملك الحق في ذلك، والمسألة عائدة إلى ضميري في الأساس. ما أستطيع قوله إنه عاش نبيلاً ومتهماً من الجميع، دون أن يأبه لشيء سوى لمصر وضميره الوطني.
• تناولت أكاديميا فكرة السُّلطة في الأدب و»ثنائية الحاكم والمحكوم في أعمال الروائي صنع الله إبراهيم..» فهل اختيارك لهذا الموضوع نابعٌ من قناعاتك في علاقة المبدع بالسلطة والتأثير القائم والمتفاعل بينهما؟
■ اخترت هذا الموضوع لاتساقه مع رؤيتي من أن سلطة الكاتب يجب أن تكون أعلى من أي سلطة. الكاتب يملك سلطة الرفض، وعليه أن يكون على يسار كل حُكمٍ، الكاتب المُدجَّن هو كاتب خارج التاريخ وبلا مُنجَز، ولا أحسب أن أحداً سيتذكره بعد رحيله. صنع الله إبراهيم يظل أكثر الكُتَّاب العرب اتساقاً مع نفسه ومع مبادئه، رفض تدجينه في عهد فاروق حسني وواجه حسني مبارك بفساده في خطابٍ قويٍّ على الهواء امتقع له جابر عصفور، خرج من المعتقل كما دخله بقناعاته نفسها، وقد وجدت الكثير من أعماله تتناول فكرة الحاكم (ليس الحاكم السياسي بالمعنى المباشر إنما فكرة الحكم والتسلط والهيمنة من القوي على الضعيف في كافة تمثُّلاتها مجتمعياً)، وإن تناولت الجانب السياسي من هذه المعالجة في رواياته أيضاً، ولم توافق جهة لليوم على نشر الرسالة لحساسيتها وطبيعتها.
• ما الذي يستوقفك اليوم في الأدب المعاصر؟ في المشهد الثقافي والإبداعي المعيش في مصر والوطن العربي؟
■ يستوقفني غياب القضايا الكبرى، وأولويات الكتابة وفق تراتبية أهداف الحياة لدى الجيل الحالي، قديماً كانت هناك بلورة أفكار حول المفاهيم التي تُغلِّف العصر، كانت هناك بوصلة فكرية توجِّه الأعمال الأدبية المُنتَجة، ليس قسراً وإنما وفق طبيعة واتساق الأفكار والصبغة النفسية والأيديولوجية للعصر، كـ«الوجودية»، و«الواقعية» و«الرومانسية» و«العبث»، لم تكن هذه التيارات مجرد أُطُر يُكتب في أقنيتها، إنما كانت توجُّهات ملتصقة بالعصر وأفكاره وحروبه وتحولاته وقيمه وفنانيه وسياسييه.. أما اليوم فاللاتوجُّه هو الطاغي على كافة أشكال الكتابة المُنتَجة، ثمة نوع من التشظي والتشرذم والانفصال عن التاريخ وأولوياته وقضاياه وهموم إنسان عصره يسيطر على المشهد، ما يوجِد فجوة هائلة بين الإنسان وحقيقته وواقعه. كتابات اليوم الكثير منها يُكتب للاستعراض أو للحصول على الجوائز لا للتعبير عن عصرٍ أو للشهادة على واقع حي أو حتى للإمتاع الأدبي الخالص. والكثير من النقاد للأسف يسهم في هذه الفوضى بعدم فهمه لدوره العضوي والتنويري بين النص والمتلقي، بعدما صارت جاذبية ثنائية (النص/ الجائزة) أو (الكاتب/ الشهرة) أكثر رواجاً من فكرة القيمة والتاريخ الأدبي.
• حركة التاريخ لا تتوقف، والعالم في تحولات دائمة، تماماً كأفكار ورؤى الكاتب، ما الذي تراه الآن لتكتبه غداً؟ ماذا يستفزك الآن في العالم للكتابة عنه؟
■ كل ما في العالم اليوم محكومٌ بالغرابةِ والقسوة، لا شيء فيه تقريباً يسير في مساره الطبيعي، والمفترض، وفي عالمنا العربي تحديداً لا شيء تقريباً يشبه باقي الكوكب! الحقوق البديهية مجرد أحلام والقضايا الكبرى التي تُباد شعوبٌ بأكملها على مذبحها لا تدخل في تراتبيات وأولويات الوعي العربي، كل ما في عالم اليوم يحبطني.. هناك آلاف الأطفال يذبحون في سوريا ويواصل العالم لامبالاته وجشعه واستهلاكه النمطي لكل شيء، ويصنع وعيه «المزيف»بقضايا لا يفترض أن تحتل هذه المساحات من اهتمامات الناس: كأس العالم والأطعمة الأمريكية المعولمة والفيسبوك. هناك نساء عُزَّل يواجهن الجنود الصهاينة المدججين بسكاكين المطبخ ويدفعن حياتهن ثمناً لدفاعهن عن حقهن في أرضهن، ولا يأبه أحد.. آلاف الغرقى في المتوسط الحالمين بالوصول إلى القارة العجوز فيصلون إلى الموت محتضنين أطفالهم. وعينا العربي في حالة موت سريري، ونحن نخرج من التاريخ بأقصى ما يُمكن.. كل شيء يسير في مساره المرسوم له سلفاً.. ومن يملك الوعي لا يملك القدرة على تغيير الواقع. لا أعرف ماذا أكتب أمام واقعٍ لا تكفيه أكبر المآسي الإغريقية محاكاةً لسوداويته.