قصة «انهيار معلن» والحرب الأخرى غير المعلنة

لست أول من قارن أو استحضر أدب أمريكا اللاتينية الغرائبي مستشهداً به ومقارناً إياه بواقعنا العبثي، ولن أكون الأخير؛ ولما كان الأمر كذلك فلا بأس من استعارة عنوانٍ من ماركيز، ألا وهو»قصة موت معلن «، ففي تلك القصة يعلم القارئ منذ البداية أن البطل مقتولٌ في النهاية، تماماً كما يتحسب تلك الخاتمة شخوص الرواية الشهود حيث لم يخف القتلة نيتهم القتل ثأراً لشرفهم.
كذلك الحال في حكاية الأوضاع والاقتصاد في مصر. الكل متخوفٌ يتوقع الأسوأ، الكل بلا مبالغة (عدا المنتفعين ) فجمهور الناس يعيش غلاء أسعار السلع والخدمات الأساسية ويكتوي بنارها، كما تتناثر هنا وهناك توقعات وتحليلات تفيد باستمرار تصاعد تلك الموجة من التضخم والغلاء ومن ثم التأزم الاقتصادي.
في يوم الأحد الثاني من أكتوبر نشر موقع «مدى مصر» الجاد تقريراً عن خطة البنك المركزي لتعويم الجنيه يوماً بيوم، وفقاً لمضمون مذكرة بحثية صادرة عن بنك الاستثمار بلتون، وهي تعضد في حقيقة الأمر حدساً عاماً بذلك، إلى كونها تضيف بعض التفاصيل عن محاولة البنك المركزي، أي النظام من الناحية الفعلية، دعم أرصدته الدولارية عن طريق بضعة مليارات، من المتوقع، أن ترفده بها السعودية والصين في تبادلٍ للعملات.يبدو إذن أن التعويم مقبل لا محالة وما الأمر إلا مسألة وقت، أيام على أغلب تقدير؛ وكقصة ماركيز، فإننا أيضاً نتوقع التدهور في الأداء الاقتصادي بما يعنيه ذلك من التدهور العام، الحاد والسريع في مستويات المعيشة.
لا اعتقد أن أياً منا يملك رفاهية نسيان أن تلك حالنا منذ ما يزيد على الأربعة عقود، وعلى ذلك فمن المبرر تماماً ذلك السؤال الشهير اليائس المألوف: ما الجديد؟
بضعة أمور.
أولاً هناك معدل الانهيار والتدهور، فهو الآن أسرع من ملاحقته كما تشهد على ذلك سرعة انخفاض قيمة الجنيه والغلاء اللذان باتا يتغيران يومياً، كما أن ذلك الانهيار لم يحدث بموازاة ظرف تدهورٍ سياسيٍ اعتيادي، ( إذا أمكن استخدام كلمةٍ كتلك) أو تعبيراً عنه وإنما عقب ثورة مغدورة وعودة للنظام، متمترساً وراء أداة بطشه الأقوى. أما الثاني، ولعله الأكثر إثارةً للدهشة، هو تلك الجرأة المقترنة بالصفاقة في التعجيل بالتملص من أي التزاماتٍ بالدعم، لم يجرؤ مبارك طيلة سني حكمه على الاقتراب منها بشكلٍ سافر. لم يفعلها مبارك ليس لأنه «حنون» وإنما لأنه بشكلٍ شبه أكيد مازال يذكر مظاهرات الخبز في 77 التي حدت بالسادات أن يفكر بالفرار، وعلى ذلك فقد تفادى «الصدمات» التي أودت برئيسه في النهاية. لقد تعلم الدرس، ربما لم يكن سعيداً بالدعم لكنه لم يجرؤ على التصريح بإلغائه، وعوضاً عن ذلك اكتفى بتقريع الناس على معدلات إنجابهم العالية، وترك كل شيء بما فيه الخدمات للترهل والتعفن البطيء، مثله تماماً.
إزاء جموحٍ صفيقٍ كالذي يبرهن عليه يومياً السيسي ونظامه لا تملك سوى أن تسأل صارخاً: من أين يستقي هؤلاء أفكارهم ومن يشير عليهم؟
اختصاراً لأسئلةٍ ومخاوف وجوديةٍ صارت شديدة الإلحاح والإيلام، سوف أذكر تصوري للفترة الحالية والمقبلة في ضوء المعطيات: لم يخرج نظام مبارك بانحيازاته الاجتماعية – الاقتصادية من الصورة، وفي حقيقة الأمر لم يبعد كثيراً؛ ربما تعرض لهزة عنيفة وتهديدٍ وجوديٍ حقيقي إلا أنه عاد، وفي طوره أو نسخته الحالية الأبشع والأعنف فإنه يسرع بشراسةٍ قل نظيرها في تنفيذ مشروعٍ قديمٍ تعطل كثيراً وطويلاً في نظر أنصاره؛ وككل كارثة أو هزةٍ سياسية، يبحث رأس المال عن شقٍ أو فرجةٍ لينفذ منها وينفذ مشروعه، هذا ما يجب دائماً وأبداً التذكير به. لقد بيعت أغلب شركات القطاع العام الرابحة أو التي تملك إمكانيات النجاح، أعلم ذلك جيداً، إلا أن ملف الدعم والتعويم قديمان، حاضران في ذهن الدولة وثلة من المصدرين لزيادة مكاسبهم. لذا ففي حين أننا نشعر بالغضب والمرارة على ثورةٍ غدرت بدون مكاسب اقتصادية واجتماعية ملموسة ( بالطبع هناك مكاسب من نوعٍ آخر كتسييس قطاعاتٍ واسعة وكسر حاجز الخوف وما أشبه)، فإن النظام استغل الفرصة لدفع مشروعه ملقياً بتبعاته الاجتماعية وفاتورته على الشعب والثورة وما تسببت به من «انعدام استقرار» أضر بالاقتصاد، في زعمهم.
لا نحتاج لذكاءٍ أو عبقرية لندرك أن التكلفة الاجتماعية ستقع على كاهل الطبقة الوسطى التي ستزاد اضمحلالاً والطبقات الفقيرة، ذلك المحيط الواسع بدرجاته، التي ستزداد انغراساً وغرقاً في مستنقع البؤس والعنف، إذ كالعادة دائماً ستدفع تلك الطبقات ضريبة حماقة وجشع الرأسمالية.
من الجدير بالذكر هنا أنه في حين أن الرئيس السيسي، ونظامه من ورائه، يحاولان التظاهر بالتماسك والسيطرة فإن كل الدلائل تؤكد أنهما، بلا استثناء تقريباً، تائهان يفتقران إلى الفهم والرؤية. الأهم من ذلك فلا شك من أن وراء نبرة الثقة هناك نبرةٌ أخرى، متوترة متخوفة، إلا أن ذلك لا يمنع من الاستمرار في الدرب نفسه بالانحيازات الاجتماعية والاقتصادية نفسها، وإنني يوماً بعد آخر صرت أقرب إلى القناعة بأن الأمور خرجت عن سيطرته وإرادته بقدرٍ بعيد. لقد ارتهن النظام لقوى الرجعية الإقليمية التي شكلت وما تزال شريان الحياة الوحيد الذي أنقذ النظام من الانهيار في لحظاته الأحلك، بالإضافة إلى رأس المال المحلي وجشع مؤسسات عنف الدولة للثأر والثروة. هو لم يعد «يقود» إذا جاز التعبير (وبفرض أنه كان صاحب الكلمة الأولى والأخيرة بالفعل في أي وقت) ولا يملك تغيير مساره لئلا ينهار دعمه ويتم الانقلاب عليه والإطاحة به من قبل بطانته أو داعميه، الذين لا يرى سواهم في المقام الأول. هو يتحسب الآن للتبعات على المستوى الشعبي، إلا أنه في ما يبدو على قناعة بأن مزيجاً من الكلام المعسول المبتذل لاستدرار العواطف الوطنية والتلويح بالعصا (مقدرة الجيش على الانتشار في ست ساعات) كفيلان بالسيطرة على بوادر أي عاصفة. هو ليس عبد الناصر. كما أرجو أن لا يفهم من ذلك أنني أعفيه من المسؤولية بأي شكلٍ من الأشكال.
أما الاستنتاج النهائي فهو يتعلق بحربٍ أخرى غير معلنة يشنها النظام غير الحرب على الإرهاب (التي لا أقلل من شأنها وإن كنت أشك في تقارير النظام وأرقامه ومعلوماته فيها)؛ تلك حربٌ أخرى ممنهجة وأكثر قدماً، ألا وهي حربٌ طبقية يشنها النظام على الطبقات المعوزة والأكثر فقراً في مصر منذ ما يزيد على الأربعة عقود. ليس جديداً أن تحتقر الطبقات الحاكمة التي تحتكر الثروة والسلطة الطبقات الشعبية (بل والوسطى في بعض الأحيان ) التي يتصادف كثيراً أن تضرب أمثلةً حقيرةً بقدر ما هي محزنة على التنكر للأصل في حال الكثيرين منهم، إلا أن الجديد الآن هو تلك الرغبة في الانتقام من تلك الطبقات التي نزلت إلى الشوارع بالملايين «بينما هي لا تفهم شيئاً وكل ما كان ينبغي أن تفعله أن تطيع ما تؤمر به في صمت» وترويضها وكسرها تماماً عن طريق ابتذال الدماء والأرواح (كما حدث في حال الخمسة الذين قتلوا تغطيةً على مقتل الإيطالي ريجيني، وهم لا ناقة لهم ولا بعير، على سبيل المثال لا الحصر)، ولا أستطيع هنا أن أفلت من استدعاء ومقارنة تلك العقلية وذلك النهج بمثيليهما المهينين المنحطين اللذين يعامل بهما المجندون في الجيش من كل الخلفيات، ممن لم يسعدهم الحظ بقرابةٍ ما تحفظ لهم آدميتهم. قلب السياسة الحالية هو كسر الإرادة ووأد ذلك التخلق لحياة سياسية ومجالٍ عام وإعادة الجماهير إلى حظيرة السمع والطاعة وترسيخ معاني اللاجدوى والهزيمة فيهم من منطلق «ها أنتم قمتم بثورة فانظروا ما حاق بكم من إفلاس وانعدام استقرار»، وتحت غطاء من قصف بطاريات الشحن الوطني الساذج، والعبيط بكل صراحة، يتم ضرب كل براعم القوى السياسية ورفع السقف عن العنف وابتذاله وسحق الطبقات غير الميسورة التي يكن لها النظام ورجاله كل احتقار ويعدونها عبئاً لا يعرفون كيف يتخلصون منه، إلا أنهم لم يعودوا يقبلون بأن تتحمل ميزانية الدولة عجزاً بسببه، في زعمهم بالطبع.
مصر أكبر حجماً من أن تترك لتسقط، تلك قناعة لدى دول الخليج الرجعية السنية الحكم والغرب تفرضها الجغرافيا والثقل السكاني، وإن حوادث الغرق في محاولات الهجرة لتنبئ بمدى كارثية انهيار مصر، وما قد يتبع ذلك من انفجار ذلك الخزان البشري الذي قد يغير كل الترتيبات الإقليمية والعالمية، إلا أنها لا بد أن تظل هكذا، تكتفي بمجرد التنفس الضحل.
يجوز أن هناك كثيرين يأملون خيراً ينقشع عنه الأفق، فمن اقتنع بالسيسي «المخلص» من الوارد أن ينتظر المعجزة، لكن كثيرين منا يحاكون شخصيات رواية ماركيز البديعة، يدركون أن فقراً وعنفاً في الأفق. السؤال الذي سيتجدد دائماً وسيطرح لا محالة في الفترة المقبلة على دعاة الإصلاحية، ذلك الداء الذي أعيا من يداويه: عقب ما نشهده من تردٍ اقتصادي وتهديدٍ مطمئنٍ بالعنف: هل ما زال يرجى من هذا النظام خير؟
كاتب مصري

قصة «انهيار معلن» والحرب الأخرى غير المعلنة

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية