جذور الحكاية الشعبية وفنونها

حجم الخط
0

 

قسّم فيكتور هيجو العهود البشرية إلى ثلاثة:
العهد الفطري وهو الذي انتقل من التفاهم بالإشارات إلى إنتاج الفن الغنائي كالتنفس والانتشاق.
العهد القديم وفيه تنتقل القبائل إلى الأمة ثم تتعدد إلى أمم تشتجر منافعها ويؤدي اشتجارها إلى الحرب فينشأ عنها الفن الملحمي لكي يصور الأحداث والأبطال في نسق أسطوري.
العهد الثالث عهد التحضر أو الحديث زمن الفكر، ومن أهم آدابه المسرحية لامتزاج فنيتها بعناصر الفنون الموروثة من العهدين عن رؤية فكرية تجريبية.
ولعل هذا التقسيم ينطبق على العهود الأوربية، أما العهود العربية أو الشرقية فلا تخضع لهذا التقسيم، ولعل عهدها الأول عهد الإشارات ثم الأساطير ثم العهد الغنائي المعبّر عن أهواء النفس الجماعية أو الفردية، ثم استمرار الغنائية مصاحبة لآلة بسيطة أو قائمة بذاتها على تعاقب الأديان بمختلف اعتقاداتها، وعلى تعاقب فترات الجاهلية. ويمكن أن يلي عهد الإشارات والأساطير عهد الأديان ثم الجاهلية الأولى ثم النبوة الإبراهيمية، ويستمر هذا العهد حتى ميلاد المسيح، ثم تأتي الجاهلية الثانية من القرن الثالث الميلادي وفيه سادت الوثنية والمجوسية والكواكبية مواكبة للموسوية والمسيحية على شبه جزيرة العرب وعلى أكثر بلاد ما بين النهرين. يلي الجاهلية الثانية العهد الإسلامي وكان الفن الغنائي على مختلف إيقاعاته الحماسية والعاطفية هو التعبير الوحيد عن الأشواق الإنسانية وإلحاح الواقع الهش، وقد تمكن هذا الفن الشعري الغنائي من نقل الأحاسيس الفردية وتصوير الأحداث القبلية والفرقية، ثم أحداث الأمة عندما اشتبكت بما حولها من الأمم أيام الفتوحات وأيام ردّ الغزوات، وكان هذا الفن الغنائي يتطور من داخله، عن تأثير القرآن والسنّة وثقافة الأمم المفتوحة، فانتقل من الفطرية إلى الوجدانية الذاتية، ثم الوجدانية العشائرية، ثم الوجدانية الشعبية عندما أصبحت الخلافة ملوكية تناوئها تنظيمات شعبية، كالخوارج والعلويين والزبيريين… وكانت اليمن أميل إلى العلويين لحرمانها من السلطة بعد انهيار حضارتها.
وكانت فكريات الشعر الغنائي تتنامى بمقدار تزايد الأمة، وبمقدار رقي الحضارات، ومع هذا الفن المتطور تطورت الحكاية الشعبية من أساطير أو شبه أساطير إلى أخبار أو شبه أخبار كوّنت التاريخ وطوّرت الفن الحكاياتي: كرحيل بلقيس إلى «أورشليم سليمان» على جناح عفريت سمّته الحكايات «آصف»، وكطيران «معبد القمر» بمأرب ليلاً، وكشقّ الملائكة قلب النبي محمد وغسله من الأدران البشرية، حتى وصلت أطوار الحكايات بداية نضجها كما في «ألف ليلة وليلة» وكما في «سير الأنبياء» للثعالبي، ثم انتقلت القصة من الرواية السردية إلى التمثيل في القرن السادس الهجري، كامتداد لمواكب الخلفاء وحوار مضحكيهم من الظرفاء، وكان أول من مسرح الحكاية هو أديب ماجن كما وصفوه يسمى محمد بن دانيال الموصلي، الذي لجأ إلى مصر أيام الغزو التتري للعراق عام 665 هـ، وفي مصر قدّم مسرحياته فتساءل الحكام الأيوبيون ووزراؤهم عن تحليلها وتحريمها، ولما شاهدوها وجدوها تقصّ العظات والعبر وانقراض الممالك وإدالة الدول.
غير أن هذه لم تكن كل الأعمال وإنما كانت هناك مسرحيات تسلية لا تخلو من عظة، أو مواعظ لا تخلو من تسلية، وكانت تسمى المسرحية «بابة»، وكان يسمى ذلك بالفنّ السامر، وأشهر تلك المسرحيات أو التمثيليات ثلاث: «طيف الخيال»، «عجيب وغريب»، «المتيّم والضائع اليتيم»… إلى جانب تمثيلية «لعب التمساح» و»لعب المنار» و»حرب العجم». وكانت  «لعب التمساح» عن فلاح ضاق به مجال الرزق في الأرض، فتحول إلى صياد، وكان أول صيده تمساح ابتلع صياده الفلاح حتى رأسه، فاستنجد الصيادون بساحر مغربي أخرج الفلاح من بطن التمساح.
وهذه تشبه حكاياتنا الشعبية كما سيأتي، كما تشبه في مغزاها الوعظي حكاية «ذي النون» الذي ابتلعه الحوت ثم أنجاه الله، وهذا الفن الدانيالي امتداد لفن الأسمار الذي برع فيه عبيد بن شريه عند معاوية، كما طوّره كتّاب سيرة النبي وبالأخص ابن اسحق وواعظو المساجد والحكاؤون عند خلفاء بغداد والأندلس. أما التمثيلية الواقعية للموصلي فهي «لعبة المنار» لأنه قصّ فيها أحداث الحروب الصليبية التي عاصرها أو تأثر بأخبارها، وقد كانت كل هذه التمثيليات المكوّنات الأولى لمسرح «خيال الظل» أو «الأراجوز» أو «مسرح العرائس» أو «معرض الدمى» في مصطلح الكنيسة الأوربي. لكن العهد الأيوبي لم يشكل بداية خصبة لمسرح عربي متنام لاقتصاره على قصور الخاصة وأهل الأدب، كما أفصح عن ذلك ابن دانيال في مقدمته الشعرية لكل مسرحياته.
فهذه التمثيليات لم تأت من فراغ مهما كانت هازلة، وإنما تنامت كل الفنون من قبل هذه التمثيليات ومواكبة لها، فقد ولدت المقامات من دوحة الشعر وتطورت كقصة ذات حكاية أو حكاية ذات قصة وبطل خيالي: كأبي الفتح الإسكندري عند بديع الزمان، والحارث بن همام عند الحريري… غير أن المقامات من الخوارزمي إلى البديع إلى الحريري حاكت الشعر الرسمي من ناحية معجمها، ومن ناحية مضمونها باعتبارها ثانية الشعر في التعبير عن الأيديولوجية الرسمية.
لهذا كانت الحكايات العامية المثيرة أدب الشعب أو سامر تجمعاته، وقد سمي الحاكم في بلادنا بالمخبّر لأنه يخبّر عما رأى من الأحداث أو يسرد ما سمع من أصحاب الذكريات، على أن الحكاية الشعبية لم تستحوذ على الميادين الفنية: كألعاب الباله، والأغاني، والمهاجل، والزوامل، والقشعي… وكلها أدب الشعب لأنها من صنعه ومن مروياته، وعن الموضوعات التي تهمه بدون أن يعرف لها قائل معين وإنما هي صوت الشعب وترديد الشعب. ولعل أغلب الحكايات، إن لم تكن كلها، تمجيد للأرض كملجأ أمين وكإجابة كل نداء، باعتبارها منبت الناس والبشر ومصدر الاستقرار الحضاري.

من «فنون الأدب الشعبي في اليمن»، 1987

الضرير الرائي

يظلّ (1929ـ1999) شاعر اليمن الأبرز، الأعلى فصاحة وإعجازاً وتمرساً، سواء على صعيد اللغة وتنوّع الموضوعات والإيقاعات؛ أو النهل العميق من تاريخ اليمن وفنونه وثقافاته. وهو إلى هذا وذاك، الرائي المبصر، وهو الضرير منذ سنّ السادسة، الذي استحقّ الانتماء إلى إرث زرقاء اليمامة؛ فضلاً عن كونه، أخيراً، ذلك النموذج اليمني الرفيع من أمثال بشار بن برد وأبي العلاء المعري، ممّن قالوا شعراً رأى المرئيات لا كما يفلح في رؤيتها المبصرون.
ولد في قرية البردون، شرق مدينة ذمار، وأصيب بمرض الجدري وهو في السادسة من عمره، ففقد بصره. لكنه واظب على الدراسة، وأبدى نزوعاً جارفاً نحو نظم الشعر، قبل أن ينتقل إلى صنعاء فيدرس في جامعها الكبير، ثمّ دار العلوم، التي تخرّج منها حاملاً إجازة في العلوم الشرعية. وحين بدأ ينشر الشعر، أو يقوله في المحافل العامة، صارت قصائده بمثابة منشورات سياسية تحرّض على مقاومة العسف والطغيان، وتحثّ المثقف على اتخاذ مسافة نقد واضحة من السلطات، والانحياز إلى قضايا الشعب وهمومه وهواجسه. وعلى نحو ما، كان البردوني تقدميّ المزاج، إلى جانب دفاعه الدائم عن الحريات العامة وحقوق المرأة واستقلالية المجتمع المدني. وكان، في جلّ هذه المواقف، لاذع النقد ومرير الهجاء، فتُذكر له هذه الأبيات الشهيرة في نقد توقيع القاضي عبدالله الحجري على تجديد اتفاقية 1934، والتي ألقاها البردوني في حضرة القاضي نفسه: «فظيع جهل ما يجري/ وأفظع منه أن تدري/ وهل تدرين يا صنعا/ مَن المستعمر السرّي/ غزاة لا أشاهدهم/ وسيف الغدر في صدري».
من حيث الشكل، ظلّ البردوني وفياً للقصيدة الكلاسيكية وعمود الخليل، لكنّ موضوعاته لم تكن حداثية وطليعية، فحسب؛ بل كانت تشتغل على تجديد وئيد، ولكنه منهجي وطيد، للعناصر الكلاسيكية. مجموعته الأولى «من أرض بلقيس» صدرت سنة 1961، عن المجلس الأعلى للآداب والفنون، القاهرة، وكانت جهة النشر تلك دليلاً على علوّ كعبه المبكّر ونضجه الفني. وحين رحل، كان قد أصدر 12 مجموعة، وترك عدداً كبيراً من القصائد والمخطوطات. أما الجانب النقدي والفكري، فقد أسفر عن مجموعة كبيرة من المقالات والمؤلفات، لعلّ أبرزها: «رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه»، «قضايا يمنية»، «فنون الأدب الشعبي في اليمن»، «اليمن الجمهوري»، و«أشتات».

جذور الحكاية الشعبية وفنونها

عبد الله البردوني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية